رزكار نوري شاويس
كاتب
حول جرائم (الأنفال) وبقايا اخلاقيات الشوفينية و التعصب
يمر هذه الأيام (38) عاما على واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية، جريمة ما عرف (بعمليات الانفال) التي ارتكبها النظام البعثي الصدامي بحق شعب كوردستان العراق والتي راح ضحية لها نحو (182) الف انسان بريء، نساء ورجال وأطفال رضع وشيوخ، قتلوا لانهم كانوا كورداً ..
تلك الجريمة النكراء التي تحمل كل سمات جرائم التطهير العرقي، لم تكن الوحيدة التي ترتكب بحق الشعب الكوردي في كوردستان العراق، فقد سبقتها سلسلة من جرائم الإبادة الجماعية باستخدام الأسلحة الكيمياوية على مناطق عدة في قرى وبلدات كوردستان العراقية ومنها مدينة حلبجة التي سقط فيها وحدها نحو (5)آلاف قتيل من اهاليها واضعاف هذا العدد من المصابين بسبب قصفها بقنابل غاز الخردل والسيانيد لتتحول المدينة خلال ساعات من مدينة ضاجة بالحياة الى مدينة اشباح وخرائب .
ولم يكتفي النظام البعثي الشوفيني بقتل المواطنين الكورد في بيوتهم وقراهم بكل ما امتلك من أسلحة، بل امتدت جرائمه الى تدمير أكثر من أربعة آلاف قرية وحرق بساتينها ومزارعها وتفجير وتدمير مصادر المياه فيها ..
(جرائم الانفال والإبادة بالأسلحة الكيمياوية والترحيل والتهجير القسري بعيدا عن مناطقهم وحملات التبعيث والتعريب وتغيير أسماء القرى الكوردستانية بأسماء عربية، والجرائم العنصرية الحاقدة والبشعة بحق الكورد الفيليين وقتل شبانهم ونهب أموالهم وممتلكاتهم، وجرائم الحصارالاقتصادي لمدن كوردستان الرئيسية وإرهاب سكانها من قبل دوريات أجهزة القمع الحكومية والاعتقالات العشوائية للشباب وتلفيق التهم لهم واعدامهم حسب مزاج المحاكم الميدانية وما كانت تسمى بمحاكم الثورة ...) هذه الجرائم لم تأتي اعتباطا وفجأة أو ارتجالا حسب ظروف مرحلة معينة، فكلها كانت مبرمجة ومخططة لها بدقة كعقيدة وثقافة استبدادية بدأت مراحلها مع تأسيس الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي .. حيث بدأت سياسات التعريب تمارس في العديد من المناطق الجنوبية من إقليم كوردستان العراق وحرمّت كوردستان برمتها من مشاريع التنمية والتطوير الحضاري واهمال الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم و المواصلات وغيرها من المسائل الحضرية ..
لذا كان من الطبيعي وكحق أساسي مشروع ان يطالب الانسان الكوردي بالعدالة في شراكة الوطن العراقي كقومية ثانية وبحقوق المواطنة العادلة في الدولة العراقية .
المطاليب الكوردية لتحقيق العدالة والمساوات في المجتمع العراقي رفعت دائما بأساليب سلمية وبروح التعايش والاخاء وباتجاه بناء دولة مستقرة ناجحة بكسب رضا غالبية مواطنيها .. لكن الرد على هذه المطالب المشروعة من قبل السلطات الحاكمة كان باستمرار بالحديد والنار والزج في السجون ونصب المشانق .. كان ردا مشبعا بكراهية عنصرية ، بليدة ومتخلفة، لا تتقبل قيم ومبادئ الشراكة والتعايش في الوطن الواحد، رد لعقلية ترى في نفسها صاحبة الملك والقرار والبت في مصائر الناس ..!
لقد ناضل الكورد منذ تأسيس الدولة العراقية جنبا الى جنب مع كافة القوى الوطنية العراقية الشريفة من مختلف القوميات والمذاهب في العراق من اجل بناء وتأسيس دولة عصرية تكون بيتاً آمناً للجميع، دولة يسودها العدل والمساوات، يتمتع مواطنيها بكامل حقوقهم السياسية والقومية والاجتماعية، دولة تعايش وتفاهم وشراكة بناءة منتجة، دولة تنعم بالاستقرار وتسعى الى تحقيق المزيد من الرفاه لمواطنيه ..
