صفقات الظل تحوّل كركوك إلى غنيمة

صفقات الظل تحوّل كركوك إلى غنيمة
صفقات الظل تحوّل كركوك إلى غنيمة

أربيل (كوردستان24)- في كركوك، لا تُدار السياسة كما ينبغي لمدينةٍ تختزن التراث والجمال القومي والتاريخي، بل تُدار كملف صفقات مفتوح. ولم تعد الأزمات فيها الى مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تحوّلت إلى نماذج صارخة لانهيار القيم أمام زحف المصالح الشخصية والحزبية التي لم تعد مجرد عامل مؤثر، بل أصبحت الحاكم الفعلي الذي يبتلع القيم ويُفرغ الأعراف الديمقراطية من معناها، حتى باتت الانتخابات واجهة، والمدينة رهينة صفقات تُدار في الظل، لا إرادة ناخبين تُحترم في العل.، والقرارات تُصنع خلف الأبواب المغلقة لتدوير الخسارة لا تداول للسلطة.

   أما الحقوق القومية فلم تعد تُنتهك بصمت، بل تُحرق علناً على مذبح الأحقاد والتنافس الضيق وضحايا الإهمال، وأهدافاً لصراعات تُشعلها الأحقاد القديمة والجديدة، وتغذّيها الحسابات الضيقة. كل طرف يرفع شعار المظلومية، وينادي بالعدالة والمساواة، لكنه في لحظة التفاوض لا يتردد في تحويل تلك الحقوق إلى أوراق مساومة، تُباع وتُشترى في سوق النفوذ.

   وفي هذا المناخ المشحون، يبرز مشهد مقلق متكرر: صفقة تُبرم لتبادل المواقع، وكأن كركوك ليست مدينة متعددة الهويات بل غنيمة قابلة للتقاسم. اليوم، ومع ما يُتداول عن صفقة تقضي بتنازل المحافظ الكوردي الحالي لصالح مرشح تركماني، تتكشف حلقة جديدة من مسلسل قديم. والمفارقة القاسية أن من وصل إلى المنصب عبر صفقة، يُطلب منه الآن أن يغادره بذات الآلية. وكأن كركوك عالقة في دائرة مغلقة: صعود بصفقة، وهبوط بصفقة، وبينهما تضيع إرادة الناخبين.

هذا المشهد ليس جديدًا. فقبل سنوات، وفي سابقة كرّست منطق الإملاء السياسي بدل التوافق الحقيقي، وبصفقة مشابهة، أُرغم رئيس مجلس محافظة كركوك – وكان كورديًا أيضاً– على التنازل لصالح عضو تركماني. حينها وصف القرار بحل يضمن التوازن. وظنّ البعض أن الحسابات السياسية ستُترجم إلى مكاسب ثابتة، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، إذ اختلفت حسابات البيدر كثيرًا عن تقديرات الحقل. فلا التنازل صنع استقرارًا، ولا الصفقة أنتجت شراكة، بل عمّقت أزمة الثقة ورسّخت هشاشة النظام المحلي،  وزادت المشهد تعقيدًا وأنتجت نتائج مخيبة للآمال.

   مشكلة اليوم ليست في تداول السلطة، وليست في هوية وقومية من يتولى هذا المنصب أو ذاك، بل في طريقة تداولها، وإسلوب تحولها إلى نتيجة للمساومات، لا إلى استحقاق دستوري. وفي  النتيجة التي يخسر الجميع فيها: الكورد يخسرون حين يُختزل تمثيلهم في صفقة، والتركمان يخسرون حين يُقدَّم موقعهم كتعويض سياسي، والعرب يخسرون حين يُدار التوازن على حساب الاستقرار. أما كركوك، فهي الخاسر الأكبر، لأنها تُختزل إلى مجرد (جائزة) في لعبة أكبر منها. والأخطر من كل ذلك، هو القبول بالتدخلات الخارجية، التي لم تعد استثناءً، بل جزءاً من المعادلة، والتسليم بشروطها، قبول لم يعد يُنظر إليه كمساس بالقيم والثوابت، بل بدأ يتحول إلى (ثقافة سياسية) مريضة، يستدعيها البعض ويبررها ویتداولها تحت عناوين الواقعية أو الضرورة. وفي المقابل يقبلها البعض  الآخر بوصفها ثمناً مقبولاً للبقاء في اللعبة.

كركوك اليوم لا تحتاج إلى صفقة جديدة في الظل وخارج الدستور، وبنكهة قديمة، تحوّلها إلى غنيمة، بل تحتاج إلى كسر حلقة الصفقات. لا تحتاج إلى تبادل أدوار، بل إلى إعادة تعريف السياسة فيها: من منطق الغنيمة إلى منطق ومعنى الشراكة الحقيقية، ومن تقاسم النفوذ إلى بناء الثقة، ومن إدارة الأزمات إلى إنهاء أسبابها.