إقليم كوردستان بين الحرب والحياد، دروس من حرب

إقليم كوردستان بين الحرب والحياد، دروس من حرب
إقليم كوردستان بين الحرب والحياد، دروس من حرب

وضعت حرب الأيام التسعة والثلاثون بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أوائل عام 2026 إقليم كوردستان العراق في موقف شديد الحساسية. فعلى الرغم من تبني حكومة إقليم كوردستان سياسة الحياد، أصبح الإقليم هدفًا مباشرًا لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة التي شنتها إيران وحلفاؤها من الميليشيات. هذه المفارقة - التعرض للهجوم رغم الحياد - تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للحياد وحده حماية فاعل جيوسياسي صغير في منطقة يهيمن عليها الصراع؟  ما هو التحدي الذي تمثله القوى الخارجة عن القانون، وكيف يمكنه حماية نفسه؟

الحياد تحت الضغط حاولت منطقة كوردستان النأي بنفسها عن الصراع، مؤكدةً أنها لن تتخذها قاعدةً لشنّ هجمات على الدول المجاورة. إلا أن الأحداث على أرض الواقع أثبتت أن الحياد لم يكن كافيًا.

• تعرّضت المنطقة لمئات الهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ خلال الحرب. 

• تشير التقارير إلى تنفيذ إيران والميليشيات المدعومة منها أكثر من 750 هجومًا، ما أسفر عن سقوط (18) قتلى وجرحى بين المدنيين وقوات البيشمركة. 

• حتى البنية التحتية الحيوية، كالمطارات والقواعد العسكرية، لم تسلم من الاستهداف.

تُظهر هذه التطورات أن الحياد لا يحمي منطقةً ذات موقع استراتيجي وعلاقات سياسية مع قوى عظمى.

دروس من الحرب.

1.     الجغرافيا تتجاوز الحياد 

تستضيف منطقة كوردستان قوات دولية وتقع بالقرب من حدود إيران. ولهذا السبب، يُنظر إليها كجزء من ساحة المعركة الأوسع، بغض النظر عن موقفها الرسمي. وتتمثل استراتيجية إيران في التعامل مع العراق -وخاصة كوردستان- كمنطقة عازلة وساحة ضغط. 

صعود الحرب الهجينة 

أبرز هذا الصراع تحولاً من الحرب التقليدية إلى الحرب الهجينة، بما في ذلك:

•  الطائرات المسيّرة والضربات الصاروخية

 •  الضغط السيبراني والتهديدات الاستخباراتية

 •  عمليات القوات الخارجة عن القانون بالوكالة 

تتيح هذه التكتيكات لدول مثل إيران ممارسة الضغط دون اللجوء إلى غزو شامل.

2.     القوات الخارجة عن القانون كتهديد رئيسي 

تمثل القوات الخارجة عن القانون المدعومة من إيران والنشطة داخل العراق أحد أخطر التحديات:

• تعمل خارج سيطرة الدولة الكاملة

• تشن هجمات متكررة على أهداف كوردية ومرتبطة بالولايات المتحدة

• تحول العراق إلى ساحة حرب بالوكالة 

يُطمس هؤلاء "الخارجون عن القانون" الخط الفاصل بين التهديدات الداخلية والخارجية، مما يجعل استراتيجيات الدفاع التقليدية غير كافية.

٤. حدود الدعم الدولي

خلال النزاع، تلقت الجماعات الكوردية إشارات متضاربة من حلفائها الدوليين. فبينما كانت هناك توقعات بأن تفتح القوات الكوردية جبهة ضد إيران، لم يتحقق أي دعم ثابت، وتجنب القادة الكورد في نهاية المطاف التدخل لمنع التصعيد. 

يؤكد هذا درساً راسخاً: 

قد تدعم القوى الخارجية المصالح الكوردية، لكنها نادراً ما تضمن أمنها في المدى البعيد.

