د. روناك محمد صديق حرسان
عميد كلية الصيدلة، جامعة جيهان-دهوك
التحول الرقمي في إدارة الأدوية
تجربة تركيا وفرص تطبيقها في إقليم كوردستان-العراق
تنبثق هذه المقالة عن ورشة العمل التي عُقدت في جامعة جيهان–دهوك بتاريخ 15 تشرين الثاني 2025، وبمشاركة نخبة من الخبراء في علم الصيدلة من جمهورية تركيا، وهم:
1. الأستاذ الدكتور أوزتكين ألجول - عميد كلية الصيدلة في جامعة أرزينجان بن علي يلدرم.
2. الدكتور فاتح أورال - نقيب غرفة صيادلة ماردين.
3. الدكتور سيفي أوزدمير - نقيب غرفة صيادلة شرناق.
حيث ركز المتحدثين على تجربة تركيا في تطوير منظومة رقمية متكاملة لإدارة الأدوية تشمل نظام تتبّع الأدوية (İTS) ونظام تسجيل الوصفات الطبية (Medula) ونظام الوصفات الملونة (Renkli Reçete Sistemi) تهدف هذه المنظومة إلى تعزيز سلامة المرضى، منع تداول الأدوية غير المرخّصة، وضمان الاستخدام الرشيد للأدوية، بالاعتماد على الباركود وتقنية QR Code لتتبع كل وحدة دوائية منذ الإنتاج أو الاستيراد وحتى صرفها للمريض. توفر هذه المنظومات متابعة دقيقة وشفافة لكل مرحلة من دورة حياة الدواء، وتعزز الشفافية والمساءلة، مما يجعل تركيا نموذجًا رائدًا عالميًا في إدارة شبكة توزيع الأدوية. يقدم المقال عرضًا شاملاً للبنية التنظيمية والتقنية للنظام، أهدافه، آلياته، أهميته، وفرص تطبيقه في مناطق أخرى مثل إقليم كردستان-العراق.
تشكل سلامة شبكة توزيع الأدوية والإشراف على صرف الوصفات الطبية ركائز أساسية لحماية الصحة العامة، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بالأدوية المهربة أو المزورة أو الاستخدام غير الرشيد. واستجابة لهذه التحديات، طورت تركيا هذه الثلاث منظومات المتكاملة، والتي تعمل بتكامل تام مع بعضها البعض، ما يمكّن الدولة من مراقبة الأدوية، تخزينها، وصرفها بكفاءة عالية، ويضمن توثيقًا دقيقًا لكل حركة دوائية.
1. نظام تتبّع الأدوية (İTS)
يرتبط هذا النظام مباشرة بوزارة الصحة التركية،ويمكن اعتباره المشرف على نظام الوصفات الطبية و نظام الوصفات الملونة ويشمل جميع الجهات الفاعلة في القطاع الدوائي، بما في ذلك الصيدليات، المستودعات، مراكز التوريد، حاملو تراخيص التسويق، الشركات المصرّح لها بالتصدير، ومؤسسات الاستيراد. ويلزم النظام جميع الأطراف بتسجيل المنتجات والإبلاغ عن كل حركة تخصّها، مما يعزز الشفافية والمساءلة ويحدّ من التداول غير القانوني للأدوية.
يعتمد النظام على رمز الاستجابة السريعة (QR Code) لتوثيق حركة كل وحدة دوائية في الزمن الفعلي، ويشمل الإشعارات الأساسية الآتية:
• إشعار الإنتاج/الاستيراد: يوثّق دخول المنتج إلى شبكة التوزيع من المصنع أو المورد.
• إشعار البيع: يسجّل عملية البيع ضمن سلسلة التوزيع ويمنع تداول الأدوية منتهية الصلاحية.
• إشعار صرف الصيدلية: يُقدَّم قبل صرف الدواء للتحقق من صحة الوصفة وضمان سلامة العملية.
• إشعار الشراء: يوثّق إضافة المنتجات إلى المخزون بعد التأكد من صلاحيتها ومطابقة بياناتها.
• خدمة التحقق: تتيح التأكد من أصالة المنتج وصلاحيته في أي وقت.
• إشعار التعطيل: يُستخدم لإخراج الأدوية التالفة أو المنتهية أو المعدّة للإتلاف من النظام.
• إشعارات الإرجاع وإلغاء البيع: توثّق إعادة المنتجات أو إلغاء عمليات البيع لضمان تحديث المخزون بدقة.
• إشعار تغيّر أسعار الأدوية: يُنبه عند حدوث أي تعديل رسمي في أسعار المنتجات الدوائية، بما يضمن توحيد الأسعار عبر جميع الجهات ومطابقة عمليات البيع للتسعيرة المحدَّثة.
