*التاريخ السياسي والديموغرافي للكورد في القوقاز (الجزء الأول): من الإمارات المستقلة إلى الإمبراطورية الروسية*

*التاريخ السياسي والديموغرافي للكورد في القوقاز (الجزء الأول): من الإمارات المستقلة إلى الإمبراطورية الروسية*
*التاريخ السياسي والديموغرافي للكورد في القوقاز (الجزء الأول): من الإمارات المستقلة إلى الإمبراطورية الروسية*

تشكل القراءة الموضوعية للتاريخ السياسي والديموغرافي للكورد في منطقة ما وراء القوقاز تحدياً إبستمولوجياً ومنهجياً بالغ التعقيد؛ إذ تتطلب تفكيك السرديات الاستشراقية والقومية الحديثة التي طالما حاولت حصر الوجود الكوردي في أطر رعوية أو قبلية هامشية. إن استقراء الوثائق التاريخية والمصادر الإثنوغرافية الدقيقة بعين البحث الأكاديمي الصارم يكشف عن مشهد جيوسياسي مغاير تماماً؛ فقد مثل الكورد مكوناً بنيوياً فاعلاً، ورقماً استراتيجياً صعباً في صياغة التوازنات الإقليمية للقوقاز. لقد أدركت النخب الكردية، بوعي سياسي مبكر، تعقيدات هذه الجغرافيا التي مثلت ساحة تصادم تاريخية للإمبراطوريات، فمارست براغماتية عالية الدقة، متأرجحة بين إقامة إمارات مستقلة ذات سيادة تدير التناقضات بذكاء مؤسساتي، وبين تبني استراتيجية "الاختراق العضوي" والاندماج في أعلى الهياكل العسكرية والإدارية للممالك المجاورة، موظفة الانتماء العرقي والمصاهرة كأدوات سيادية لتوسيع النفوذ وضمان البقاء.

تتجلى أولى النماذج المؤسساتية لهذا النضج السياسي بوضوح في تجربة "الدولة الشدادية" (951 - 1199م). لم تكن هذه الإمارة الكوردية مجرد ظاهرة عسكرية توسعية عابرة، بل قدمت نموذجاً متقدماً في فنون الإدارة السياسية لبيئة حضرية شديدة التنوع. يوضح المستشرق فلاديمير مينورسكي (Vladimir Minorsky) في دراسته المرجعية المعمقة "تاريخ شيروان ودربند" (History of Shirvan and Derbend) كيف تمكن الشداديون من بسط نفوذهم على مناطق حيوية في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا الحالية، معتمدين على "القوة الناعمة" وإدارة المصالح الاقتصادية. ويتضح هذا النهج جلياً في إدارتهم لمدينة "آني" الاستراتيجية، التي كانت تُعرف بمدينة الألف كنيسة وذات أغلبية مسيحية أرمنية مطلقة. فوفقاً للحفريات والتحليلات التاريخية التي قدمها الأكاديمي نيكولاي مار (Nikolai Marr) في كتابه "آني: التاريخ المكتوب للمدينة" (Ani: Book History of the City)، تجنب أمراء الشداديين الانزلاق نحو سياسات الإحلال الديموغرافي أو القمع الديني. بل على العكس، أدركوا أن استدامة سلطتهم وتمويل آلتهم العسكرية يعتمدان بشكل جذري على الازدهار التجاري، فعملوا على تأمين طرق القوافل، وكفلوا حرية العبادة التامة للمسيحيين، بالتوازي مع تشييد معالمهم السيادية الخاصة كمسجد "منوشهر" الشهير. إن هذا التوازن الدقيق بين الحزم العسكري والتسامح الاقتصادي والديني هو ما أطال عمر سيادتهم كقوة إقليمية لأكثر من قرنين.

