الأمن القومي في ساعة الصفر... من دبابات كورێ إلى مسيرات الغدر السيادة تحت الاختبار

الأمن القومي في ساعة الصفر... من دبابات كورێ إلى مسيرات الغدر السيادة تحت الاختبار
الأمن القومي في ساعة الصفر... من دبابات كورێ إلى مسيرات الغدر السيادة تحت الاختبار

ينطلق مفهوم الأمن القومي من حقيقة جيوسياسية لا تقبل التجزئة أمن أربيل هو العمق الاستراتيجي لأمن بغداد إلا أن القراءة التحليلية للمشهد الراهن تكشف عن تصدع خطير في هذا المفهوم تقوده جماعات مسلحة موازية للدولة تمارس عملية انتحار سيادي ممنهج عبر استهداف إقليم كوردستان، إن خطورة هذه الجماعات تتجاوز التهديدات التقليدية لتؤسس لجيل ثالث هو إرهاب الهوية وهو وحش استراتيجي ينمو في مناخ الفوضى وغياب سلطة القانون مستهدفاً تمزيق النسيج المجتمعي عبر ضرب النموذج الاستقراري الوحيد المتبقي، وهنا يبرز التساول الجوهري هل يراد من هذه الهجمات تحويل العراق إلى ساحة حرب بالوكالة بقرار خارجي، أم أن هناك من يريد إبقاء الدولة العراقية أسيرة السلاح المنفلت لضمان عدم نهوض مؤسساتها الدستورية؟

إن اختيار توقيت الاعتداءات الأخيرة يحمل دلالة رمزية عميقة ومستفزة للوجدان القومي والسياسي ففي السابع من نيسان، يستذكر الكورد والعالم ملحمة كورێ (داستانا كۆڕێ) عام 1991 حين حطم أبطال البيشمركة بإرادة فولاذية زحف الفرقة المدرعة للنظام البائد عند ذلك المضيق الجبلي الضيق محولين انكسار الهجرة المليونية إلى انتصار سيادي أجبر النظام حينها على الرضوخ لطاولة المفاوضات واليوم وفي ذات التاريخ من عام 2026 تمتد يد الغدر عبر المسيرات لتستهدف منزل منتسب في البيشمركة وعائلته في محاولة بائسة لكسر الروح التي لم تكسرها دبابات التسعينيات هذا الاغتيال الأسري هو تطور إحصائي خطير ضمن أكثر من 180 هجوماً سجلتها التقارير الأمنية مؤخراً ويهدف لضرب العقيدة الدفاعية وترويع الحاضنة الشعبية للإقليم، هذا الانفلات يوصل الدولة لمرحلة الدولة الفاشلة دولياً ويكبد البلاد التكلفة الاقتصادية للسيادة المنقوصة عبر خسائر بمليارات الدولارات نتيجة هروب الاستثمارات إذ إن استهداف الإقليم هو استهداف لـ خارطة طريق الطاقة العالمية فتعطيل إمدادات الغاز والنفط من كوردستان يضرب موثوقية العراق كمورد استراتيجي مما يستدعي اهتماماً دولياً فورياً خاصة من القوى الكبرى كأوروبا والولايات المتحدة التي ترى في أمن الإقليم ركيزة لاستقرار الأسواق العالمية وأمام هذا العجز المركزي يبرز الموقف السيادي الموحد للإقليم حيث وضع رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني الحكومة الاتحادية أمام مسؤوليتها التاريخية، فيما صنف دولة رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني هذه الاعتداءات كـ جرائم حرب ملوحاً بتفعيل آليات مجلس الأمن الدولي (كالقرار 2106)، وتكمن أهمية التلويح بهذا القرار تحديداً في كونه أداة قانونية دولية تهدف لتعزيز المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، مما يعني نقل ملف الاعتداءات من سياقه المحلي إلى مستوى "الجريمة الدولية" التي تستوجب ملاحقة الجناة وضمان عدم الإفلات من العقاب، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية مباشرة لحماية أمن المواطنين في إقليم كوردستان، كما أكد وزير البيشمركة السيد شورش إسماعيل أن حياة المواطنين خط أحمر مستلهماً قوة ملحمة كوري في التأكيد على أن عقيدة البيشمركة هي حجر الزاوية في الأمن القومي.

إن إرهاب الهوية يقتات على هذا الفراغ فالدولة التي لا تحمي شركاءها تمنح المتطرفين صك الغفران للتمكين مجدداً، إن ما تفعله الجماعات الموازية هو خدمة مجانية للإرهاب الذي يعيد بناء نفسه مستغلاً التفتت بين بغداد أربيل إن الأمن القومي لا يتجزأ وأي محاولة لإضعاف إقليم كوردستان وقوات البيشمركة هي هدم لآخر قلاع الدفاع عن سيادة العراق وحماية المنطقة من الانفجار الهوياتي الشامل.

إن التاريخ لا يرحم القيادات التي تفرط في هيبة الدولة لصالح قوى الظل وكما كانت ملحمة كوري هي التي مهددت لصدور القرار الدولي 688 وفرضت الحماية الدولية والملاذ الآمن رغماً عن إرادة النظام القمعي آنذاك فإن استمرار العجز الحالي في بغداد سيجبر الإقليم والمجتمع الدولي على اتخاذ مسارات قانونية وسيادية تحمي المواطنين بعيداً عن صمت المركز المريب إن قوة البيشمركة وإرادة شعب كوردستان ثابتة كجبال كوري ولكن استنزاف السيادة بالمسيرات الغادرة يعني أن العراق يكتب شهادة وفاته بيده حماية أمن الإقليم هي الاختبار الحقيقي والأخير لسيادة بغداد والفشل في هذا الاختبار هو إعلان رسمي عن ضياع الدولة في سراب الفوضى وضياع تاريخي لن تعوضه بيانات الإدانة الجوفاء.