الحوار وانعدامه
لا شك ان ثمة من يتبنى خطأ حوارا ليثبت قابلية على الكلام فقط، هو يسمع ما يعجبه، او ما يريد ان يسمعه ليبني عليه رده الجاهز مسبقا، فلا يتقيد بعد ذلك، فيمضي بكلامه و افعاله الى نتائج يريدها هو و ليس ما يفرزه الحوار و ضروراته و المتوقع من نتائجه.
الحوار و تناوب الاستماع و الحديث و قبلها الايمان بالحوار، امور لا تأخذ بها الا الشخصيات الانسانية المترقيّة بالفكر، الممتلئة بالمعلومة و المتحسسة لروح المجتمع السليم، بخاصة الشخصيات المسؤولة عن ادارة مؤوسسات الحكم تشريعا و قضاء و تنفيذا و اعلاما و منظمات دولية و منظمات مجتمع مدني و منابر العقائد الروحية و الثقافية المدنية.
لا انتفاء لوجود الحوار و لا سمة اصيلة للحوار الا بما يستوفي شروطه و خصائصه، و الا فهو اما يكون منقوصا او ملاسنة او مخادعة، إستبقَ النتائج َبقرار.
ثمة سمات للمتحاورين تجعل القبول بالحوار ممكن الحدوث، اذ القضية ليست عشوائية و لا انتقائية، فهي اما قضية يراد حلها، او قضية تطويرية لواقع يراد له الافضل، وفي الحالتين فصفة المتحاورين هي صفة اصيلة في العلاقة، ذلك ان انعدام الصفة سيعني انعدام المصلحة.
تجري هذه المُسلّمات على كل فروع الحوار، داخليا و خارجيا، و تتفرع من حوار دولة مع دولة او دول او العكس، او بين منظمتين او بين المنظمات و الدول، او الدول و الافراد، وبالتالي فهي اشبه بمستقيم بين نقطتين او مستقيمات و نقاط.
تتحقق الصفة و يوجد الموضوع و تظهر الحاجة و يتولد الحوار.
هكذا تبني المجتمعاتُ سلطاتِها و هكذا تقوي الحكوماتُ دولها، و تعضّد داخليا و خارجيا و بديمومة هويتَها و تُظهِر عقلية ادارتِها للمهام الموكلة لها.
بخلاف ذلك و هو الظاهر في اغلب الشرق و اشباه الشرق السياسي من دول، فأن حاسة السمع في آذان مدعي المعرفة السياسية، تكاد تقتصر على سماع ما يطريها كذبا او يحفزها نحو عمل الاذى، وهذا يرجع الى تربية متوارثة او ذاتية اجتهدت خارج النسق(التنظيم) و السياق( الحدث)، وترفض ان تصحح وضعها، فهي لا تراجع نتائج اعمالها و لا تقف لمقارنة واقعية بين ميزان الربح و الخسارة، كما انها تفترض الربح بدرجة نجاح بقائها وان كانت الخسارة فادحة.
ببساطة هي تحاور نفسها و لا تمتلك معارضةَ ذاتِها عبر الفرز بين الصواب و الخطأ، و اذا ما اضطرت لحوار مع الغير، ظهرت هشاشة الفكر و قفز تشددُ الرأي.