وعلى النقيض من مسار الاستقلال التام الذي سلكه الشداديون، تبنت كتلة كردية أخرى مساراً مختلفاً للوصول إلى مراكز الصنع والقرار، معتمدة على استراتيجية الاندماج طويل الأمد في بنية المملكة الجورجية الصاعدة. يتعلق الأمر هنا بأحفاد الزعيم الكوردي "بابير"، الذين تدرجوا في سلم السلطة ليُعرفوا في السجلات الجورجية بعائلة "مخارغردزيلي" (Mkhargrdzeli)، وفي الحوليات الأرمنية بعائلة "زكريان" (Zakarian). بوعي سياسي براغماتي، اعتنقت هذه النخبة العقيدة المسيحية وانخرطت بشكل عضوي في المؤسسة العسكرية الجورجية، لتصل إلى ذروة نفوذها في العصر الذهبي لجورجيا إبان حكم الملكة "تامار". في تلك الحقبة، أصبح الأخوان الكورديان "زكريا" و"إيفان" القادة الفعليين لعموم الجيوش، والمهندسين الاستراتيجيين للتوسع الإمبراطوري للمملكة. وتقتضي الأمانة العلمية هنا تفكيك لغز تاريخي أربك العديد من الباحثين عند مراجعة السجلات القيصرية الروسية اللاحقة؛ فاسم "مخارغردزيلي" (الذي يعني بالجورجية: طويلي الأذرع) تمت ترجمته حرفياً إلى الروسية بلقب "دولغوروكوف" (Dolgorukov). ولتجنب الخلط الأنسابي بين هذا الفرع الكوردي-القوقازي وبين عائلة "دولغوروكوف" الروسية الأصلية المنحدرة من سلالة "روريك"، أصدر الإمبراطور الروسي بافل الأول (Pavel I) مرسوماً رسمياً عام 1800م يعترف فيه بنبالة أحفاد هذه العائلة الكوردية تحت المسمى المركب "الأمراء أرغوتينسكي-دولغوروكوف" (Argutinsky-Dolgorukov)، مما يثبت قدرة هذه النخبة الاستثنائية على إعادة تدوير نفوذها وتأمين موقعها وصولاً إلى البلاط الأرستقراطي الروسي.

غير أن فهم أبعاد هذه القوة الكوردية في القوقاز يظل قاصراً ما لم يتم ربطه تحليلياً بالتحولات الجيوسياسية الكبرى في الشرق الأوسط، وتحديداً مع صعود الدولة الأيوبية. تتطلب القراءة الأكاديمية الرصينة تجاوز السرديات العاطفية التي تحصر السلطان صلاح الدين الأيوبي، المنحدر من قبيلة الروادية الكوردية، في صورة القائد الديني المحض. فالواقع الإداري والهيكلي لدولته يثبت اعتماده البنيوي على "العصبية القومية" لتوطيد أركان مملكته الشاسعة، حيث احتكرت النخب والقبائل الكردية، كالهكارية والزرزارية، أهم المفاصل العسكرية والسياسية، وبرزت أسماء لامعة كالأمير "عز الدين مؤسك" الذي أسس حياً كاملاً في قلب العاصمة المصرية القاهرة لا يزال يحمل اسم "الموسكي" حتى يومنا هذا. هذا التجانس العرقي في بنية القيادة الأيوبية خلق أرضية خصبة لتقاطع المصالح الكبرى مع النخب الكوردية الحاكمة في القوقاز.

ففي ذروة الصدام الديني والسياسي الذي أفرزته الحروب الصليبية، تبلور تحالف استراتيجي "غير معلن" بين الدولة الأيوبية الإسلامية والمملكة الجورجية المسيحية. ولترجمته إلى واقع ملموس، لعب القائد الجورجي "إيفان مخارغردزيلي" ورقة الدبلوماسية العائلية بامتياز، عبر تزويج ابنته الأميرة "تامتا" (Tamta) من حاكم مدينة "خلاط" الأيوبية، والذي لم يكن سوى ابن شقيق السلطان صلاح الدين. يغوص المؤرخ وأستاذ الفنون البيزنطية أنتوني إيستموند (Antony Eastmond) في كتابه المرجعي "عالم تامتا" (Tamta's World)، متقاطعاً مع نصوص المؤرخ الأرمني الكلاسيكي كيراكوس غاندزاكيتسي (Kirakos Gandzaketsi)، ليؤكد بالدليل القاطع أن هذا الزواج لم يكن مجرد خضوع عسكري، بل كان معاهدة سياسية بالغة التعقيد والندية. فقد أمّن الأيوبيون عبره حدودهم الشمالية من الخطر الجورجي للتفرغ لمعاركهم الطاحنة في بلاد الشام، وفي المقابل، وظفت الأميرة تامتا نفوذها في البلاط الأيوبي كحاكمة وزوجة لتخفيف العبء الضريبي عن المسيحيين، وضمان حماية القوافل الجورجية والأرمنية المتجهة للحج في القدس. لقد حقق هذا التشبيك الدبلوماسي العابر للأديان، والمبني على العصبية العرقية المشتركة، ما عجزت جيوش أوروبا الصليبية عن تحقيقه بقوة السلاح.

