ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
حكاية شعبٍ انتصر بالحرف قبل الرصاص... الصحافة كعقدٍ وطني لصون الأرض والسيادة
في الثاني والعشرين من نيسان تلتقي في فضاء كوردستان هويتان، الكلمة الحرة والأرض المستدامة، هذا التزامن ليس مجرد تقاطع زمني بل هو إعلان عن اكتمال أركان الدولة، فالصحافة التي ولدت من رحم منفى القاهرة عام 1898 على يد الأمير مقداد مدحت بدرخان، لم تكن تبحث عن ورق بل كانت تبحث عن وطن، واليوم ونحن نحتفي بالذكرى الـ 128 ندرك أن الصحافة التي بدأت كفعل مقاومة ضد المحو الثقافي قد تحولت في أربيل إلى درع سيادي يحمي كياناً دستورياً يواجه أعنف التحديات الجيوسياسية والاقتصادية.
إن قراءة نهج السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة الإقليم، تكشف عن رؤية استراتيجية تتجاوز الإدارة التقليدية إلى صياغة أمن قومي شامل يدمج بين حماية الوعي وحماية البيئة وهنا يبرز التحليل الأعمق لثورة الحرف الكوردي الذي لم يعد مجرد حبرٍ على ورق بل استحال اليوم إلى كود رقمي يقود مشروع التحول الرقمي الشامل فمنصة (E-Psula) هي الامتداد العصري لصحيفة كوردستان حيث انتقلت السيادة الكوردية من الفضاء الورقي إلى الفضاء الرقمي لتثبت القيادة أن حماية الأرض تبدأ من رقمنة إدارتها وحماية عقول أبنائها وفي هذا السياق تدرك قيادة الإقليم أن الحرية هي روح الديمقراطية ولكنها حين تُفصل عن المسؤولية الوطنية تتحول إلى فوضى إعلامية هدامة، إن قيادة الإقليم لا تحمي الحرية بالتقييد بل تحميها عبر ترسيخ ميثاق أخلاقي يفرق بين النقد البناء كحق دستوري وبين التضليل الممنهج الذي يرفع شعارات الحرية لتمرير أجندات تهدف لتفكيك اللحمة الوطنية.
إن هذا الربط بين يوم الصحافة واليوم العالمي للأرض يثبت أن كوردستان تحت حكم الرؤية البارزانية قد انتقلت من إدارة الأزمات العارضة إلى الاستثمار في المستقبل، فبينما تغرق قوى سياسية في صراعات السلطة الآنية تذهب أربيل نحو مشاريع الحزام الأخضر والتحول المؤسساتي كحقائق سيادية تؤكد أن الأرض التي تُدار بعقلية الاستدامة هي وحدها التي تصنع المستقبل، ومن هنا تبرز المبادرة الاستراتيجية التي يجب أن تتبناها الأقلام الوطنية، مطالبة الأمم المتحدة بالشراكة مع حكومة الإقليم، بتنظيم مؤتمر أربيل الدولي السنوي للأرض ضمن أجندة 2030، لنقل كوردستان من التنفيذ المحلي إلى المساهمة في صياغة الخطاب البيئي العالمي.
وتأتي كلمة الرئيس مسعود بارزاني بمناسببة يوم الصحافة الكوردية لترسخ هذه الثوابت كخارطة طريق للأجيال، فالصحافة هي الركيزة الأساسية لمسيرة التحرر وهي التي تصون قيم المجتمع وتحمي ثقافة السلام والتعايش الفريدة في الإقليم، إن الهجوم الممنهج من قِبَل أقلام الفوضى على مكتسبات الإقليم ليس مجرد رأي بل هو استهداف مباشر للأمن القومي الثقافي، يستوجب وقفة صحفية وطنية تعيد للاعتبار هيبة الحقيقة، إن العالم لا يحترم إلا الدول التي تحمي مستقبل أجيالها وتعتز بهويتها وكوردستان اليوم، بقوتها الناعمة وإعلامها المسؤول تثبت أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الاستقرار الإقليمي.
إن التاريخ لا يرحم من يستهين بأرضه أو يفرط في بوصلة هويته، إن ميثاق بدرخان والبارزاني هو العهد الذي يربطنا بترابنا ويقودنا نحو ذرى المجد، إن كوردستان التي انتصرت بالحرف قبل الرصاص، تبرهن اليوم أنها تمتلك الحكمة لصيانة حريتها من الفوضى والجرأة لصياغة مستقبلها بمداد السيادة الرقمية والواقعية، فليكن قلمنا هو الحارس الأمين لهذا الكيان وليكن صوتنا هو الصدى الحقيقي لكرامة شعب لا ينحني ولأرضٍ ستبقى دائماً أيقونة للتعايش ومنارة للحرية المسؤولة وقلعة للصمود الذي لا يُقهر.. وفاءً للشهداء، وصوناً لكوردستان العزيزة إلى الأبد.