الأنفال…الألم الذي أصبح قوة شعب لم ينكسر وإرادة تصنع المستقبل

الأنفال…الألم الذي أصبح قوة شعب لم ينكسر وإرادة تصنع المستقبل
الأنفال…الألم الذي أصبح قوة شعب لم ينكسر وإرادة تصنع المستقبل

في كل مرة تعود فيها ذكرى حملات الأنفال لا يعود الماضي وحده بل تعود معه أسئلة العدالة ومعاني الإنسانية وحدود المسؤولية الجماعية تجاه الشعوب التي عانت المآسي، ليست الأنفال مجرد فصلٍ مؤلم في تاريخ الكورد بل هي أيضاً جزء من تاريخٍ عراقيٍ أوسع، عانى فيه الجميع بدرجاتٍ مختلفة من الألم والخسارات ومن هذا المنطلق، فإن استحضارها اليوم لا يهدف إلى فتح الجراح بل إلى تحصين الوعي وترسيخ قناعةٍ مشتركة بأن ما حدث يجب أن لا يتكرر تحت أي ظرف.

البيانات الصادرة عن الرئيس مسعود بارزاني والسيد نيجيرفان بارزاني والسيد مسرور بارزاني، لا يمكن قراءتها كبيانات تأبينية تقليدية بل كنصٍ سياسي متماسك يعكس رؤية قيادةٍ تدرك معنى التاريخ وتُحسن توظيفه في خدمة الحاضر والمستقبل هذه الخطابات حين تُقرأ بعمق تكشف عن معادلة دقيقة تحويل الألم إلى شرعية والشرعية إلى استقرار والاستقرار إلى قوةٍ سياسية ودبلوماسية.

في خطاب الرئيس مسعود بارزاني تتجلى الأنفال بوصفها مرجعية أخلاقية لا يمكن تجاوزها ليس فقط لأنها جريمة إبادة بل لأنها تمثل نقطة ارتكاز في الوعي الكوردي المعاصر، إصراره على الاعتراف الدولي وعلى عدم نسيان الدرس لا يُقرأ كتمسكٍ بالماضي بل كحمايةٍ للمستقبل من الانزلاق نحو تكرار المأساة هذا الخطاب يمنح القضية الكوردية عمقها التاريخي ويؤسس لشرعية قائمة على التضحيات لا على اللحظة السياسية العابرة.

أما خطاب السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان فيحمل بعداً دبلوماسياً واضحاً حيث يربط بين العدالة والتعايش ويقدّم نموذجاً متقدماً في إدارة الذاكرة ضمن إطار الدولة فهو لا يفصل بين حق الكورد في الإنصاف وبين ضرورة الشراكة داخل العراق بل يرى أن أحدهما يعزز الآخر هذا الطرح يعكس نضجاً سياسياً إذ ينقل قضية الأنفال من إطارها المحلي إلى فضاءٍ إنساني أوسع دون أن يفقدها خصوصيتها ويجعل منها جسراً للتفاهم لا سبباً للتباعد.

في المقابل يأتي خطاب السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان ليضع هذه الذاكرة في سياقها العملي مؤكداً أن ما تحقق في إقليم كوردستان لم يكن صدفة بل نتيجة مسارٍ طويل من التضحيات تركيزه على حماية المكتسبات يحمل رسالة حاسمة أن الإنجاز الذي كُتب بدماء الضحايا لا يمكن التفريط به وأن الحفاظ عليه يتطلب قوة دولة ويقظة سياسية وإدارة واعية للتحديات. هنا تتحول الأنفال من ذكرى إلى مسؤولية يومية تُقاس بها القرارات والسياسات.

وعندما تتكامل هذه الخطابات الثلاثة، تتشكل صورة قيادةٍ لا تستحضر الماضي للبكاء عليه بل لتبني عليه، قيادة تثبّت الذاكرة وتدير الحاضر وتستشرف المستقبل وهذا بحد ذاته يمثل تطوراً نوعياً في الخطاب السياسي الكوردي حيث لم تعد القضية مجرد مطالبة بالحقوق بل أصبحت مشروعاً متكاملاً للحفاظ على الكيان وتعزيز الاستقرار.

لقد تعرّض الكورد في الأنفال لمحاولة اقتلاع وجودهم وهي حقيقة لا يمكن إنكارها أو تجاوزها لكن في المقابل فإن التجربة العراقية بأكملها تُظهر أن الألم لم يكن حكراً على طرفٍ دون آخر بل إن مكونات عديدة عاشت مآسيها الخاصة من هنا تتجلى قوة الخطاب الكوردي اليوم في قدرته على الجمع بين الخصوصية والشمول، بين التمسك بالحقوق والانفتاح على الشراكة بين الذاكرة والواقعية السياسية.

إن التمسك بالاعتراف بالإبادة الجماعية لا يُطرح كأداة ضغط، بل كجزء من مسار العدالة الذي يُفترض أن يعزز الثقة بين مكونات الدولة كما أن التأكيد على التعايش لا يأتي من موقع ضعف بل من موقع قوةٍ نابعة من تجربة أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بل يُبنى بالتفاهم والاحترام المتبادل وهذا ما يمنح الخطاب الكوردي بعده الدبلوماسي ويجعله قريباً من لغة الدول لا لغة الصراعات.

وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وتحديات تكتسب هذه الذكرى أهمية مضاعفة. فهي تذكيرٌ بأن الاستقرار ليس حالة دائمة بل عملية مستمرة تتطلب وعياً وإرادة وشراكة حقيقية كما أنها رسالة بأن الشعوب التي عانت قادرة على أن تتحول إلى عنصر استقرار إذا ما أُتيحت لها الفرصة وإذا ما تم احترام حقوقها.

إن ما وصل إليه إقليم كوردستان اليوم هو نتيجة تراكم تاريخي من النضال لكنه أيضاً اختبار مستمر لقدرة هذه التجربة على الصمود والتطور وهنا يظهر بوضوح أن الحفاظ على هذه المكتسبات لا يعتمد فقط على التوازنات السياسية بل على الوعي الجماعي بقيمتها وعلى إدراك أن البديل ليس مجرد تراجعٍ سياسي بل احتمال العودة إلى مراحل لم يتجاوزها التاريخ بسهولة.

إن الرسالة التي تحملها هذه الذكرى كما تعكسها بيانات القيادة الكوردية ليست موجّهة لطرفٍ دون آخر بل هي رسالة إنسانية ودبلوماسية في آنٍ واحد أن العدالة لا تتعارض مع التعايش وأن الاعتراف بالماضي هو الطريق الأقصر نحو مستقبلٍ مستقر وأن الشراكة الحقيقية لا تقوم على النسيان بل على الفهم المتبادل.

وهكذا تتحول الأنفال من مأساةٍ إلى معيار ومن جرحٍ إلى بوصلة ومن ذاكرةٍ إلى قوة. قوة لا تسعى إلى استحضار الألم بقدر ما تسعى إلى منعه ولا إلى الانغلاق بقدر ما تسعى إلى الانفتاح على الجميع ضمن إطارٍ من الاحترام والحقوق.

إن الكورد ومعهم كل العراقيين الذين عانوا لم يصلوا إلى هذا اليوم إلا عبر مسارٍ شاق من التضحيات وما يحفظ هذا المسار هو الإيمان بأن السلام ليس شعاراً بل خيار استراتيجي وأن التعايش ليس تسوية مؤقتة بل أساس دولة وأن ما بُني بالألم يمكن أن يُحمى بالإرادة… ويستمر بالحكمة.