2. نظام تسجيل الوصفات الطبية (Medula)
هو النظام الإلكتروني الرئيسي التابع لصندوق الضمان الاجتماعي التركي (SGK)، ويُستخدم لمتابعة الوصفات الطبية الإلكترونية (e-Reçete) الخاصة بالأدوية، ومعالجة الصرف في الصيدليات، وإدارة عمليات الفوترة والسداد للمنتجات المغطاة بالتأمين الصحي العام .المستخدمون الرئيسيون للنظام هم الصيادلة، الأطباء، وصندوق الضمان الاجتماعي، ويتيح التحقق من الوصفة الطبية وصرف الدواء وفق المعايير الطبية والتنظيمية، بالإضافة إلى ربطه بنظام تتبّع الأدوية لضمان الشفافية والكفاءة.
3. نظام الوصفة الملونة (Renkli Reçete Sistemi)
في نظام الوصفات الملونة بتركيا، تُصنّف الأدوية حسب مجموعات المخاطر باستخدام ألوان مختلفة: الأحمر للأدوية عالية المخاطر مثل المخدرات، الأخضر للأدوية متوسطة المخاطر مثل العقاقير النفسية، بينما تُستخدم الألوان البرتقالية والأرجوانية للأدوية الأخرى الخاضعة للمراقبة أو ذات إمكانيات الإدمان. يُدار النظام إلكترونيًا من قبل وزارة الصحة التركية ويهدف إلى منع سوء استخدام هذه الأدوية عبر رقابة مشددة على كتابة الوصفات وصرفها، حيث يجب أن تُصرف الأدوية الملونة (Renkli Reçete) مثل الأحمر، الأخضر، والأرجواني، من قِبل أطباء متخصصين أو مخوّلين فقط، لضمان الاستخدام الصحيح والآمن. كما يعمل النظام بشكل متكامل مع نظام Medula، مما يتيح متابعة جميع الوصفات إلكترونيًا والتأكد من مطابقتها للقوانين والمعايير الطبية على مستوى الأطباء، الصيادلة، والجهات الرقابية، مع ضرورة إدخال رمز الوصفة الملونة إلكترونيًا لضمان التتبع الدقيق، ويصدر النظام تنبيهات إذا كان المريض يمتلك دواءً بنفس المادة الفعالة، ما يعزز السلامة الدوائية ويحد من صرف الأدوية بشكل عشوائي.
تسهم هذه الأنظمة في:
• منع تداول الأدوية المزوّرة أو المهربة.
• منع احتكار وتخزين الأدوية أثناء الأزمات الصحية، لضمان توفرها للمواطنين وحماية النظام الصحي من أي اختلال محتمل.
• تعزيز الشفافية والمساءلة في شبكة توزيع الأدوية.
• تمكين عمليات السحب أو الحجب المستهدفة عند الضرورة.
• دعم الاستخدام الرشيد وصنع السياسات الصحية المبنية على الأدلة.
• صرف الأدوية عالية المخاطرفقط بواسطة أطباء متخصصين أو مخوّلين.
• توفير بيانات دقيقة لدعم اتخاذ القرار الصحي، بما في ذلك متابعة المخزون وتحليل استخدام الأدوية.
• توحيد أسعار الأدوية في جميع أنحاء تركيا لضمان العدالة والشفافية.
• تعزيز اليقظة الدوائية وسلامة المرضى.
• رفع ثقة المرضى بالخدمات الدوائية.
في الختام، تُظهر التجربة التركية نجاحًا عالميًا في الرقمنة الصحية وإدارة شبكات توزيع الأدوية، إذ أسهمت في الحد من تداول الأدوية غير المرخّصة والمهربة، وتعزيز سلامة المرضى، ودعم اتخاذ القرارات الصحية المبنية على البيانات. وقد أبدت دول مثل المملكة العربية السعودية والسويد اهتمامًا بدراسة تطبيق نظام مشابه لتعزيز مراقبة الأدوية وضمان سلامة المرضى.
استنادًا إلى هذا النجاح، يُقترح تطبيق نظام تتبّع الأدوية الرقمي ونظام الوصفات الإلكترونية في إقليم كردستان-العراق، واعتماده رسميا من قبل وزارة الصحة، بما يضمن توثيقًا كاملًا لكل حركة دوائية، وتعزيز الرقابة على صرف الوصفات، وتمكين الدولة من وضع قوانين تلزم الأطباء والصيادلة بمنع الصرف العشوائي للأدوية، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة لدعم صانعي القرار والحكومة في اتخاذ الإجراءات اللازمة، لا سيما منع احتكار الأدوية. كما يمكن تكييف النظام وفق الاحتياجات المحلية لضمان وصول الأدوية الآمنة والفعّالة إلى المستفيدين النهائيين. ويُمثّل هذا النموذج فرصة مهمة لتطبيقه في دول أخرى مثل اقليم كردستان-العراق، بما يعزز الأمن الدوائي وحماية الصحة العامة ويزيد من ثقة المجتمع بالمنتجات والخدمات الصحية.