من أسد الدين شيركوه إلى الخالد ملا مصطفى البارزاني
طرحت سؤالا على الكاتب الكبير ماهر مقلد بالأهرام حول من يدفع ضريبة تلك الحرب الدائرة ، ومن سيتحمل الخسائر -على سبيل المثال – ما حدث في كوردستان وإستشهاد لأبرياء..؟ ، فما كان منه إلا أن ذكرني بحقوق الكورد على مر التاريخ ، مؤكدا أن للكورد حقوق يجب أن تتضمنها كل معاهدات وجلسات التفاوض.
وذكرني ما قاله "مقلد" بما كان قد سجله الروائي والكاتب الكبير محمد سلماوي عن حقوق الكورد في العالم، ومنها مصر، وانه إن بحث في التاريخ سنكتشف أن لهم في كل مكان حقوق، وعلي العالم الإعتراف بذلك .
ويبدو أنها تتشابه اللحظات التاريخية الكبرى، وكأنها تعيد إنتاج ذاتها عبر العصور، حيث تتكرر أنماط الصراع وتتشابه مواقف الشعوب في مواجهة الأخطار، وإن اختلفت الأدوات والظروف. وفي قلب هذه الدائرة المتجددة، يبرز الكورد كواحد من أكثر شعوب المنطقة قدرةً على الصمود، مستندين إلى تاريخ طويل من البطولات والدفاع عن الأرض، ليس فقط في موطنهم، بل في جغرافيا أوسع امتدت إلى مصر وسوريا والعراق. وبينما تتصاعد التوترات الإقليمية في سياق الصراع الأمريكي–الإيراني، وتتعرض مناطق كوردية لاعتداءات تحمل لغة التهديد والدمار، يبدو المشهد وكأنه امتداد طبيعي لتاريخ لم يعرف الانقطاع.
لم يكن الكورد يومًا مجرد شعوب، بل كانوا في لحظات فارقة قوة فاعلة في تشكيل التاريخ. فمنذ العصور الوسطى، برزت شخصيات كوردية لعبت أدوارًا حاسمة في إعادة رسم خرائط القوة في المنطقة. ويأتي في مقدمة هؤلاء القائد العسكري أسد الدين شيركوه، الذي مثّل نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر خلال القرن السادس الهجري. فقد جاءت حملاته إلى مصر في سياق صراع معقد بين الدولة الفاطمية التي ضعفت قبضتها، والقوى الصليبية التي كانت تتربص بالبلاد، والدولة الزنكية التي سعت إلى توحيد الجبهة الإسلامية.
ولم يكن تدخل شيركوه قائدا لمجرد حملة عسكرية عابرة، بل كان مشروعًا استراتيجيًا لإعادة التوازن إلى المنطقة. ففي الثامن من رمضان عام 564هـ، نجح في دخول القاهرة وطرد الحامية الفرنجية التي استُدعيت لحماية السلطة الفاطمية، في مشهد يعكس حجم التداخل بين الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. ورغم قصر فترة حكمه، فإن شيركوه وضع الأساس لتحول تاريخي كبير، تمثل في إنهاء حالة الانقسام، وتهيئة المسرح لقيام الدولة الأيوبية.
فمنذ زمن أسد الدين شيركوه، الذي دخل مصر على صهوة مشروع سياسي إمبراطوري، إلى زمن ملا مصطفى البارزاني، الذي حمل حلم القومية الكوردية في القرن العشرين، ظل الكورد دائمًا في موقع «الفاعل المقاتل»، لكنهم في الوقت ذاته كانوا، في كثير من الأحيان، «وقود المعركة».
البطولات تتكرر
ومن هنا، يبرز دور ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، الذي استكمل المشروع، وأعاد مصر إلى محيطها الطبيعي، ثم انطلق منها لتحرير القدس، مؤسسًا واحدة من أعظم الدول في تاريخ المنطقة. ولم يكن هذا الإنجاز مجرد انتصار عسكري، بل كان تعبيرًا عن قدرة الكورد على الاندماج في قضايا أوسع من حدودهم الجغرافية، والمشاركة في معارك مصيرية تخص الأمة بأكملها.
ولم يتوقف الحضور الكوردي عند هذه المرحلة، بل استمر في عصور لاحقة، حيث شارك الكورد في بناء الجيوش والإدارات في مختلف الدول، وكان لهم دور في تشكيل الدولة الحديثة، بما في ذلك مصر في عهد محمد علي باشا، حيث أسهمت عناصر من أصول كوردية في دعم المشروع العسكري والإداري الذي أعاد بناء الدولة المصرية على أسس حديثة.
