لينا ساليي
كاتب
الرواية.. ظل البلوطة الغريبة
في الساعة 5:30 فجراً، بدأت خيوط الفجر الأولى تظهر بلونٍ دموي. توقفت المحركات، وحلّ صمتٌ مرعب لا يقطعه إلا صوت الريح. أُجبر الجميع على النزول، فالتفت "كوردو" نحو أمه، وصوته يخرج مخنوقاً بدموع لم تجف:
— "أمي.. لماذا رائحة المكان هنا غريبة؟ أين الجبال؟ ولماذا يسود هذا الصمت القاتل خارج هذه الشاحنة؟"
سيران، التي كانت تشعر بقلبها يتمزق وهي تدرك أن هذه الرحلة بلا عودة، مسحت على جبينه بيدين متسختين بتراب الطريق، وقالت بصوتٍ هادئ بشكلٍ مرعب:
— "لا تخف يا كوردو.. الجبال لم تختفِ، إنها تمشي خلفنا ببطء. نحن الآن في طريقنا لنلعب لعبة 'الغميضة' الكبرى. هل ترى هذه البذرة في جيبك؟ هي سرك الصغير، إياك أن تتركها."
— "لكن يا أمي، الضباط صرخوا علينا كثيراً.. وجوههم مخيفة، وعيونهم لا تشبه عيون والدي."
احتضنته سيران بقوة، ودفنت وجهها في عنقه لتشم رائحته للمرة الأخيرة. بدأ "كوردو" يظهر عليه التعب؛ أنفاسه متقطّعة، وصوته مبحوح من كثرة البكاء، وعيناه تائهتان بين الخوف والإرهاق، وكأنهما تبحثان عن أمانٍ ضائع. ضمّته إلى صدرها كأنها تحاول أن تخبئه من العالم كله، مرّرت يدها على شعره برفق، وبدأت تهدهده بصوت مكسور. بين البكاء والحنان، كان كوردو يشعر بدموع أمه وهي تسقط على جبهته، لكنه صدقها. أمسك بطرف ثوبها الكردي (الكراس) بقوة، وأطبق يده الأخرى على ثمرة البلوط في جيبه، فقالت له:
— "هؤلاء هم حراس اللعبة يا ولدي. عندما ننزل، سيطلبون منا أن نختبئ في الأرض. عليك أن تغلِق عينيك جيداً، وتتمسك بالبلوطة، وتتخيل أنك تغرسها في بستاننا. لا تفتح عينيك مهما شعرت بالتراب فوقك، فالذي يفتح عينيه أولاً يخسر اللعبة."
أغمض كوردو عينيه الصغيرتين على وقع كلمات أمه، متمسكاً ببذرة البلوط في جيبه، وظل صوت "سيران" يتردد في سكون ليل ديالى حتى توقفت الشاحنات أمام الحفرة الكبيرة. عندما فُتحت الأبواب، نزلوا تحت تهديد السلاح. كان كوردو لا يزال مخدراً بصوت أمه، يمسك بثمرة البلوط بيده. رأوا الحفر الكبيرة بانتظارهم، وتحت سياط الخوف وصراخ الجنود، أُجبروا على النزول.
"احفروا.. احفروا بأيديكم!"؛ بدأت النساء يحفرن والدموع تمتزج بالتراب، وكانت الأظافر تتكسر في الأرض الصلبة. كوردو كان لا يزال يمسك ببذرة البلوط، ينظر إلى أمه التي كانت تحفر وهي تهمس بصلاة أخيرة. كان يظن أنهم يحفرون "مكاناً للاختباء" في لعبة الغميضة، ولم يكن يعلم أن هذه الحفرة ستكون مخبأه للأبد، وأنها لن تحميه من رمال ديالى الثقيلة، لكنها ستحمي "البذرة" التي ستنفجر يوماً ما لتكون تلك الشجرة العملاقة.