من اجل تلك الأهداف كان الشطر الأكبر من النضال الكوردي وقدم الكورد في سبيلها الالاف من القرابين من خيرة أبنائهم وقادتهم ولاننسى هنا أيضا الشرفاء من العراقيين الوطنيين، عربا وتركمانا وكلدو اشوريين وصابئة وارمن ..الخ الذين قدموا ارواحهم ببسالة نصرة للقضيتين الكوردية والعراقية ..
مرت عقود طويلة مليئة بالفواجع و الالام التي المت بأبناء العراق جراء سياسات الحكومات الاستبدادية التي تعاقبت على الحكم وانتهجت بعقليتها الشوفينية وتعصبها المذهبي سياسات بث الخلاف واثارة الفتن والعداوات بين مكونات المجتمع العراقي .. ومع سقوط النظام الدكتاتوري الصدامي الغاشم الذي جلب على العراق والعراقيين المصائب والويلات، تفاءل العراقيين بمستقبل مشرق ينعمون في رحابه بكل ما حرموا منه من حقوق وحريات وبكل ما ناضل وضحى في سبيله الشهداء الابرار من اجل بناء دولة ديمقراطية تعددية فدرالية، دولة تحرم و تجرم كل النزعات الشوفينية والعصبيات الإرهابية المتطرفة والتجاوزات على قيم ومباديء حقوق الانسان و الحريات المرافقة لها .. لكن ومع بالغ الأسف والكثير من الخيبة، فبعد مرور اكثر من عقدين على سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية، صرنا نرى اليوم البعض ممن تروبوا وشربوا من مناهل ثقافات التعصب والسلوكيات الشوفينية العنصرية في مواقع متقدمة في السلطة.!! تصطاد في الماء العكر لمرام وأهداف بعيدة كل البعد عن الوطنية وسلامة الجسد العراقي، فتحاول تلويث الأجواء بروح العداوات والشقاق باتخاذ مواقف عدائية وتحريضية ضد الكورد وإقليم كوردستان سواء كان بإطلاق المسيرات المفخخة والصواريخ على كوردستان او بعرقلة صرف رواتب الموظفين او محاولة فرض حصارات والتضييق على اقتصاديات الإقليم وغير ذلك من السلوكيات المقيتة ..
هؤلاء ومنهم على سبيل المثال من يتبوأ مركزا مهما في البرلمان ( الذي يفترض ان يكون مركز اصدار قوانين دولة التعايش و الديمقراطية و المساواة )، اشخاص ممن ليس لهم أي ماض نضالي مشرف او دور وطني بارز ضد الدكتاتورية البائدة او أية تضحية حتى لو كانت بسيطة في سبيل حرية الوطن ومواطنيه، نراهم يخرجون عن كل اداب وأصول التحاور اللبق، فيتطاولون بلسان مشبع بسموم الكراهية والعنصرية ضد الكورد وكوردستان وضد رموز وقادة الكورد الذين شقوا وتعبوا سنيناً طوال وضحوا بالغالي والنفيس من اجل تحرير العراق من الظلم والاستبداد وكان لهم ابرز اثر و دور في تحقيق ذلك ولهم الفضل في بناء مافي العراق حاليا من مؤسسات المطلوب منها ان تكون ديمقراطية نظيفة من لوثات الحقد الشوفيني والعنصري البغيضين، ومنها البرلمان الذي يتهجم منه بعض ابواق الكراهية والحقد العنصري على الكورد وكوردستان وقادتهم واحزابهم المناضلة ..
وبلا ادنى شك فان مثل هذه السلوكيات المستهجنة تدفع المرء الى التساؤل عن ماذا تغير وماذا لم يتغير بين هذا العهد وما مضى من عهود الحكم في العراق ..؟
ختاما وبمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثون لجرائم الانفال التي ارتكبت بحق الكورد في العراق، نقول ان ما يحتاجه البعض اليوم هو التحرر الكامل من عقلية التعصب واقصاء الاخر والنزعات العنصرية البغيضة، فبمثل هذه القيم المريضة المتعفنة ارتكبت دكتاتورية صدام البعثية المستهترة جرائمها البشعة بحق الكورد وبحق كل احرار العراق .