فيتو الرئيس مسعود بارزاني... لا شرعية لـ الأغلبية المبتورة خارج جدار التوافق

فيتو الرئيس مسعود بارزاني... لا شرعية لـ الأغلبية المبتورة خارج جدار التوافق
فيتو الرئيس مسعود بارزاني... لا شرعية لـ الأغلبية المبتورة خارج جدار التوافق

في اللحظات التاريخية التي يختبر فيها النظام السياسي العراقي قدرته على البقاء تأتي الرسائل من أربيل لتعيد ضبط الإيقاع وتذكير الجميع بأن الدولة لا تُدار بالأرقام البرلمانية المجردة بل بالمواثيق التي أُسست عليها الشراكة الوطنية، إن الموقف الحازم الذي أعلنه الرئيس مسعود بارزاني اليوم بفرض فيتو سياسي ناعم ولكنه صلب في جوهره لا ينبغي أن يُقرأ كإجراء اعتراضي على توقيت جلسة أو اسم مرشح بل هو مانيفستو سياسي يهدف إلى حماية جوهر الدولة من الانزلاق نحو دكتاتورية الأغلبية اللحظية، لقد وضع الرئيس بارزاني الجميع أمام حقيقة جيوسياسية ودستورية مفادها أن انتخاب رئيس الجمهورية ليس طقساً بروتوكولياً يُمارس بمعزل عن شكل الحكومة القادمة بل هو حجر الزاوية في عقد سياسي جديد يجب أن يكون واضح المعالم والتوازنات قبل الشروع في التصويت تحصيناً للنظام من أي طعون مستقبلية قد تضرب الروح الوطنية للدستور وتدخل البلاد في دوامة الفراغ القانوني.

​إن هذا الفيتو يمثل قمة الواقعية السياسية فالرئيس بارزاني يدرك أن تجزئة الملفات عبر انتخاب رئيس للجمهورية دون حسم ملف رئاسة الوزراء هو فخ سياسي يهدف إلى إضعاف الموقع السيادي الكردي وتجريده من أدوات الضغط الضامنة لحقوق الإقليم والملفات العالقة إن الإصرار على التزامن هو في الواقع دفاع عن وحدة المسار السياسي العراقي ومنع لسيناريو الاستفراد الذي قد تلجأ إليه بعض أطراف الإطار التنسيقي وهو موقف يتردد صداه لدى حلفاء أربيل من القوى الوطنية التي تخشى تهميشها مما يجعل من فيتو بارزاني صرخة تمثل تحالفاً عابراً للمكونات يرفض إعادة إنتاج سلطة إقصائية، ومن هنا يكتسب الموقف أبعاداً دبلوماسية تتجاوز الحدود المحلية ليرسل إشارة إلى المجتمع الدولي بأن أربيل لن تكون شريكاً في عملية سياسية عرجاء تفتقر للضمانات الحقيقية وأن الاستقرار الذي ينشده العالم في العراق يبدأ من التوافق الصادق بين مكوناته الأساسية لا من خلال صفقات الغرف المغلقة التي تتجاهل الثقل التاريخي والسياسي للقوى الكردية.

​إن ما يدور خلف كواليس جلسة الغد يضع النظام البرلماني أمام اختبار الشرعية مقابل النصاب فبينما قد تسعى قوى معينة لحشد الأعداد يذكّرهم الرئيس بارزاني بأن النصاب الحقيقي هو نصاب الثقة وليس مجرد حضور الأجساد تحت قبة البرلمان، إن التحليل العميق لهذا الموقف يكشف عن استراتيجية الردع السياسي التي يتقنها بارزاني حيث يتحول الامتناع عن المشاركة إلى أداة قوة تفرض وحدة الصف الكردي وتعزز تماسك البيت الداخلي في مواجهة مفاوضات بغداد الصعبة هذا الموقف هو بمثابة كبح اضطراري لمحركات السياسة التي تحاول القفز فوق التوازنات الحساسة وهو يضع صناع القرار في بغداد أمام خيارين لا ثالث لهما إما العودة إلى طاولة الشراكة الحقيقية حيث تُحسم الملفات كـ سلة واحدة تضمن التوازن، أو المضي في مسار سياسي سيولد ميتاً ويفاقم من أزمة الثقة بين بفداد وأربيل.

وختاماً إنها الرسالة الأقوى والمباشرة إلى مراكز القرار في بغداد ولكل من يعنيه استقرار هذا البلد إن زمن القفز فوق الإرادات السياسية الراسخة قد ولى إن أي محاولة لتجاوز الفيتو الذي وضعه الرئيس مسعود بارزاني هي مغامرة غير محسوبة العواقب بمستقبل العراق السياسي إن أربيل ومن خلال هذا الموقف لا تدافع عن استحقاق انتخابي فحسب بل تذود عن فلسفة الدولة التي يجب أن تظل قائمة على التوازن والارتقاء فوق لغة الغالب والمغلوب، فليعلم الجميع في بغداد أن مفتاح الاستقرار لا يقبع في صناديق الاقتراع المبتورة بل في محراب التوافق الذي رسمت معالمه بوضوح رؤية الرئيس بارزاني فالدولة التي تُبنى على الاستبعاد هي بيت من رمال والدولة التي تُبنى على التزامن والشراكة هي الحصن الوحيد الذي سيصمد أمام عواصف المنطقة غداً، لن يكون يوماً لانتخاب رئيس بل سيكون يوماً لتقرير ما إذا كان العراق سيستمر كدولة شراكة أم سينزلق نحو نفق المجهول والكرة الآن في ملعب بغداد لتلتقط الرسالة قبل فوات الأوان.