ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
السيد مسرور بارزاني والقرار 688... كوردستان من ملاذ دولي إلى قلعة سيادية للتعايش
لم يكن قرار مجلس الأمن رقم 688 الصادر في 5 نيسان 1991 مجرد استجابة دبلوماسية طارئة لمأساة إنسانية بل كان ثورة قانونية في تاريخ الأمم المتحدة؛ إذ نجحت الدبلوماسية الدولية حينذاك في تدويل جرائم النظام السابق ضد الكورد وهي المرة الأولى التي يُستخدم فيها الفصل السابع لاختراق السيادة التقليدية لنظام قمعي من أجل حماية شعب من الإبادة إن جوهر هذا القرار الذي يمثل المرجعية القانونية الكبرى لإقليم كوردستان هو أنه نزع الشرعية الأخلاقية عن ممارسات السلطة الديكتاتورية آنذاك ومنح الكورد حصانة دولية سبقت صياغة الدستور العراقي الدائم بسنوات.
واليوم حين يستذكر رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، هذه الذكرى فهو لا يمارس طقساً بروتوكولياً بل يفعّل المظلة الأممية في وجه محاولات الالتفاف المعاصرة التي تسعى لتقويض كيان الإقليم عبر حروب ناعمة وضغوط مالية وقرارات قضائية تستهدف قوت المواطنين وصلاحيات الإقليم الدستورية، ورؤية بارزاني هنا واضحة وحازمة إن المجتمع الدولي الذي تحرك لإنقاذ الكورد من قمع النظام البائد ملزم أخلاقياً وقانونياً اليوم بحماية استحقاقهم الدستوري من المصادرة أو التهميش.
وفي هذا السياق، تبرز المادة 140 من الدستور، ليس كبند إداري عابر بل كالتزام وطني ودولي لإنهاء آثار الحقبة المظلمة وتثبيت السلم الأهلي إن أي تعطيل لهذه المادة أو محاولة الالتفاف على الحقوق المالية للإقليم يُعد تراجعاً صريحاً عن العقد الدولي الذي أوقف نزوح الملايين في التسعينيات كما لا يمكن فصل هذا التحليل عن الواقع الأمني المقلق؛ فإقليم كوردستان الذي تأسس كمنطقة محرمة على طيران النظام السابق يواجه اليوم تحديات الطائرات المسيرة والصواريخ التي تستهدف عاصمته ومنشآته الحيوية مما يستوجب إعادة تعريف مفهوم الحماية الدولية لتشمل الضمانات السيادية والمالية والأمنية الشاملة.
إن التزامن بين ذكرى القرار 688 وتهنئة السيد مسرور بارزاني للأخوة المسيحيين بمناسبة عيد القيامة يحمل دلالة سياسية عميقة، فالإقليم الذي وُلد من رحم الحاجة للحماية تحول اليوم إلى حامٍ لثقافة التعايش السلمي وتوطيد أواصر التآلف والتسامح والتآخي بين مختلف الأديان والقوميات إن تأكيد رئيس الحكومة على صون حقوق المكونات وتسامحها هو الرد العملي الأقوى على سياسات الإقصاء وهو ما جعل كوردستان تحتضن اليوم أكثر من مليون نازح ولاجئ وتوفر بيئة آمنة لأكثر من 40 بعثة دبلوماسية وقنصلية مما يجعل الحفاظ على قوة الإقليم ومؤسساته ضرورة حتمية لاستقرار العراق والمنطقة والعالم.
إن القرار 688 في وجدان مسرور بارزاني ليس وثيقة مؤرشفة بل هو ميثاق استمرار وعقد أخلاقي مفتوح بين شعب كوردستان والمجتمع الدولي وبينما تحاول بعض الأصوات تحجيم دور الإقليم وتحويله إلى مجرد إدارة تابعة تأتي رؤية بارزاني لتعيد التأكيد على أن كوردستان حقيقة سيادية محصنة بدماء الشهداء وباعتراف مجلس الأمن الذي كسر قيود الصمت الدولية لأجل بقائها إن بقاء كوردستان منطقة آمنة ومزدهرة يتوقف اليوم على احترام الشراكة الوطنية والدستورية فالعالم الذي هبّ لنجدة الكورد سابقاً يجد نفسه اليوم أمام كيان ناضج وشريك استراتيجي في صناعة السلام العالمي ورايةً خفاقةً للتسامح الديني والعرقي، ومسرور بارزاني بحرصه على تذكير العالم بهذه الجذور يرسخ حقيقة واحدة لا تقبل الجدل كوردستان القوية هي الحصن الأخير للاستقرار الإقليمي والرجوع عن مكتسباتها الدستورية هو مقامرة كبرى بالأمن الدولي بأسره.