كركوك... التي لم تُغلق جراحها بعد

كركوك... التي لم تُغلق جراحها بعد
كركوك... التي لم تُغلق جراحها بعد

بين ذاكرة الأنفال وصدمة 16 أكتوبر… هل تُعاد صياغة إرادة المدينة بصمت؟ ليست كل الكلمات تُقال لتبقى في إطار المناسبة بعض الخطابات تُفهم في توقيت آخر وتُقرأ في سياق مختلف هذا ما يجعل كلمة الرئيس مسعود البارزاني في ذكرى الأنفال في باليسان وشيخ وسنان تتجاوز بعدها التذكاري لتتحول إلى رسالة سياسية مرتبطة بما يجري الآن لا بما حدث فقط.

فالأنفال لم تكن مجرد مأساة عابرة بل لحظة تأسيس في الوعي الكوردي حيث دُفعت أثمان الوجود بالدم لا بالسياسة، لذلك فإن استحضارها لا يكون حياديًا، بل يحمل دائمًا معنى محددًا أن ما تم تثبيته بالتضحيات لا يمكن إعادة صياغته لاحقًا ضمن حسابات ظرفية أو توافقات لا تعكس حجم ما دُفع من ثمن.

هذا المعنى لا يمكن فصله عن ما حدث في كركوك في أحداث 16 أكتوبر 2017 في ذلك اليوم لم يكن التغيير إداريًا فقط بل كان لحظة انكسار في ميزان القوة وانكشافًا لحقيقة أن ما يُبنى خلال سنوات يمكن أن يتغير خلال ساعات، دماء البيشمركة التي سقطت في الدفاع عن كركوك لم تكن جزءًا من معادلة سياسية مؤقتة بل كانت تعبيرًا عن التزام بحماية موقع اعتُبر دائمًا جزءًا من جوهر القضية الكوردية، لكن ما أعقب ذلك الحدث لم يغيّر الإدارة فقط بل غيّر طريقة قراءة المدينة بالكامل لم تعد كركوك تُرى كمساحة مستقرة بل كمساحة قابلة لإعادة التشكيل في أي لحظة، وهو ما جعل 16 أكتوبر لا ينتهي كتاريخ بل يستمر كحالة سياسية حاضرة في كل قرار جديد وفي كل نقاش حول مستقبل المدينة. 

هنا تحديدًا يلتقي خطاب الأنفال مع ذاكرة 16 أكتوبر،الأول يذكّر بحجم التضحيات التي دفعت من أجل البقاء والثاني يذكّر بسهولة فقدان ما تم الدفاع عنه حين تُدار المعادلات خارج توازنها الحقيقي.
وفي هذا السياق لا يبدو ما يجري اليوم في كركوك مجرد نقاش حول منصب أو ترتيب إداري الإشكال الحقيقي أعمق بكثير ويتمثل في كيفية التعامل مع إرادة مكوّن كامل داخل معادلات تُبنى على التوافقات، هل تُدار هذه الإرادة باعتبارها أساس القرار، أم تُعاد صياغتها ضمن تفاهمات قد لا تعكسها بالكامل؟ 

إن استعادة كركوك لعافيتها لا تمر عبر إقصاء الآخر، بل عبر إدراك أن خصوصية المكون الكوردي وتضحياته هي الضمانة لصون هوية المدينة، وليست عائقاً أمام شراكة حقيقية. فالتوازن في كركوك ليس مجرد توزيع حصص، بل هو اعتراف متبادل بأن إرادة أي مكون لا يمكن القفز عليها تحت ذريعة التوافقات الهشة، لأن الشراكة التي لا تحترم التاريخ لن تبني مستقبلاً مستقراً.