مع طي صفحة العصور الوسطى ودخول القرن التاسع عشر، انتقل مسرح القوقاز إلى حقبة جديدة تآكلت فيها الإمبراطوريتان العثمانية والقاجارية (الفارسية)، مفسحة المجال للزحف القيصري الروسي القادم من الشمال. لم يكن الكورد في تلك المرحلة مكوناً طارئاً تفاجأ به الروس، بل هم قاطنون أصليون متجذرون في تلك الجغرافيا التي تمثل امتداداً تاريخياً وطبيعياً لكوردستان الكبرى. وقد أدرك الشاه عباس الصفوي في القرن السابع عشر الأهمية الجيوسياسية لهذا التجذر، فعمد إلى الاستفادة من الكتلة الديموغرافية المتواجدة هناك، معتمداً على القبائل الكوردية المحاربة لتكون بمثابة درع استراتيجي يحمي تخوم إمبراطوريته. وبموجب معاهدتي "كلستان" (Gulistan) عام 1813 و"تركمانجاي" (Turkmenchay) عام 1828، آلت السيادة على أجزاء واسعة من جنوب القوقاز إلى الإمبراطورية الروسية. وكعادتها الإمبراطورية في إدارة التنوع لخدمة التوسع، تعاملت الإدارة القيصرية ببراغماتية مع الكتلة الكوردية المسلحة، فعملت على استيعاب الفرسان الكورد ضمن تشكيلات الجيش الإمبراطوري، محولة إياهم من قوة عسكرية تحمي الحدود التقليدية القديمة إلى جنود يدافعون عن المكتسبات الروسية الجديدة.

ولتوثيق هذا التجذر الديموغرافي من منظور الإحصاء الحديث، يعتبر "الإحصاء العام الأول لسكان الإمبراطورية الروسية لعام 1897" (Pervaya vseobshchaya perepis naseleniya Rossiyskoy imperii 1897 g.) الوثيقة المرجعية الأهم. فقد سجلت اللجان الإحصائية القيصرية وجود أكثر من 135,000 مواطن صرحوا رسمياً بأن الكوردية هي لغتهم الأم، وتركز هذا الوجود الكثيف بشكل رئيسي في محافظات إيريفان، وكارس، وإليزابيثبول. وكما تشرح الباحثة الإثنوغرافية تاتيانا أريستوفا (Tatiana Aristova) في دراستها التفصيلية "أكراد ما وراء القوقاز" (Kurds of Transcaucasia)، فإن هذا الوجود تعزز لاحقاً بموجات هجرة قسرية متتالية للكورد الإيزيديين الذين فروا من المذابح وسياسات الصهر القومي العنيفة في أواخر العهد العثماني. لقد شكلت الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية ملاذاً آمناً لهذه المجموعات، مما أدى إلى نشوء حاضنة إثنوغرافية فريدة ساهمت في حماية اللغة الكرمانجية وتراثها الشفهي من الاندثار المؤكد. إن هذا التراكم الديموغرافي والثقافي العميق عبر القرون هو الذي شكل، في المحصلة التاريخية، البنية التحتية الصلبة والمادة الخام للنهضة السياسية والفكرية الكوردية، التي ستتبلور بشكل مؤسساتي وغير مسبوق عقب انهيار الإمبراطورية القيصرية وقيام الاتحاد السوفيتي.