أسطورة: ظهور اسم شيرزاد (شێرزاد) بين الكورد

أسطورة: ظهور اسم شيرزاد (شێرزاد) بين الكورد
أسطورة: ظهور اسم شيرزاد (شێرزاد) بين الكورد

"لكل امرئ من اسمه نصيب"، ولكن في حكايتنا هذه، للاسم نصيبٌ أكبر؛ له حقُّ التكوين، وله سُلطة في الكتابة. فنحن لا نكتب هذه الرواية فحسب، بل هي التي تملي علينا حروفها، مستمدةً من عبق التاريخ؛ وهو الاسم الأسطوري، "العنصر المفقود" الذي يربط بين ماضٍ مجيد ومستقبلٍ نحتُّه بأيدينا. هي حكاية مَن لم يكتفِ بحمل اسمه، بل جعله عنواناً للرواية.

في قديم الزمان، حيث كانت جبال كوردستان الشاهقة تعانق السحاب، كانت مملكة "أردلان" تعيش أزهى عصورها تحت حكم الملك "أردل". كان الملك رجلاً عادلاً، مهاباً وقوياً، لا يشبه سواه؛ عدله كالمطر حين يهطل بلا تمييز، وهيبته كصمت الجبال في الليالي الباردة، وقوته كسيفٍ لم يعرف الانكسار. كانت العيون تنحني له احتراماً قبل أن تنحني الرؤوس، وكانت كلمته تُطفئ النزاعات قبل أن تشتعل.

لكن خلف هذا المجد المهيب، خمسة عشر عاماً مرّت كأنها دهرٌ كامل منذ أن اقترنت روحه بالملكة "خانزاده"؛ تلك التي لم تكن جميلةً فحسب، بل كانت كنسمة ربيع تمشي على الأرض، بصوتٍ يهدئ القلوب ونظرةٍ تعيد ترتيب الفوضى في الأرواح. أحبّها الملك حباً لم يُعلن عنه في الخطب، بل كتبه في أفعاله الصغيرة؛ في نظرته حين تمر، وفي صمته الطويل بجانبها. ولكن خلف الدروع المصقولة والتيجان الثقيلة، كان يسكن قلبه صمتٌ موجع... حزنٌ لا يُرى، لكنه يُسمع في زوايا القصر حين يهدأ كل شيء. خلف هذا الجبروت كان يسكن حزنٌ صامت؛ خمسة عشر عاماً مرّت على زواجه من الملكة الجميلة "خانزاده"، ولم يُرزقا بطفلٍ يملأ القصر ضجيجاً ويحمل السيف من بعد أبيه.

كان القصر، رغم فخامته، فارغاً من الصوت الأجمل:

•    لا ضحكات طفل تتردد بين الأعمدة.
•    لا خطوات صغيرة تركض في الممرات.
•    لا يد صغيرة تتشبث برداء الملك وهو يهمُّ بالخروج.

ذات يوم، ووسط شعور الملك بضياع الأمل، قرر إقامة مهرجانٍ عظيم، نادى فيه المنادون في كل القرى: "مَن يملك دواءً لعقم الملكة، فله من الذهب ما لا تأكله النيران، ومن الملك مرتبةٌ لا تُضاهى". وبينما كان الحكماء يتلعثمون، تقدّم رجلٌ عجوز، غائر العينين، يرتدي عباءةً صوفيةً خشنة، وقال بصوتٍ عميق:

"يا مولاي... العلاج ليس دائماً في حبر الأطباء، بل في سرٍ تخفيه الأرض لمن يؤمن بها."

أخرج من كيسه تفاحةً حمراء، لم تكن كأي تفاحة... كان لونها كالغروب حين يشتعل، وعطرها غريباً كأنه يحمل ذاكرة غابةٍ بعيدة لا يعرفها أحد. مدّها نحو الملك وكأنها أمانة، لا مجرد ثمرة، وقال:

"لتأكل الملكة نصفها، وتطعمك نصفها الآخر... لا تفرّقا بينكما حتى في الشفاء، فبعض الأرزاق لا تأتي إلا حين تتقاسمها الأرواح قبل الأجساد." توقف لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أعمق: "وبعد ثلاثة عشر يوماً... ستأتيك البشارة، لا من الأرض... بل من الريح."

ارتجف شيءٌ خفي في قلب الملك، لكنه لم يُظهره. تشنّج وجهه وعاد صوته ملكياً صارماً، كأنه يحتمي بالقوة من الأمل: "كلماتك جميلة... لكن الجمال لا يُنجب الحقيقة." اقترب خطوة وعيناه تدرسان العجوز: "خمسة عشر عاماً وأنا أطرق أبواب الطب والدعاء ولم يُفتح لي باب، فكيف تفتحه تفاحة؟"

ابتسم العجوز ابتسامةً خفيفةً فيها حكمة وقال: "لأنك طرقت الأبواب بعقلك يا مولاي... وبعض الأبواب لا تُفتح إلا بقلبٍ تعب من الانتظار."

