قلعة دزة وجامعة السليمانية.. جريمة النابالم في ذاكرة كوردستان

قلعة دزة وجامعة السليمانية.. جريمة النابالم في ذاكرة كوردستان
قلعة دزة وجامعة السليمانية.. جريمة النابالم في ذاكرة كوردستان

يصادف اليوم 24 نيسان 2026، بحيث يستحضر شعب كوردستان ذكرى لجريمةٍ مروّعة ارتكبها نظام البعث البائد بحق الإنسانية والتاريخ حين استهدف بالقصف الوحشي جامعة السليمانية ومدينة قلعة دزة الصامدة في محاولة آثمة لكسر إرادة شعبٍ اختار الحرية ولإسكات صوت العلم والمقاومة في آنٍ واحد.

ففي الساعة 9:45 دقيقة من صباح يوم 24 نيسان 1974، نفذت طائرات النظام السابق واحدة من أبشع هجماتها عندما ألقت 16 قنبلة من مادة النابالم المحرّمة دوليًا على جامعة السليمانية ومدينة قلعة دزة في جريمةٍ لم تميّز بين طالبٍ وأستاذ ولا بين مدنيٍ ومقاتل ولا بين مؤسسة علمية ومدينة آهلة بالسكان وقد جاء هذا القصف ضمن سياسة دموية ممنهجة استهدفت إبادة الشعب الكوردستاني وضرب ركائز صموده الوطني في وقتٍ كانت فيه وحدة الپشمركة والأساتذة والطلبة تمثل صورةً ناصعة لتلاحم الكفاح والمعرفة في مواجهة الاستبداد.

وأسفر الهجوم عن استشهاد 163 مواطنًا وإصابة أكثر من 300 آخرين بجروح فيما خلّف دمارًا هائلًا في أحياء واسعة من مدينة قلعة دزة وحوّل أجزاءً كبيرة منها إلى ركام متسببًا في نزوح جماعي للسكان ومخلفًا مأساةً إنسانية عميقة لا تزال حاضرة في ذاكرة الأجيال ولم تكن تلك الجريمة حدثًا معزولًا بل حلقة دامية في سلسلة طويلة من الفظائع التي ارتكبها النظام البعثي بحق شعب كوردستان.

وفي مشهدٍ يؤكد أن ذاكرة الشعوب لا تُقصف، خرج أهالي قلعة دزة في 24 نيسان 1982 في تظاهرات جماهيرية لإحياء الذكرى الثامنة للشهداء وللتنديد بجرائم النظام القمعي، غير أن السلطة آنذاك واجهت أصوات الحزن والاحتجاج بالرصاص والنار فسقط عدد من المتظاهرين العزّل بين شهيد وجريح واعتُقل كثيرون في محاولة جديدة لإخضاع المدينة وإرهاب أبنائها.

ولم يتوقف مسلسل القمع عند هذا الحد إذ واصل النظام البائد نهجه الإجرامي فشنّ في عام 1989 حملة جديدة استهدفت مناطق متعددة من كوردستان شملت تهجير أهالي قلعة دزة وقرى بشدر قسرًا إلى مجمعات ( خەبات - دارەتوو - گەوەرگوسك ) ضمن حدود محافظة أربيل وإلى بازيان ومناطق أخرى في محافظة السليمانية في ظروف قاسية ومهينة تجرّدت من أبسط القيم الإنسانية بينما فُرضت على المنطقة عزلة قسرية كاملة.

وبقيت قلعة دزة جرحًا مفتوحًا ومدينةً مدمّرة لسنوات طويلة إلى أن بزغ فجر جديد مع انتفاضة الشعب الكوردستاني عام 1991 حيث بدأت المدينة تستعيد نبضها وشرع أبناؤها في إعادة إعمارها وبناء ما دمّرته آلة القمع والحرب والتهجير.

ووفاءً لتضحيات الشهداء وتخليدًا لمكانتهم الوطنية والرمزية قرر مجلس وزراء إقليم كوردستان بتاريخ 4 آذار 2013 وبالأمر المرقم 2262، اعتماد يوم 24 نيسان يومًا لـ”شهيد الجامعة” ليغدو هذا التاريخ محطة سنوية تستذكر فيها الجامعات والمعاهد شهداء قلعة دزة وجامعة السليمانية عبر فعاليات ثقافية وعلمية ووطنية تؤكد أن رسالة الشهداء لم تكن موتًا عابرًا بل ولادةً دائمة للوعي والكرامة والانتماء.

إن ذكرى قصف جامعة السليمانية وقلعة دزة ليست مجرد استعادةٍ لمأساة من الماضي بل هي تأكيد متجدد على أن الجرائم التي استهدفت الإنسان الكوردستاني لن تسقط من الذاكرة وأن الدماء الزكية التي سُفكت على مذبح الحرية ستبقى منارةً للأجيال ودليلًا حيًا على أن الطغيان مهما اشتد بطشه لا يستطيع أن يهزم شعبًا يتسلح بالإيمان والهوية والكرامة.