عقيدة بارزان وتجلياتها في الحكمة السياسية للرئيس مسعود بارزاني

عقيدة بارزان وتجلياتها في الحكمة السياسية للرئيس مسعود بارزاني
عقيدة بارزان وتجلياتها في الحكمة السياسية للرئيس مسعود بارزاني

تُشكل عقيدة بارزان واحدة من أهم الركائز الفكرية والسياسية التي أسهمت في صياغة الوعي القومي الكوردستاني الحديث، ليس بوصفها مجرد منظومة قيم تقليدية، بل باعتبارها مدرسةً متكاملةً في الفكر والسلوك والنضال.

هذه العقيدة، التي تبلورت عبر تاريخ طويل من التضحيات، بدءاً من مشايخ بارزان النقشبنديين الأوائل، ومروراً بالقائد الخالد مصطفى بارزاني، وصولاً إلى الرئيس مسعود بارزاني، تمثل اليوم إطاراً جامعاً بين الإيمان والانتماء الوطني والتعايش الإنساني.

لقد أثبتت الأحداث المفصلية، ولا سيما ما جرى بعد الاستفتاء على استقلال كوردستان عام 2017 وما تلاه من تداعيات مؤلمة، أن هذه العقيدة لم تكن يوماً خطاباً نظرياً، بل شكّلت صمام أمان في مواجهة الانكسارات ومحاولات التمزيق. ففي تلك الأيام الصعبة، ظهرت بوضوح مواقف الأطراف التي سعت إلى إجهاض التجربة الكوردستانية والانخراط في سياسات عدائية، غذّتها بعض المنابر الإعلامية بخطابات الريبة والتشكيك بكل ما هو كوردي وكوردستاني.

ورغم ذلك، بقيت عقيدة بارزان حاضرة كمرجعية أخلاقية وسياسية، تدعو إلى الصمود دون التخلي عن مبادئ الحوار والانفتاح.

بعد عام 2003، دخلت العلاقة بين أربيل وبغداد مرحلةً معقدة، تراوحت بين التفاهم والتوتر. ففي أوقات الانسجام، برزت إرادة مشتركة لبناء الدولة وتجاوز الأزمات، بينما في مراحل التباعد تصاعدت الخلافات نتيجة غياب الثقة وتغليب الأجندات الضيقة. وقد أسهمت التصريحات التصعيدية من بعض الأطراف في بغداد في تعميق الفجوة، وصولاً إلى أزمات متلاحقة أثقلت كاهل العراق كدولة.

في خضم هذه التحولات، برز دور الرئيس مسعود بارزاني بوصفه الحامل الأبرز لعقيدة بارزان والمدافع عنها في أصعب الظروف. فقد حافظ على ثوابت هذه العقيدة، مؤكداً أن الحلول لا يمكن أن تكون عسكرية أو إقصائية، بل تقوم على الحوار والتفاهم والاعتراف المتبادل. وحتى في لحظات التصعيد، ظل يدعو إلى التهدئة وفتح قنوات الحوار، إيماناً بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بالشراكة.

تستند عقيدة بارزان إلى ثلاث ركائز أساسية: الإيمان بالله، وحب الوطن، والتعايش السلمي. وهذه الركائز لم تكن مجرد شعارات، بل شكّلت الأساس الذي بُني عليه المجتمع الكوردستاني، فأسهمت في خلق بيئة متماسكة قادرة على مواجهة التحديات. فمنطقة بارزان، رغم ما تعرضت له من دمار متكرر، ظلت نموذجاً للتعايش بين مختلف الأديان والمكونات، ومثالاً على قدرة الإنسان على التمسك بقيمه رغم قسوة الظروف.

إن الإيمان، في هذا السياق، لا يقتصر على البعد الديني، بل يتعداه إلى بناء منظومة أخلاقية تحكم علاقة الإنسان بالآخر. وحب الوطن لا يعني الارتباط بالسلطة، بل الانتماء العميق للأرض والتاريخ. أما التعايش السلمي، فهو التعبير الأسمى عن إنسانية المجتمع وقدرته على احتضان التنوع بدل الخوف منه.

لقد جسّد الرئيس مسعود بارزاني هذه الركائز في ممارساته السياسية، سواء في إدارة العلاقات الداخلية أو في تعامله مع الأزمات الإقليمية والدولية. فمواقفه خلال الحرب على الإرهاب، ودعمه لمناطق مختلفة في كوردستان وخارجها، عكست إيماناً راسخاً بأن أمن كوردستان جزءٌ من أمن المنطقة والعالم.

وفي الوقت الذي تواجه فيه المنطقة تحديات متزايدة، تبرز الحاجة إلى استلهام هذه العقيدة، ليس فقط للكورد، بل لكل من يسعى إلى بناء مجتمع قائم على التعددية والاحترام المتبادل. فالمشكلة ليست في غياب الموارد أو الإمكانيات، بل في غياب الرؤية التي توازن بين بناء الإنسان وبناء الدولة.

إن الخروج من الأزمات المتراكمة في العراق يتطلب تبني خطاب جديد قائم على الاعتراف والشراكة، والتخلي عن ثقافة الإقصاء. فالوطن لا يمكن أن يُبنى بعقلية الغلبة، ولا يمكن الحفاظ عليه دون احترام تنوعه. وهنا تتجلى أهمية عقيدة بارزان كنموذج يمكن أن يسهم في إعادة صياغة العلاقة بين المكونات المختلفة.

في الختام، تبقى عقيدة بارزان أكثر من مجرد إرث تاريخي؛ إنها مشروع مستمر يتجدد عبر الأجيال، ويجد في قيادة الرئيس مسعود بارزاني امتداداً حياً له. وبينما تستمر التحديات، يظل هذا النهج مصدراً للأمل، ودعوة مفتوحة لبناء مستقبل يقوم على السلام والكرامة والشراكة الحقيقية.