ساد الصمت لحظة... صمتٌ ثقيل كأنه اختبار بين الشك والإيمان. ثم استدار الملك وارتفعت نبرته من جديد: "خذوه إلى السجن."

تقدّم الحرس، لكن العجوز لم يقاوم، بل قال وهو يُقاد: "لا بأس يا مولاي... فالحقيقة لا تخاف السجن، كما أن الكذب لا ينجو من الزمن." توقف الملك عند كلماته، ثم قال ببطء وكأنما يكتب قدراً: "ستكون ضيفي خلف القضبان لثلاثة عشر يوماً... إن صدقتَ أغرقتُك ذهباً حتى تثقل يداك من النعم." ثم سحب سيفه قليلاً حتى لمع في الضوء وقال: "وإن كذبتَ، فسيكون هذا... آخر ما تراه عيناك."

رفع العجوز رأسه بثبات، وقال كلمته الأخيرة قبل أن يغيب خلف الأبواب: "السيف يا مولاي يقطع الرقاب... لكنه لا يقطع الأقدار."

وبقيت الجملة معلقة في القاعة كأنها نبوءة. وصدقت نبوءة العجوز، وحبلت الملكة خانزاده. عمّت الأفراح، لكن في زوايا القصر المظلمة، حيث لا تصل ضحكات النور، كان هناك قلبٌ آخر... قلبٌ لا ينبض حباً، بل يقطر سمّاً بطيئاً. إنها "عشيقة الملك"... امرأة لم ترَ في العرش مجداً بل ملكاً يجب أن يُنتزع، ولم ترَ في خانزاده ملكةً بل عقبةً يجب أن تُمحى. كانت تراقبها من بعيد، ترى وجهها يزداد إشراقاً مع الحمل، فتشتعل في داخلها نارٌ لا تنطفئ.

نسجت خيوطها في الظلام، واتحدت مع "المامان" (القابلة) التي باعت ضميرها مقابل حفنة ذهب، وفي ليلة الولادة، وبينما كان الملك ينتظر بالخارج كليثٍ حبيس، انطلقت صرخة الولادة. دخلت الحياة طفلٌ يشع كالقمر، لكن القابلة، بقلبٍ أبرد من الجليد، لفت الطفل وأخفته، ووضعت مكانه جرو كلبٍ صغير.

دخل الملك، وعندما رأى المهد، انكسر شيءٌ عميق في داخله. صرخت العشيقة بتمثيلٍ متقن: "يا للمصيبة! لقد أنجبت الملكة مسخاً! إنها لعنة التفاحة!" انهار الملك غضباً وخذلاناً، وصرخ بصوتٍ زلزل الأركان: "انفوا الملكة إلى أبعد غابة... لا أريد رؤيتها مجدداً!"

أما الطفل الحقيقي، فأمرت العشيقة ببرود: "ارموه في قفص الأسود... دعوا الطبيعة تنهي ما بدأناه."

داخل القفص، استيقظت لبوة ضارية على صوت بكائه. اقتربت منه، لكنها لم تشم رائحة فريسة، بل شمت براءةً تشبه صغارها. اهتزت غريزة الأمومة داخلها، فاحتضنته وأرضعته من حليبها. مرت ستة أشهر، والطفل ينمو بين المخالب والأنياب، يتعلم القوة قبل الكلام.

ذات صباح، دخل الملك "أردل" ليرى أسوده، فتجمد مكانه؛ رأى طفلاً بشرياً يلهو بذيل الأسد ويضحك. سقط الحارس تحت قدميه منتحباً: "يا مولاي، اعفُ عني! هذا ابنك.. ابن الملكة خانزاده. لقد ألقوه هنا ليموت، لكن الأسود كانت أرحم به من بني البشر."

انفجر الملك غضباً، وأمر بالقبض على العشيقة والقابلة فوراً. وفي قاعة الحكم، وقف الملك أمام المذنبين. قالت العشيقة بتحدٍ: "نعم أنا فعلت... لأنك كنت تحبها، وأنا كنت مجرد ظل في قصرك." صرخ الملك: "طفل رضيع! ماذا فعل لكِ؟" ردت بكلمات ك الرعد: "أنت أيضاً مذنب، لأنك صدقت بسهولة، ولم تحارب من أجل الحقيقة!"

سقطت الكلمات على الملك كالصاعقة؛ فالحقيقة مؤلمة لأنها صادقة. أَمَرَ الملك بإحضار الملكة خانزاده في موكبٍ ملكي مهيب، واجتمع شمل العائلة. اجتمع الوزراء لتسمية الوريث المعجزة؛ اقترحوا "أزاد" (الحر)، و"رزجار" (الناجي)، و"شير" (الأسد).

فقال الوزير الأعظم: "يا مولاي، لنجمع له من كل صفةٍ اسماً. لنأخذ قوة (شير)، ونهاية (أزاد) و(رزجار).. وليكن اسمه (شيرزاد - Şêrzad)."

ابتسم الملك وهو يرفع طفله عالياً: "شيرزاد.. أنت ابن الأسد، وأنت الحر الذي نجا من كيد الخائنين. ليكن اسمك رمزاً للمملكة إلى الأبد."