في قاع الحفرة الباردة في ريف "ديالى"، لم تكن سيران ترى العالم؛ كانت ترى فقط وجه كوردو. سحبته إلى صدرها بقوة زلزلت أركان روحها، ولفت طرف "الكوا" (سترتها الكردية) حول وجهه الصغير لتصنع له حجاباً يمنع حبيبات التراب من الوصول إلى فمه وأنفه. كانت تخاف عليه من "الاختناق" بالتراب، بينما الموت قد قرر أن يخنقهما معاً. كان كوردو يشعر بضربات قلب أمه المتسارعة تحت القماش، سألها بصوت مكتوم ومذعور وهو يتشبث بجسدها:
— "يا أمي.. كم من الوقت علينا أن نغمض أعيننا؟ متى تنتهي هذه اللعبة؟"
انهمرت دموع سيران الساخنة لتغسل غبار التراب عن جبهته، وهمست في أذنه بكلمات هي آخر ما سمعه في هذا العالم:
— "فقط أغلق عينيك بقوة يا روح أمك.. أغمضهما الآن، وعندما تفتحهما، ستجد نفسك في الجنة.. هناك حيث لا يوجد جنود، ولا شاحنات، ولا حفر."
سألها ببراءة قتلت ما تبقى من صبرها: "وما هي الجنة يا أمي؟"
أجابته والنفس يضيق: "الجنة هي غابة كبيرة من البلوط، لا تغيب عنها الشمس ولا يبرد فيها حضني."
في تلك اللحظة، انهالت أطنان التراب الثقيلة. انقطع الضوء، ثم انقطع الصوت، ثم انقطعت الأنفاس. عانقت سيران ابنها بقوة لدرجة أن عظامهما تداخلت، وانتقلت أرواحهما من تلك الحفرة الضيقة إلى فضاء الجنة الواسع. غادروا الأرض، لكن كوردو ترك خلفه "وديعة"؛ تلك البذرة التي كانت في قبضته، محميّة بـ "كوا" أمه وبقايا أنفاسها.
وبعد ٢٥ عاماً..
القرية التي صمتت يوماً أمام الجريمة، كبرت وتوسعت، لكن شيئاً واحداً ظل ينمو خارج نطاق المنطق. في تلك البقعة القاحلة، لم تعد هناك حفرة، بل قامت مكانها شجرة بلوط (بەڕوو) عملاقة، لا تشبه أي شجرة في كل العراق. لم تكن الشجرة تنمو طولياً نحو السماء فحسب، بل كانت أغصانها تنحني بشكل دائري مذهل نحو الأرض، وكأنها تعيد تمثيل "حضن سيران" لابنها. أوراقها كانت كثيفة جداً لدرجة أن ضوء الشمس لا يجرؤ على اختراقها، مما وفر ظلاً بارداً بشكل إعجازي في قلب حر ديالى الخانق.
وكأن الزمن قرر أن يغسل ذاكرة الأرض بالنسيان، لكن الشجرة كانت لها خطة أخرى. ربع قرن مضى، جيلٌ غادر وجيلٌ جاء، والقرية في "ديالى" تغيرت ملامحها، إلا تلك البقعة التي ظلت تنبض بسرٍ مدفون. لم يعد أحد من سكان القرية يتحدث عن تلك الليلة الغبراء؛ فالموتى أخذوا أسرارهم إلى القبور، والشباب الذين كبروا لم يسمعوا عن "شاحنات الزيل" إلا همساً خافتاً في ليالي الشتاء. لكن في تلك النقطة الجغرافية القاسية، حيث كانت الأرض لا تنبت إلا الشوك بفعل حرارة ديالى، حدث ما خالف كل قوانين الطبيعة.
بدأت الشجرة كفسيلة غريبة، لم يعرفها مزارعو النخيل ولا خبراء البساتين. كانت تنمو بإصرار عجيب، تشق التربة الحمراء الصلبة وتمد أغصانها نحو السماء. وعندما كبرت وظهرت ثمارها الأولى، صدم الجميع؛ إنها "بەڕوو" (البلوط). كيف لهذه الثمرة الجبلية، التي تعشق الثلوج وصقيع جبال كردستان، أن تترعرع وتزدهر في وسط صحراء ديالى الحارقة؟
لم تكن شجرة عادية، كانت شجرة "مهيبة" وعملاقة، تمتد أغصانها بشكل دائري متساوٍ، وكأنها مرسومة ببيكار إلهي. كانت الأوراق من كثافتها تشكل سقفاً أخضر لا ينفذ منه شعاع شمس واحد، حتى صار الظل تحتها مكاناً يقصده المسافرون والمتعبون، وكانوا يقولون: "إن الهواء تحت هذه الشجرة بارد، وكأن هناك نهراً يجري تحت جذورها".