امتداد تاريخي
هذا الامتداد التاريخي يفسر إلى حد كبير طبيعة الموقف الكوردي في الحاضر. فحين تتعرض مناطق كوردية لاعتداءات في ظل التوترات الإقليمية، لا يُنظر إلى ذلك باعتباره حدثًا منفصلًا، بل امتدادًا لسلسلة طويلة من التحديات التي واجهها هذا الشعب. ومن هنا، تتشكل استجابتهم انطلاقًا من ذاكرة تاريخية عميقة، تعلّموا من خلالها كيف يواجهون الأخطار، وكيف يحافظون على تماسكهم رغم الضغوط.
وفي العصر الحديث، تجسدت هذه الروح بوضوح في تجربة الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني، الذي أعاد صياغة مفهوم النضال الكوردي في القرن العشرين. لم يكن البارزاني الخالد، مجرد قائد عسكري، بل كان رمزًا لهوية تبحث عن الاعتراف، وشعب يسعى إلى تثبيت وجوده في عالم متغير. فمنذ شبابه، انخرط في حركات المقاومة، وشارك في تأسيس تجربة جمهورية مهاباد، التي رغم قصر عمرها، تركت أثرًا عميقًا في الوعي الكوردي.
وعندما انهارت تلك التجربة، لم تنتهِ الفكرة، بل تحولت إلى مسار طويل من الكفاح، قاده البارزاني الخالد، عبر سنوات من الحروب والانتفاضات. تنقل بين الجبال والمنافي، وواجه جيوشًا نظامية بإمكانات محدودة، لكنه امتلك ما هو أهم: إرادة لا تنكسر، وإيمانًا بعدالة قضيته. وفي هذا، تتكرر ملامح التاريخ؛ فكما واجه شيركوه وصلاح الدين قوى كبرى بإمكانات محدودة، واجه البارزاني تحديات عصره بروح مشابهة.
أجيال تتمسك بالراية
ومع رحيل الملا مصطفى، لم تنطفئ شعلة النضال، بل انتقلت إلى الأجيال التالية. فقد برز ابنه الرئيس مسعود بارزاني كأحد أبرز القادة الذين عملوا على ترسيخ كيان إقليم كوردستان في العراق، وسعوا إلى تحقيق توازن دقيق بين العمل السياسي والعسكري في بيئة شديدة التعقيد.
وفي ظل التوترات الحالية، حيث تتعرض بعض المناطق الكوردية لاعتداءات وتهديدات، يظهر هذا الامتداد التاريخي بوضوح. فالأحفاد الذين يقفون اليوم في مواجهة التحديات، لا ينطلقون من فراغ، بل يستندون إلى إرث طويل من التجارب، يبدأ من معارك القاهرة في القرن السادس الهجري، ويمر بثورات القرن العشرين، وصولًا إلى تعقيدات الحاضر.
ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك يظل واحدًا: القدرة على الصمود. فالكورد، الذين لم تمنحهم الجغرافيا استقرارًا دائمًا، استطاعوا أن يحولوا هذا التحدي إلى مصدر قوة، وأن يبنوا هوية قائمة على التكيف والمقاومة. وقد يكون هذا ما يفسر قدرتهم على البقاء في قلب الأحداث، رغم كل ما يحيط بهم من ضغوط.
غير أن هذه الصورة لا تخلو من مفارقة مؤلمة. فالشعب الذي كان يومًا عنصر توحيد في معارك كبرى، يجد نفسه اليوم محاطًا بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، تجعل من قضيته جزءًا من صراعات أكبر. ومع ذلك، فإن ما يمنحه القدرة على الاستمرار هو هذا الإحساس العميق بالتاريخ، وبأنه امتداد لسلسلة من الأجيال التي واجهت تحديات مماثلة ونجحت في تجاوزها.
إن بطولات الكورد، من شيركوه إلى صلاح الدين، ومن الملا مصطفى البارزاني إلى قادة الحاضر، ليست مجرد فصول متفرقة في كتاب التاريخ، بل هي سردية متكاملة تعكس تجربة إنسانية عميقة في مواجهة الصعاب. إنها قصة شعب لم يقبل أن يكون تابعًا، ولم يتخلَّ عن هويته رغم كل ما مر به من أزمات.
وفي النهاية، يمكن القول إن ما يحدث اليوم في كوردستان ليس سوى فصل جديد من هذه القصة الطويلة. فصلٌ تتداخل فيه السياسة بالتاريخ، وتتشابك فيه المصالح بالقيم، لكن تبقى فيه حقيقة واحدة ثابتة: أن الشعوب التي تملك ذاكرة قوية، قادرة دائمًا على إعادة صياغة مستقبلها. والكورد، بما يحملونه من إرثٍ ممتد عبر القرون، يثبتون مرة بعد مرة أنهم ليسوا مجرد ضحايا للصراعات، بل فاعلون فيها، قادرون على الصمود، وعلى كتابة تاريخهم بأيديهم، كما فعل أسلافهم من قبل.