الألغام… الحرب التي لا تنتهي حين تقتل الأرض أبناءها بعد صمت البنادق

الألغام… الحرب التي لا تنتهي حين تقتل الأرض أبناءها بعد صمت البنادق
الألغام… الحرب التي لا تنتهي حين تقتل الأرض أبناءها بعد صمت البنادق

ليس كل ما ينتهي في الحروب يتوقف عند لحظة إعلان الهدنة فهناك حرب أخرى صامتة بطيئة لكنها أكثر قسوة واستمرارية، حرب تُدفن في الأرض وتنتظر ضحاياها لسنوات بل لعقود إنها حرب الألغام.

في اليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام الذي أقرته الأمم المتحدة لا يُحتفى بالإنجازات بقدر ما يُكشف عن مأساة مستمرة عالم ما زال يعيش تحت تهديد قنابل لم تعد لها جيوش لكنها ما زالت تقتل، تشير تقديرات الأمم المتحدة وبرامج نزع الألغام الدولية إلى أن أكثر من 60 دولة ومناطق حول العالم ما تزال ملوثة بالألغام والذخائر غير المنفجرة مع آلاف الضحايا سنويًا الغالبية العظمى منهم مدنيون ونسبة كبيرة من الأطفال لكن الأهم من الرقم ليس عدد الضحايا بل طبيعة التأثير الألغام تعيد تشكيل الاقتصاد وتعيد تعريف الأمن وتخلق طبقة جديدة من المخاطر غير المرئية التي لا يمكن حسابها ضمن معادلات السلام التقليدية، حين ننتقل إلى ممرات التجارة والطاقة تتضح الصورة الأخطر فالألغام لا تُزرع فقط لحماية خطوط دفاع بل تُستخدم أحيانًا لخلق مناطق إنكار اقتصادي تعطل الطرق البرية وتُبطئ سلاسل الإمداد وتزيد كلفة النقل والتأمين في مناطق مثل شرق أوروبا خصوصًا أوكرانيا والشرق الأوسط في سوريا والعراق وكذلك في بعض أجزاء إفريقيا مثل ليبيا والساحل أصبحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والممرات الحيوية غير قابلة للاستخدام دون عمليات تطهير مكلفة وطويلة هذا يعني ببساطة أن الألغام لا تقتل الأفراد فقط بل تقتل الزمن الاقتصادي للدول حيث يتأخر الاستثمار وتتردد الشركات وتُعاد حسابات المخاطر الجيوسياسية.

الأثر يمتد إلى الأمن العالمي بشكل أعمق مما يبدو فوجود الألغام في مناطق النزاع أو ما بعد النزاع يخلق بيئة مثالية لعدم الاستقرار المزمن حيث تعيق عودة النازحين وتُبقي المجتمعات في حالة هشاشة ما يفتح المجال لعودة الجماعات المسلحة أو اقتصاد الظل هنا تتحول الألغام من سلاح تكتيكي إلى أداة استراتيجية لإدامة الفوضى منخفضة الحدة وهي الحالة التي تُفضّلها بعض القوى لأنها تمنحها نفوذًا دون تكلفة حرب مباشرة، أما جغرافيًا فإن خريطة الألغام اليوم تكشف عن تمركز واضح في مناطق النزاعات الحديثة والتاريخية أوكرانيا تُعد من أكثر الدول تلوثًا بالألغام حاليًا سوريا والعراق لا تزالان تعانيان من إرث الحروب ضد التنظيمات المتطرفة أفغانستان واحدة من أقدم بؤر التلوث إضافة إلى دول مثل كمبوديا وأنغولا والبوسنة والهرسك حيث ما زالت آثار حروب قديمة تحكم حاضر المجتمعات هذه ليست مجرد خرائط عسكرية بل خرائط لتعطّل التنمية.

وإذا انتقلنا إلى إقليم كوردستان فإن الصورة تصبح أكثر قربًا وألمًا وأكثر دلالة على فكرة الحرب التي لا تنتهي فالإقليم يُعد من أكثر المناطق تلوثًا بالألغام في الشرق الأوسط نتيجة تراكم حروب متعددة الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي ثم حملات النظام السابق ضد المناطق الكوردية وصولًا إلى الحروب ضد التنظيمات المتطرفة بعد عام 2014.

