128 عامًا على صحيفة "كوردستان" في مصر.. تاريخ وميلاد لصحافة قومية محفورة في الذاكرة

128 عامًا على صحيفة "كوردستان" في مصر.. تاريخ وميلاد لصحافة قومية محفورة في الذاكرة
128 عامًا على صحيفة "كوردستان" في مصر.. تاريخ وميلاد لصحافة قومية محفورة في الذاكرة

تحتفي الصحافة والإعلام في 22 أبريل من كل عام بعيد الصحافة الكوردية، كونه حدثًا مهمًا لذكرى محفورة في الذاكرة، مرت بها الصحافة الكوردية، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى القومي والإعلامي والعربي، حيث صدر أول صحيفة كردية ناطقة بلغة الوطن، وهي "كوردستان"، التي أسسها وحررها كورد، وأصبحت منارة إعلامية لسنوات طويلة، ليُحتفل بمرور 128 عامًا على تأسيسها وإنشاء مطبعة خاصة بها ضمن المطابع البولاقية في القاهرة بجمهورية مصر العربية.

 

سأل موقع "كوردستان 24" الالكتروني، الدكتورة سحر حسن أحمد، الأستاذ المساعد بجامعة أكاديميون، والخبيرة في تاريخ الإعلام، عن أهمية تلك الخطوة في مسيرة الإعلام في كوردستان ومصر، فقالت إن الحديث عن ريادة التجربة الكوردية في الصحافة لا يمكن أن يتم دون الإشارة إلى صحيفة "كوردستان" التي أسسها الأمير الكوردي مقداد مدحت بدرخان في عام 1898، وهو أحد أفراد الأسرة البدرخانية التي لعبت دورًا سياسيًا وثقافيًا بارزًا في التاريخ الكوردي، والتي تُعد أول صحيفة كوردية في التاريخ. 

وأوضحت أن صدور الصحيفة خارج كوردستان، في القاهرة ثم جنيف ولندن، لم يكن صدفة، بل كان انعكاسًا لظروف سياسية ضاغطة داخل الدولة العثمانية، حيث كانت القاهرة آنذاك مساحة أكثر انفتاحًا نسبيًا للنشر والتعبير.

وأكدت أن هذه التجربة كانت رائدة بحق لعدة أسباب، إذ أسست للغة مكتوبة حديثة في الصحافة الكوردية، وربطت بين الهوية القومية والعمل الثقافي، كما استخدمت الصحافة كأداة للتوعية السياسية والاجتماعية. ورغم هذه الريادة، لم تتحول إلى تيار مستمر، وهو ما يمكن تفسيره بعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الطابع المنفي للتجربة، حيث كانت الصحافة الكوردية في مصر في الأساس صحافة "منفى"، مرتبطة بنخبة محدودة من المثقفين الأكراد الذين أقاموا خارج موطنهم، وبالتالي لم تكن هناك قاعدة اجتماعية واسعة في مصر تدعم استمرارها.

تحولات سياسية 

كما لعبت التحولات السياسية والإقليمية دورًا مهمًا، فمع سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، تغيرت خريطة المنطقة، وهو ما أدى إلى انتقال مركز النشاط الكوردي إلى الداخل. وإلى جانب ذلك، لم تكن هناك جالية كردية كبيرة ومنظمة في مصر، على عكس الأرمن أو الشوام، قادرة على إنشاء مؤسسات صحفية مستمرة أو تمويلها، فضلًا عن أن الصحافة السياسية، خاصة ذات الطابع القومي، كانت تواجه ضغوطًا، رغم هامش الحرية النسبي آنذاك، خصوصًا عندما تمس قضايا حساسة إقليميًا، إضافة إلى غياب الاستمرارية المؤسسية، حيث ارتبطت التجربة بأفراد مثل عائلة بدرخان، ولم تتحول إلى مؤسسات راسخة يمكنها الاستمرار عبر الأجيال.
وترى الدكتورة سحر حسن أحمد أن هذه التجربة لم تفشل بقدر ما كانت سابقة لزمنها، إذ لم تُكتب لها الاستمرارية في مصر، لكنها نجحت في إطلاق فكرة الصحافة الكوردية، وخلق وعي قومي وثقافي مبكر، وتمهيد الطريق لتجارب لاحقة داخل كوردستان وخارجها. وأشارت إلى أن القاهرة كانت نقطة انطلاق وليست مركزًا دائمًا، خاصة أن الصحيفة تنقلت بين القاهرة ومدن أخرى مثل جنيف، مؤكدة أن صحيفة "كوردستان" تمثل لحظة تأسيسية في تاريخ الإعلام الكوردي، وأن أثرها الفكري تجاوز حدود المكان واستمر عبر الزمن حتى اليوم، حيث يُعد تاريخ صدورها عيد الإعلام الكوردي في 22 أبريل من كل عام.