بدأ الناس ينظرون إليها كشجرة "مبروكة"، وقيل إنها "شجرة من الجنة" ضلت طريقها ونبتت هنا. تحولت من مجرد شجرة إلى "مزار" معنوي؛ فالعاقر كانت تأتي لتتبرك بظلها، والمهموم يجلس تحتها فيشعر بسكينة غريبة. كانوا يلمسون جذعها الخشبي القوي، ولا يعرفون أنهم في الحقيقة يلمسون "كف كوردو" الذي تحول إلى خشب، ويلمسون "قلب سيران" الذي صار جذوراً. كانت الشجرة تمتد طولاً وعرضاً، وتلقي بظلالها على مساحة واسعة، وكأنها تحاول أن تغطي "الحفرة القديمة" بالكامل، لكي لا تصل حرارة الصيف إلى العظام التي بالأسفل. وفي كل عام، كانت تسقط بذور البلوط بكثرة، لترسم دائرة من الثمار حول الجذع، كأنها "عقد" يزين عنق الأرض.
في أحد الأيام، وبينما كان الناس ملتفين حول الشجرة، لاحظ طفل صغير شيئاً غريباً؛ رأى أن أحد الجذور الضخمة قد برز من الأرض بسبب كبر حجم الشجرة. كانت الشجرة قد بلغت من الكبر عتياً، حتى صارت أغصانها الممتدة تظلل بيوت القرية المجاورة، وكأنها سقفٌ أخضر يحمي الجيران من "نار" شمس ديالى. الأطفال كبروا وهم يظنون أن هذه الشجرة وجدت منذ الأزل، لكن كبار السن الذين عاصروا تلك الحقبة، بذاكرتهم المتعبة، كانوا الوحيدين الذين ينظرون إليها بهيبة وقلق.
فجأة، ولأول مرة منذ ربع قرن، بدأت أطراف الأغصان تجف، وتساقطت الأوراق الخضراء الكثيفة وهي لا تزال يافعة. ذُعر أهل القرية، فهذه الشجرة هي "رئة" منطقتهم. اجتمع الشباب ومعهم معاولهم، واقترحوا حفر خنادق أعمق حولها أو حتى نقلها إذا لزم الأمر، ظناً منهم أن الأرض قد تصلبت. وقف كبار السن وعيونهم تلمع من الدموع وقالوا بصوتٍ هادئ لكنه حاد كالسيف:
— "لا تلمسوا هذه الشجرة.. إنها لم تنبت بماء المطر، بل نبتت بدموعٍ وأنفاس وأرواح غالية. عروقها ليست في ترابنا هذا فحسب، بل هي ممتدة من جبال كوردستان البعيدة لتصل إلى قلب صحراء ديالى. نحن لا نملك إرادة لتغييرها، فهي ليست ملكنا، بل ملك لأصحابها الذين أتوا معها."
ضحك الشباب بسخرية، وقال أحدهم: "هل أنتم تصدقون هذه الخرافات؟ عروق ممتدة عبر المحافظات؟ إنها مجرد شجرة يابسة وتحتاج للماء." تجاهل الشباب تحذيرات الشيوخ، واقتربوا من الجذع الضخم. وبمجرد أن غرز أول شاب معوله في الأرض تحت الظل، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ رغم أن الجو كان ساكناً ولاهباً، انطلقت ريحٌ صرصر قوية من بين أغصان الشجرة حصراً، كانت تضرب الحافرين وتبعدهم عن الجذع، وكأن الشجرة تدفعهم بيديها.
مع كل ضربة معول، كان يخرج من باطن الأرض أنينٌ مكتوم، ليس أنين خشب، بل أشبه بنشيج طفل صغير يبحث عن أمه، وصوت امرأة تغني "لالاية" حزينة. كان التراب الذي يرفعونه يعود ليرتمي في الحفرة من تلقاء نفسه، وكأن الأرض ترفض أن تنكشف عوراتها. في تلك اللحظة، لاحظ الشباب ظاهرة مروعة؛ السائل الذي بدأ يخرج من الجذور المجروحة لم يكن "راتنج" الأشجار الشفاف، بل كان سائلاً أحمر قانياً، يفوح برائحة "القرنفل" والحناء.. وهي رائحة ملابس النساء الكرديات (الكوا والكراس) في ليلة العيد.
