في سباق الهيمنة والقوّة تُبدَّد الثروات وتُقصى الشعوب عن حقّها المشروع في الحياة

في سباق الهيمنة والقوّة تُبدَّد الثروات وتُقصى الشعوب عن حقّها المشروع في الحياة
في سباق الهيمنة والقوّة تُبدَّد الثروات وتُقصى الشعوب عن حقّها المشروع في الحياة

نعيش اليوم في عالمٍ تتسارع فيه مؤشرات التقدّم على نحوٍ لاهث، وتُقاس فيه مكانة الدول بقدرتها على بناء الإنسان قبل تحصين الحدود لان ذلك ايضاً مرتبط ببناء الانسان قبل اي شيء آخر. لكن يطفو على الساحة تناقضٌ فادح في سلوك بعض حكّام دول العالم الثالث، إذ تُستنزف الموارد في سباقات التسلّح وتُسخَّر أدوات القمع، بذريعة صون السيادة أو تثبيت النفوذ، فيما تُهمل بناء الإنسان وتُترك الشعوب عُرضَة للفقر والتهميش وغياب الفرص.

لقد رسّخت التجارب المعاصرة حقيقةً لا لبس فيها، أن الأمن الحقيقي لا يُصان بحدِّ السلاح وحده، بل يُشيَّد على قواعد التعليم الراسخ، والصحة المصونة، والبنية التحتية المتينة، وعدالةٍ اجتماعية تُنصف الجميع. فالدول التي أحسنت توجيه بوصلتها نحو التنمية، وجعلت رفاه الإنسان غايتها، استطاعت أن تُحقّق استقراراً داخلياً متيناً ونفوذاً خارجياً متوازناً، دون أن تنزلق إلى الإفراط في توظيف العنف أو الارتهان لسياسات الهيمنة.

أن الإقرار بأهمية القوة الدفاعية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تفويضاً مفتوحاً لتغليب منطق العسكرة، فبناء القدرات العسكرية يكتسب مشروعيته حين يُضبط بميزان الحكمة، ويُدرج ضمن رؤيةٍ تنموية شاملة، قوامها حماية الشعب وصون المصالح والأمن الوطنية وتأمين الحدود، لا تحويلها إلى أداةٍ للقمع الداخلي أو منصةٍ لفرض النفوذ خارج الحدود. كما أن الإلتزام بالقانوانين الدولية، واحترام سيادة الدول، والامتناع عن التدخل في شؤونها، يشكّل دعامةً أساسية لتجنيب العالم من أزماتٍ وصراعاتٍ عبثية، غالباً ما تدفع الشعوب أعباءها الثقيلة من دماءهم ولقمة عيشهم.  

إن الإنفاق المفرط على التسلّح، حين يُزاحم أولويات التنمية، لا يخلّف إلا هشاشةً بنيوية وانكشافاً سريعاً أمام العواصف. والمفارقة المُرّة أن ما يُراكم عبر عقودٍ من بناء القوة الصلبة قد يتلاشى في أيامٍ أو أشهر معدودة تحت وطأة صراعاتٍ غير متكافئة، لتبقى الشعوب وحدها في مواجهة فاتورة الخسارة، والأمثلة القريبة للأسف أكثر من أن تُحصى.

نستطيع ان نربط كل ذلك باختلال البوصلة في سوء توجيه الثروة، وتقديم مقتضيات البقاء السياسي والسلطوي على مقتضيات الصالح العام. فحين تُختزل السلطة في ذاتها، وتُفهم غايةً لا وسيلة، يغدو المجتمع مجرّد تابع، وتُطمس دروس التاريخ التي تُجمع على أن استقرار الحكم لا يُستمد من سطوة القمع، بل من رضا الشعب وثقتهم واحترام القوانين والمواثيق الدولية.

ختاماً، إن النهضة الحقيقية تبدأ من مراجعة جادة لأولويات الدولة، حيث يُعاد الاعتبار للإنسان كغايةٍ للتنمية، لا كأداةٍ في صراعات السلطة. وعندها فقط، يمكن للدول أن تنتقل من هامش التاريخ إلى صدارته، وأن تنافس في ميادين الازدهار بدل أن تُستنزف في دوّامات الصراع التي يؤدي إلى التّدمير بدَّل البُنيان الرَّصين.