وفي هذا السياق يبرز البعد السياسي والإنساني الذي لطالما أشار إليه الرئيس مسعود بارزاني حيث يؤكد في خطاباته أن حماية حياة المدنيين وإعادة الأمان إلى الأرض ليست مجرد مهمة خدمية بل مسؤولية سيادية وأخلاقية تعكس جوهر أي مشروع استقرار حقيقي. ومن هذا المنظور فإن الألغام لا تمثل فقط خطرًا تقنيًا أو عسكريًا بل اختبارًا لقدرة السلطة والسياسة على إنهاء آثار الحرب فعليًا لا إعلان انتهائها فقط وهو ما يجعل من تجربة كوردستان مثالًا حيًا على أن التحدي لا يكمن في إنهاء القتال بل في استعادة الأرض كمساحة آمنة للحياة، مناطق واسعة من الحدود مع إيران وتركيا إضافة إلى مناطق مثل حلبجة رابرين مخمور وسنجار ما تزال تحتوي على حقول ألغام وذخائر غير منفجرة تشكل تهديدًا يوميًا، اللافت أن الألغام في كوردستان لم تعد مجرد إرث تاريخي بل أصبحت عاملًا مستمرًا في تعطيل التنمية آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الخصبة غير مستغلة ما يحد من الأمن الغذائي ويؤثر على اقتصاد الريف كذلك تعيق الألغام التوسع العمراني ومشاريع البنية التحتية وتفرض كلفة إضافية على أي مشروع استثماري وحتى السياحة التي تُعد أحد أهم موارد الإقليم في الربيع تبقى محكومة بخرائط الأمان حيث توجد مناطق طبيعية خلابة لكنها غير مفتوحة بالكامل بسبب خطر الألغام، أمنيًا تخلق هذه الألغام بيئة حساسة في المناطق الحدودية حيث تتداخل الجغرافيا العسكرية مع الحياة المدنية وفي بعض الأحيان تتحول هذه المناطق إلى فراغات أمنية نسبية ما يجعلها عرضة لاستخدامات متعددة سواء من جماعات مسلحة أو شبكات تهريب وهو ما يعزز فكرة أن الألغام لا تحمي الحدود بقدر ما تعيد تشكيل طبيعة السيطرة عليها.

أما إنسانيًا فإن الضحايا في كوردستان غالبًا ما يكونون من المدنيين مزارعون رعاة أو حتى أطفال وهذا يعيد إنتاج دائرة الألم عبر أجيال حيث تتحول الإصابة إلى عبء اجتماعي واقتصادي طويل الأمد لا على الفرد فقط بل على الأسرة والمجتمع.

السؤال الأهم ليس فقط أين توجد الألغام بل لماذا تستمر؟ فالألغام تُستخدم لأنها رخيصة فعالة وتحقق هدفًا لا تستطيع الأسلحة الأخرى تحقيقه السيطرة على المستقبل هي سلاح لا يحتاج إلى جندي ليبقى فعالًا ولا إلى ميزانية مستمرة لكنه يفرض تكلفة دائمة على الخصم وهنا يظهر البعد الأخطر الألغام تُستخدم أحيانًا خارج السياق العسكري المباشر سواء من قبل جماعات مسلحة غير نظامية أو في نزاعات داخلية أو حتى كوسيلة لفرض السيطرة على مناطق معينة أو منع عودة السكان. أي أنها تتحول من أداة حرب إلى أداة حكم غير مباشر.

من المستفيد؟ ليس طرفًا واحدًا فقط هناك من يستفيد استراتيجيًا عبر إدامة عدم الاستقرار وهناك من يستفيد اقتصاديًا من خلال عقود إزالة الألغام وإعادة الإعمار وهناك من يوظفها سياسيًا لفرض وقائع ميدانية يصعب تغييرها. في المقابل الخاسر دائمًا هو المجتمع المدني الذي يجد نفسه يعيش فوق أرض غير موثوقة حيث يصبح كل حقل احتمالًا للموت وكل طريق مغامرة، المفارقة أن العالم يمتلك أطرًا قانونية مثل اتفاقيات حظر الألغام لكنه في الوقت نفسه يشهد عودة استخدامها في بعض النزاعات الحديثة ما يعكس فجوة بين الالتزام السياسي والواقع العسكري هذه الفجوة هي التي تسمح للألغام بأن تستمر كأحد أخطر إرث الحروب بل وربما كأداة للحروب القادمة.

في النهاية الألغام ليست مجرد بقايا صراع بل هي استثمار في الخوف هي إعلان غير مكتوب بأن الحرب لم تنتهِ فعليًا بل غيرت شكلها فقط. وإذا كان السلام يُقاس بغياب السلاح فإن وجود الألغام يعني أن السلام لم يصل بعد والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس كم لغمًا أُزيل بل كم مستقبلًا ما زال معلقًا تحت التراب… ينتظر لحظة انفجار