تحديات الأمن في "المنطقة الرمادية"

تعيش منطقة كوردستان اليوم في منطقة وسطى بين الحرب والسلام:

•  ليست في حالة حرب رسمياً

• ومع ذلك فهي عرضة للهجمات باستمرار

• وتواجه تهديدات من جهات حكومية وغير حكومية

تتطلب هذه "المنطقة الرمادية" فهماً جديداً للأمن، يتجاوز مفهوم الدفاع العسكري التقليدي.

 

كيف يمكن لإقليم كوردستان حماية نفسه؟

للبقاء على قيد الحياة ومقاومة الهجمات المستقبلية، يجب على إقليم كوردستان تبني استراتيجية متعددة الأبعاد:

1.     تعزيز أنظمة الدفاع الجوي

كشف حجم هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ عن نقاط ضعف خطيرة. الاستثمار في:

• أنظمة دفاع جوي حديثة

 • تقنيات الإنذار المبكر من الضروري حماية المدن والمطارات والبنية التحتية للطاقة.

2.     احتواء الجماعات الخارجة عن القانون

لا يمكن تحقيق الأمن دون التصدي للقوات الخارجة عن القانون:

•  ضرورة تعزيز التنسيق مع بغداد

 • يجب زيادة إنفاذ سلطة الدولة على الجماعات المسلحة

 • يمكن للضغط الدولي أن يساهم في الحد من نشاط الميليشيات

3. الوحدة السياسية الداخلية

تُضعف الانقسامات الداخلية الاستجابة للأزمات. من شأن جبهة سياسية كوردية موحدة أن:

• تعزيز عملية صنع القرار

• تحسين القدرة التفاوضية

• تقديم استراتيجية أمنية متماسكة

4. الحياد الاستراتيجي (الفعال)

ينبغي أن يتطور الحياد إلى حياد فعال، أي:

• تجنب التدخل المباشر في النزاعات

• الانخراط دبلوماسياً مع جميع الأطراف

• الحد من الأعمال التي قد تُعتبر عدائية

•  إن الوحدة تحت مظلة الدستور هي الضمانة الأكبر للأقليم للوقوف في وجه القوى الخارجة عن القانون أو أي تهديد لها، سواء كان داخلياً أو خارجياً.

5. شراكات دولية متنوعة

بدلاً من الاعتماد على حليف واحد، ينبغي لإقليم كوردستان ما يلي:

•  تعزيز العلاقات مع جهات فاعلة عالمية متعددة

  •السعي للحصول على ضمانات دبلوماسية وأمنية أوسع

•  تعزيز حضوره الدولي كفاعل مُستقر

6. مرونة الاقتصاد والبنية التحتية

يُسهم حماية البنية التحتية وتنويع الاقتصاد في الحد من الهشاشة من خلال:

• تحصين منشآت الطاقة ضد الهجمات

• تطوير أنظمة الاستجابة للأزمات

 •  تقليل الاعتماد على مصادر دخل واحدة

7. حماية الأمن القومي لإقليم كوردستان

إن حماية الأمن القومي لإقليم كردستان (في إقليم كردستان) جهدٌ واسع النطاق يشمل استراتيجيات سياسية، وعسكرية، واقتصادية، واجتماعية. ولا يقتصر الأمر على الدفاع فحسب، بل يتعلق بالاستقرار والصمود والأمن على المدى الطويل.

ويرتكز الأمن القومي في إقليم كردستان على التوازن: الدفاع القوي، والدبلوماسية الذكية، والوحدة الداخلية، والمرونة الاقتصادية، وكلها تعمل معًا.

الخلاصة 

أظهرت الحرب التي استمرت 39 يومًا أن إقليم كوردستان لا يمكنه الاعتماد على الحياد وحده لضمان أمنه. فعلى الرغم من جهوده للبقاء خارج الصراع، أصبح هدفًا بسبب موقعه الجغرافي وتحالفاته وتعقيداته الداخلية.

الدرس الأساسي واضح: يجب تعزيز الحياد بالردع والوحدة والدبلوماسية الاستراتيجية.

في عصر الحروب الهجينة والجهات الفاعلة الخارجة عن القانون، لا يعتمد البقاء على تجنب الصراع تمامًا، بل على إدارة المخاطر، وتعزيز القدرة على الصمود، والحفاظ على التوازن في منطقة مضطربة.