ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
مسرور بارزاني وقصة أربيل.. حينما تُصبحُ القلعةُ مُحركاً للتنمية ودرعاً للهوية
لا يمثل الثامن عشر من نيسان، اليوم العالمي للمواقع الأثرية مجرد استعادة تقويمية لذاكرة الحجر بل هو في جوهره وقفة أمام تكتونيات الهوية وأدوات صناعة المستقبل وفي عالمٍ متسارع تُمحى فيه ملامح الكيانات التي تفقد صلتها بجذورها، يبرز السؤال الوجودي الذي يواجه العراق والمنطقة اليوم، كيف يمكن لإرثٍ هو الأقدم تاريخياً أن يتحول من عبء الذاكرة المثقلة بالصراعات إلى رافعة سياسية واقتصادية صلبة؟ في هذا التوقيت الحساس لا تطلُّ أربيل من فوق قلعتها كمدينة تحتفي بآثارها فحسب بل كمنصة اشتباك معرفي وسياسي تعيد صياغة مفهوم الدولة الحديثة حيث يتحول التاريخ من صمت المتاحف إلى صخب الإنتاج وقوة الدبلوماسية.
من على تلة قلعة أربيل لا يظهر التاريخ كصفحة منتهية بل كامتداد حيّ لحضارة لم تنقطع منذ آلاف السنين، هذه القلعة ليست مجرد موقع أثري بل هي رمز لاستمرارية الحياة والإرادة في واحدة من أقدم مدن العالم المأهولة ومن حولها، تتشكل أربيل الحديثة كمدينة تنمو بسرعة مذهلة لكنها لا تنفصل عن جذورها في معادلة نادرة الصعوبة مدينة تعرف كيف تتعايش فيها الذاكرة مع التحول الرقمي والعمراني، غير أن هذه الصورة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي وهنا يبرز الدور المحوري للسيد مسرور بارزاني الذي نقل ملف التراث من الرفوف الأكاديمية الهامشية إلى قلب العقيدة التنموية لإقليم كوردستان.
إن رؤية السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان لم تكن محصورة في الجانب الفني للترميم بل كانت رؤية رجل دولة يدرك أن الهوية هي مادة خام للصمود والاستقلال الاقتصادي لقد قاد معركة واعية لإعادة تعريف وظيفة التراث داخل مشروع الحكم فلم تعد القلعة مجرد مزار بل أصبحت نواة انطلقت منها ثورة في البنية التحتية، لقد تم ربط مشاريع الحفاظ على التراث بمسار التنمية الاقتصادية الشاملة عبر شبكة معقدة وذكية من المشاريع فكان تطوير الطرق الاستراتيجية المحيطة وتنظيم الفضاءات الحضرية، ودعم الأسواق القديمة وتحويل المحيط الأثري إلى بيئة استثمارية جاذبة كلها خطوات مدروسة لجعل أربيل مركز ثقل استثماري وسياحي عالمي. في هذا المشهد يتجلى ذكاء الإدارة في تحويل المورد التاريخي إلى مورد مالي وسيادي، لقد استثمر بارزاني في البنية التحتية الصلبة من طرق وجسور ومرافق خدمية حديثة لتكون الحاضنة التي تحمي الإرث وتجعله متاحاً للعالم، هذا التداخل بين قدسية التاريخ وضرورات الحداثة خلق بيئة مكنت أربيل من جذب البعثات الدولية والشركات الكبرى وتحويل التعاون مع منظمة اليونسكو من مجرد اعتراف بروتوكولي إلى شراكة استراتيجية تضع الإقليم على خارطة التأثير الدولي إنها دبلوماسية التراث التي نجحت في انتزاع اعتراف عالمي بقدرة الإقليم على إدارة موارده بمرونة واقتدار تفوق الكثير من الكيانات المركزية.
لكن الأهمية الجوهرية لهذه التجربة تكمن في قدرتها على الإجابة على المعضلة العراقية الكبرى لماذا يتحول التراث في أربيل إلى مشروع نجاح وتنمية، بينما يبقى في مناطق أخرى رهيناً للإهمال أو التجاذبات السياسية؟ الإجابة تكمن في فلسفة القيادة فحين تُدار المدينة بوصفها امتداداً لتاريخها، ولكن بعقلية تتحرك نحو المستقبل فإننا نكون أمام نموذج سيادي يرى في الهوية بنية تحتية لا تقل أهمية عن آبار النفط، لقد استطاع السيد مسرور بارزاني أن يثبت أن الاستقرار لا يُصنع بالاتفاقيات السياسية الهشة فحسب بل بخلق شعور بعمق الاستمرارية التاريخية مدعوماً بنهضة اقتصادية يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
إن ما يحدث في أربيل هو إنذار سياسي هادئ لكل من يعتقد أن الدولة يمكن أن تُبنى بلا جذور أو أن الجذور يمكن أن تصمد بلا اقتصاد قوي يحميها، لقد تحولت أربيل إلى مركز جذب ليس فقط للاستثمار بل للأمل في إمكانية صياغة نموذج حكم رشيد يوازن بين الأصالة والمعاصرة إنها المعركة التي يقودها رئيس حكومة إقليم كوردستان بصمت وإصرار معركة تحويل الحجر إلى بشر وإنتاج وسيادة.
أربيل اليوم لا تقف كمدينة تعيد ترميم حجارتها، بل ككيان يعيد ترميم معنى الدولة في وجدان الإنسان، فحين يتحول التراث من ذكرى تُروى إلى مشروع يُدار بصرامة ومسؤولية يصبح السؤال أكبر من حدود الجغرافيا وأعمق من السياسة العابرة، إن تجربة أربيل هي الرسالة الأبلغ في اليوم العالمي للآثار، إن التاريخ ليس عبئاً نجرّه خلفنا، بل هو الوقود الذي يشعل محركات المستقبل وبينما يقف العالم متفرجاً، يثبت السيد مسرور بارزاني أن من يمتلك الشجاعة لترميم ماضيه بذكاء الاقتصاد وقوة الإرادة، هو وحده من يملك الحق في صياغة ملامح التاريخ القادم فالعبرة ليست فيمن يملك التاريخ الأقدم بل فيمن يحسن تحويل ذلك التاريخ إلى درع سيادي وبناء لا ينكسر.