توقف الجميع عن الحفر والذعر يتملكهم. في تلك اللحظة، قال أحد الحكماء: "لقد انتهى زمن العطاء والسكينة.. وبدأ زمن الانكشاف. الأرواح التي سكنت هذه الأرض ٢٥ عاماً قررت أن تخرج لتقول كلمتها." ثم برز من بين التراب شيءٌ لم يكن خشباً.. لقد كانت عظاماً ممسكة بجذر الشجرة.
في تلك الليالي، بدأ صوتٌ خفي ينسل من بين أغصان البلوطة العملاقة؛ كان صوتاً رقيقاً يرتجف، يغني لحناً حزيناً لم يفهم أهل القرية في ديالى كلماته، لكنه كان يبعث القشعريرة في أبدانهم. لم يدركوا أن الشجرة كانت تعيد بثّ الأحداث من جديد. كان الناس يغلقون نوافذهم بذعر، ويتهامسون: "ربما هو طائر حزين، أو الريح حين تصطدم بالأغصان اليابسة". لكن الصوت كان يخترق جدران بيوتهم، ويستقر في أحلامهم، كأنه عتابٌ قادم من تحت الأرض.
في الصباح التالي، عاد الشباب الذين حاولوا الحفر وصعقوا مما رأوه؛ كل الحفر التي صنعوها وكل التراب الذي أزاحوه عاد إلى مكانه تماماً، وكأن يداً خفية قامت بتسوية الأرض وتضميد جراح الشجرة في الليل. عندما عاد الشباب للحفر مرة أخرى بكل غضبهم، لم تخرج لهم ريحٌ عادية. فجأة، انبعثت من باطن الأرض ومن بين جذوع الشجرة رائحة مذهلة لم تعهدها أنوف أهل ديالى؛ كانت رائحة القرنفل (المێخەک) القوية التي تضعها النساء الكرديات عقداً في أعناقهن، ورائحة الحناء التي كانت تخضب أكفّ الأمهات والعرائس قبل أن يُسقن إلى الحفر.
كانت الرائحة تفوح من "الكوا والكراس" الممزق تحت التراب، ومن طوق القرنفل الذي كانت ترتديه سيران وسقط في القبر. هذه الروائح التي تميز الجبال، أصبحت الآن تسكن هواء القرية في ديالى، وكأن الشجرة تقول لهم: "أنا لستُ من هذا التراب.. أنا من عروق الجبل، ومن عطر النساء اللواتي قتلهن الظلم".
مع استمرار الحفر، بدأت تظهر خيوط ملونة من القماش المخملي الملتف حول الجذور، وبدأت رائحة القرنفل تزداد قوة لدرجة أنها خنقت الحافرين. وفي تلك اللحظة، ظهر شيءٌ جعل الجميع يسقطون معاولهم من الرعب؛ لقد ظهر كفٌّ متفحم وصغير، ليس بشراً وليس خشباً، بل هو مزيجٌ من الاثنين، لا يزال يقبض بقوة على قطعة من ثوب أمه الملطخ بالحناء.. الكفّ الذي نبتت منه الشجرة.
كانت القرية تعيش حالة من الرعب المكتوم، والناس ينظرون إلى البلوطة من بعيد كأنها وحشٌ كاسر، لا يجرؤ أحد على لمس أغصانها الجافة التي بدأت تشبه أصابع الموتى المشيرة إلى السماء. لكن براءة الأطفال لا تعرف الخوف؛ ففي أحد الأيام، اقترب طفلٌ في الحادية عشرة من عمره كان يحمل حجراً صغيراً بيده، يريد أن يرسم على جذع الشجرة. صرخت أمه من بعيد بصوتٍ مرتعش: "تعال إلى هنا! لا تقترب.. الشجرة ملعونة!"
لكن الطفل، الذي كان يسكنه فضول غامض، لم يسمعها. اقترب من الجذر الضخم الذي برز من الأرض، وبينما كان يحفر بالخشب تحت الظل الكثيف، صرخ صرخةً شقت سكون القرية. ركض نحو أمه وخاله وهو يرتجف: "رأيتُ عظاماً.. هناك أيادٍ بيضاء تحت الشجرة!"
