د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
كركوك بين الحقوق التاريخية وصفقات على حساب شعب كوردستان
ما يجري اليوم في كركوك لا يمكن تبريره تحت أي عنوان سياسي مرن، بل يعكس انزلاقاً خطيراً نحو تحويل قضية مصيرية إلى أداة مساومة في بازار السياسة العراقية.
فالاتفاق الذي يقضي بتنازل الاتحاد الوطني الكوردستاني عن منصب محافظ كركوك، حتى وإن قدم كخطوة “مؤقتة”، يكشف عن نهج انتهازي يقوم على توظيف القضايا القومية لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة.
إن كركوك، بالنسبة للكورد، ليست مجرد محافظة متعددة المكونات، بل تعد جزءاً لا يتجزأ من كوردستان، وقضيتها مرتبطة بتاريخ طويل من النضال والتضحيات.
وفي الوقت ذاته، فإن هذه الخصوصية لا تتناقض مع طبيعة المدينة التعددية، بل على العكس، فإن كركوك كانت ولا تزال نموذجاً للتعايش بين الكورد والعرب والتركمان والآشوريين والسريان والأرمن، حيث تشكل الشراكة الحقيقية بين هذه المكونات أساس الاستقرار فيها، لا الصفقات السياسية العابرة.
ومن وجهة نظري، كوني كوردياً من مدينة كركوك، فإن ما يحدث اليوم لا ينظر إليه كخطوة سياسية عابرة بل هي مساس مباشر بحقوقنا وتمثيلنا، ومحاولة لاستخدام قضيتنا كورقة تفاوض، وهو أمر لا يخدم لا الكورد ولا بقية مكونات المدينة، بل يهدد أسس التعايش التي قامت عليها كركوك لعقود.
وفي مقابل هذا النهج، يبرز موقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني كخط سياسي واضح يرفض إخضاع كركوك للمساومات، ويؤكد أن حماية حقوق الكورد لا تنفصل عن حماية التوازن بين جميع المكونات.
فالحزب الدیمقراتي الکوردستاني يرى أن أي حل حقيقي يجب أن يستند إلى الدستور العراقي، ويضمن الشراكة الفعلية، بعيداً عن التفاهمات المؤقتة التي غالباً ما تكون على حساب الاستقرار طويل الأمد.
وفي هذا السياق، كان للرئيس مسعود بارزاني مواقف واضحة شدد فيها على أن كركوك “قلب كوردستان”، وأن حل قضيتها يجب أن يكون دستورياً ويعكس إرادة سكانها، لا أن يختزل في صفقات سياسية. كما أكد أن التعايش الحقيقي لا يتحقق عبر التنازلات القسرية، بل عبر الاعتراف بالحقوق.
وبالنهج ذاته، شدد کل من رئیس إقلیم کوردستان السيد نیجیرفان بارزاني و رئیس الحکومة السيد مسرور بارزاني على أن الاستقرار في كركوك مرتبط بالعدالة واحترام الاستحقاقات الدستورية، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الأسس لن تؤدي إلا إلى تعقيد الأوضاع، مهما بدت التسويات مغرية على المدى القصير.
في المقابل، فإن ما يقوم به الاتحاد الوطني الكوردستاني اليوم يضع كركوك في قلب معادلة المقايضة السياسية، حيث تتحول المحافظة إلى ورقة للحصول على مكاسب في بغداد أو مناصب أمنية وإدارية. وهذا السلوك لا يضعف فقط موقع الكورد، بل يهدد أيضاً التوازن الحساس بين مكونات كركوك، لأنه يربط مصيرها بصفقات قابلة للتبدل في أي لحظة.
إن التجارب السابقة أثبتت أن ما يقدم كحلول “مؤقتة” سرعان ما يتحول إلى واقع دائم، وأن التنازل عن موقع سيادي، حتی وإن کان بشكل مرحلي، قد يفتح الباب أمام إعادة رسم موازين القوى بشكل لا يخدم العدالة ولا الاستقرار.
كما أن ربط كركوك بتفاهمات خارج إرادة أهلها، سواء في بغداد أو ضمن حسابات إقليمية، يفرغ القضية من مضمونها الحقيقي.
في المحصلة، لا يمكن حماية التعايش في كركوك عبر إضعاف حقوق أحد مكوناتها، ولا يمكن بناء شراكة حقيقية على أساس الصفقات.
إن كركوك ستبقى مدينة لجميع مكوناتها، لكن ذلك لا يلغي حقيقتها التاريخية والسياسية. وبقدر ما نتمسك بالتعايش، نتمسك أيضاً بحقوقنا.
إذن كركوك ليست ورقة تفاوض، بل هي جزء لا يتجزأ من كوردستان وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها بالاتفاقات، ولا يمكن القفز عليها تحت أي ظرف سياسي.