 منظومة إذاعية أيضا 

وفي سياق الحديث عن منظومة إعلامية متكاملة، أوضحت أن القاهرة لم تكن فقط منطلقًا للصحافة الكوردية، بل شهدت أيضًا تأسيس أول إذاعة كوردية، حيث تبنى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر سياسة خارجية قائمة على مناصرة القوميات والأقليات التي لا تتمتع بالاستقلالية والحكم الذاتي، وكان الكورد من أبرز القوميات التي حظيت بدعمه، إذ أسس لهم أول إذاعة كوردية تنطلق من القاهرة عام 1957. وكان عبد الناصر يرى أن للكورد حقوقًا لغوية وثقافية، ومن هذا المنطلق جاءت الإذاعة الكوردية الموجهة للعراق.

متنفس للكورد 

وكانت صحيفة "كوردستان" تمثل متنفسًا مهمًا لأبناء إقليم كوردستان في مصر، وكذلك للأتراك، إذ انطلقت من إحدى أهم المؤسسات المصرية، وهي دار الهلال، حيث صدر العدد الأول منها، واستمرت في الصدور حتى بلغ عدد أعدادها 31 عددًا على امتداد أربع سنوات، باللغتين الكوردية والتركية، وكانت تصدر مرتين شهريًا، باشتراك سنوي قيمته ثمانون قرشًا. وقد طُبعت الأعداد الخمسة الأولى في القاهرة في مطبعتي "دار الهلال" و"كوردستان"، لكن الضغوط التي مارستها السلطات العثمانية أدت إلى انتقال إصدارها إلى جنيف بسويسرا، ثم عادت إلى القاهرة مرة أخرى، قبل أن تنتقل إلى فولكستون في بريطانيا، ثم إلى جنيف مجددًا، حيث طُبع العدد الأخير، وهو العدد 31، لتتوقف بعده نهائيًا عام 1902، بينما تشير بعض الروايات إلى أن عدد الأعداد بلغ 32 عددًا، وأن التوقف النهائي كان في 14 أبريل 1914.
وكان الأمير الكوردي مقداد مدحت بدرخان هو صاحب الامتياز وأول رئيس تحرير للجريدة، قبل أن يتولى إصدارها من بعده شقيقه عبد الرحمن بدرخان، وقد استقرت عائلة بدرخان في مصر بعد قدومها من ديار بكر، بكوردستان الشمالية في تركيا. وقد كتب رئيس التحرير في افتتاحية الصحيفة: "لا أبغي من صدور هذه الجريدة سوى خدمة مصالح شعبي وسعادته، وقد وضعت نصب عيني هدف ترسيخ الاهتمام والحب في نفوس أبناء قومي إزاء التعليم، ولأمنح الشعب فرصة التعرف على حضارة العصر وتقدمه، وكذلك على أدبه، ورفع المستوى الثقافي لبني جلدي".
وبالبحث في أرشيف دار الهلال، لم يتم العثور على جميع أعداد الصحيفة، إذ توجد فقط نسخ توثيقية، غير أن الباحثين الكورد واصلوا جهودهم للعثور على الأعداد المفقودة، حيث تمكن الباحث كمال فؤاد من جمع معظمها، باستثناء خمسة أعداد، بعد رحلة بحث استمرت خمس سنوات بين ألمانيا الشرقية والغربية، ثم قام بجمعها في مجلد بعنوان "كوردستان" طُبع عام 1972. كما عُثر لاحقًا على بقية الأعداد في مكتبات بالنمسا وأنقرة، وأعيد طبعها، غير أن العدد التاسع عشر لا يزال مفقودًا حتى الآن.

تكريم للصحافة الكوردية 

ومع كل احتفاء مصري بالصحافة، يبرز دور الصحافة الكوردية كجزء من نسيج الإعلام، وهو ما تجلى في عام 2019، عندما كرم الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالقاهرة بوابة "روز اليوسف"، خلال احتفالية حضرها السفير العراقي أحمد نايف الدليمي، ورئيس مكتب الحزب شيركو حبيب، حيث تسلمت التكريم الصحفية شاهيناز عزام، مندوبة "روز اليوسف" بجامعة الدول العربية. كما مُنح درع الصحافة الكوردية لاسم الصحفي الراحل عبد العزيز عبد الله، تقديرًا لتحقيقاته في الشأن الكوردي بجريدة "الجمهورية"، وكذلك لاسم الكاتب الصحفي الراحل حامد دنيا، الصحفي بمجلة "أكتوبر". وشمل التكريم عددًا من الصحفيين المصريين، من بينهم فاطمة ناعوت، وسمية عبد المنعم من "الوفد"، وسوزان عاطف من "المصري اليوم"، وإبراهيم جمال من "الأهرام"، ومحمد عبد المجيد من "الجمهورية"، إلى جانب أحمد حسن من "البيان"، ورضوى السيسي من "البوابة"، وأحمد أبو هارون من "الأخبار"، وأحمد العميد من "الوطن"، وأحمد سعد رئيس تحرير "العربي اليوم"، فضلًا عن تكريم الصحفيين العراقيين علي عبدو وإبراهيم شريف.