التفّ الناس حول الشجرة، وبدأ الهمس يعلو: "إنه سحرٌ مدفون!"، "ربما هي لعنة قديمة". اتصل الأهالي بالجهات المعنية، وجاءت فرق التنقيب. ومع كل معول يغرس في الأرض، كانت الرائحة تزداد: القرنفل المختلط برائحة الموت القديم. استخرجوا ٥٥ رفاتاً؛ نساءً لا تزال بقايا "الكراس" الملون ملتصقة بعظامهن، وأطفالاً صغاراً لا تزال ألعابهم الصدئة في جيوبهم.
كان المشهد مروعاً؛ الرفات كانت متشابكة، خاصة رفات امرأة تضم طفلاً صغيراً بقوة، والجذور ملتفة حولهما كأن الشجرة هي التي كانت تحرسهما. وفي قبضة الطفل، وجدوا بقايا مظلة زرقاء وبذرة بلوط كانت قد تفتحت لتصبح هذا الجذع العملاق. بعد خروج الرفات، لم تهدأ الشجرة، بل بدأت اللعنة الحقيقية. في تلك الليلة، غادر أهل القرية بيوتهم من شدة الرعب. لم تكن الريح هي التي تصفر، بل كان صوتاً جماعياً لنساء يطلقن "هلاهل" (زغاريد) جنائزية مروعة، تمتزج بنحيب مكتوم. كان الصوت ينبعث من جوف الشجرة وكأنها مكبر صوت للأرواح.
وفي الصباح، حُمِلت الرفات في توابيت ملفوفة بالعلم الكردستاني. وبينما كانت السيارات تغادر ديالى متجهة نحو الجبال، خيّم على القرية صمتٌ لم تعرفه من قبل. لم تكن الصدمة في رؤية الموت، بل في رؤية "الحياة" التي أبت الفناء تحت الأرض. تسمّر الرجال في أماكنهم، وجفت الدماء في عروق النساء اللواتي كنّ يراقبن المشهد؛ كانت الوجوه شاحبة، والعيون متسعة بذهولٍ ينطق بالندم، وكأن صرخة الضحايا التي كُتمت قبل ٢٥ عاماً قد انفجرت الآن في وجوههم.
رأوا كيف أن الأرض لم تبتلع الموتى، بل احتضنتهم. رأوا بقايا ملابس الأطفال الملونة، وأحذية صغيرة لا تزال تحتفظ بشكل أقدام أصحابها، فارتجفت قلوبهم أمام براءةٍ لم تستطع رمال الصحراء أن تمحوها. وعندما وصل المنقبون إلى قلب الجذع، إلى النقطة التي تفرعت منها عروق الشجرة العظيمة، حدثت الصدمة الكبرى. هناك، تحت مركز الثقل تماماً، وجدوا رفات الصغير "كوردو".
كان هيكله الصغير لا يزال يرتدي بقايا "شروالٍ كردي"، وكأنه كان يستعد لعيدٍ لم يأتِ قط. ولكن المعجزة التي أبكت الجميع هي يده الصغيرة؛ تلك الكفّ التي لم تتجاوز الرابعة من عمرها، كانت لا تزال قابضةً بقوة على النواة الأولى. من بين أصابع كوردو النحيلة، من تلك القبضة تحديداً، انبثقت شجرة البلوط! لقد نبتت الشجرة من راحة يده، لتكون ظلاً يحمي رفات أمه "سيران" ورفات الخمسين الآخرين. لم تكن مجرد شجرة، بل كانت "زفرة كوردو الأخيرة" التي تجسدت خشباً وأوراقاً لتمنع لهيب ديالى من أن يمسّ أجساد الضحايا. كانت الشجرة هي "المظلة" الأبدية التي لم تغلق يوماً، والرسالة التي كتبت بجذورٍ من دم ودموع.
بدأت أوراق الشجرة تذبل بسرعة البرق، وجفّت الرائحة تماماً، لكنها تركت خلفها صمتاً أكثر رعباً.. صمت الندم.
بقيت الشجرة في ديالى هيكلاً خشبياً يابساً، شاهداً على أن الأرض لا تنسى دماء ضيوفها. والطفل الذي اكتشف العظام، كبر وهو يتذكر دائماً أن "الجنة" التي وعدت بها سيران طفلها كانت تحت هذه الشجرة، وأن "لعبة الغميضة" انتهت أخيراً حين عاد "كوردو" إلى حضن جباله.