وهنا تبرز النقطة الأكثر حساسية والتي غالبًا ما يتم تجاوزها في الخطاب العام: من الذي يعيد صياغة هذه الإرادة؟ هل هي قوى داخلية كوردية تدخل في تسويات سياسية؟ أم قوى في بغداد تعيد ترتيب المشهد وفق توازنات أوسع؟ أم أن المسألة هي نتاج تحالفات متشابكة، تُبنى فيها القرارات خارج الإطار الذي أنتج التمثيل في الأصل؟ هذا السؤال لا يبحث عن اتهام بل عن فهم طبيعة القرار لأن أي إرادة سياسية عندما تُعاد صياغتها خارج سياقها المباشر تفقد جزءًا من معناها حتى لو بقيت قانونيًا ضمن إطار التوافق، ومن هنا لا بد من تفكيك ما يُسمى بالتفاهمات السياسية، هل نحن أمام اتفاقات مرحلية هدفها إدارة التوازن؟ أم أمام إعادة توزيع للسلطة لا تعكس نتائج التمثيل؟ أم أن هذه التفاهمات تتجاوز أصلًا ما أفرزته العملية السياسية داخل كركوك؟ في مدينة لا يملك فيها أي مكوّن أغلبية مطلقة،

يصبح التوازن ليس خيارًا بل شرطًا للبقاء السياسي وهذا ما يجعل كركوك بحكم تركيبتها مدينة لا يمكن إدارتها بمنطق الغالب والمغلوب بل بمنطق الشراكة الدقيقة، لذلك فإن أي تفاهم لا يعكس هذا التعقيد، سيُفهم بالضرورة كإعادة صياغة للإرادة لا كتنظيم لها لأن الخطر لا يكمن في التغيير نفسه بل في معناه السياسي.

إذا أصبح ما تم الدفاع عنه بالدم قابلًا لإعادة الترتيب ضمن حسابات سياسية أو حتى فردية فإن الرسالة التي تصل لا تتعلق بالقرار الحالي فقط، بل بإمكانية تكرار التجربة نفسها حتى لو اختلفت الأدوات وهنا يظهر هاجس 16 أكتوبر مرة أخرى لا كذكرى بعيدة بل كاحتمال قائم في الوعي السياسي، ليس بالضرورة أن يتكرر الحدث بنفس الشكل العسكري، لكن يمكن أن يتكرر في جوهره السياسي، إعادة صياغة واقع كامل دون أن يكون ثمنه الذي دُفع سابقًا حاضرًا في القرار.

لفهم هذا القلق لا بد من العودة إلى السياق الأوسع كركوك لم تكن يومًا مدينة عادية في مسار الدولة العراقية، سياسات التغيير الديموغرافي وحرمان الكورد من أراضيهم في مراحل مختلفة ثم التعثر المستمر في تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي كلها عوامل جعلت المدينة تعيش في حالة عدم حسم دائم حيث يتقدم السياسي على الدستوري والاتفاق على الإرادة، لهذا فإن أي تغيير اليوم لا يُقرأ كخطوة معزولة بل كجزء من سلسلة طويلة من التحولات وعندما يُنظر إليه من هذا المنظور يصبح السؤال أكثر حساسية.

هل ما يجري الآن يُغلق جرحًا أم يعيد فتحه بصيغة مختلفة؟ في ضوء ذلك يمكن قراءة خطاب الرئيس مسعود بارزاني في الأنفال كإعادة تثبيت لخط أحمر واضح أن دماء الضحايا سواء في الأنفال أو في ساحات الدفاع ليست مادة تفاوض ليس بمعنى رفض السياسة بل بمعنى وضع حدود لها بحيث لا تتحول إلى أداة لإعادة تعريف ما تم تثبيته بالتضحيات أو التقليل من قيمته.

كركوك اليوم تقف عند هذه النقطة تحديدًا، ليست أمام خيار بين تغيير وعدم تغيير بل أمام اختبار أعمق، كيف يمكن إدارة المدينة دون أن يشعر من دافع عنها أو من فقد فيها أن ما حدث يُعاد تفسيره خارج سياقه الحقيقي؟ وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، أن كركوك التي لم تُغلق جراحها بعد لا تخشى تقلبات الحاضر بقدر ما تخشى تحويل المأساة إلى قاعدة إن أخطر ما يواجه المدينة اليوم ليس قراراً إدارياً عابراً بل أن يتحول 16 أكتوبر من انكسار عسكري إلى نهج سياسي دائم يُلغي تضحيات الأمس بحسابات اليوم، ويُعيد كتابة الواقع بصمت بعيداً عن دماء الذين كتبوا التاريخ.