بين هرمز وزنغزور... أين ستشتعل الحرب القادمة؟

بين هرمز وزنغزور... أين ستشتعل الحرب القادمة؟
بين هرمز وزنغزور... أين ستشتعل الحرب القادمة؟

لم يعد القوقاز مجرد نزاع حدودي بين أرمينيا وأذربيجان بل تحول إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح روسيا وتركيا وإيران والاتحاد الأوروبي وفي لحظة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق منذ الحرب في أوكرانيا، يبرز هذا الإقليم كمرشح حقيقي ليكون نقطة الاشتعال التالية  ولكن بشروط مختلفة وأكثر تعقيداً.

جوهر الصراع يتمحور حول إقليم ناغورنو كاراباخ الذي كان لعقود بؤرة مواجهة بين باكو ويريفان، في حرب 2020 استعادت أذربيجان مساحات واسعة من الإقليم بدعم عسكري وتقني مباشر من تركيا ما غيّر ميزان القوى جذرياً وبحلول 2023–2025  رسّخت باكو تفوقها العسكري بينما وجدت أرمينيا نفسها في موقع دفاعي هش سياسياً وعسكرياً لكن الأرقام هي التي تكشف عمق التحول، أذربيجان رفعت إنفاقها العسكري إلى ما يقارب 3.5–4 مليارات دولار سنوياً مستفيدة من عائدات الطاقة في حين لا يتجاوز الإنفاق العسكري الأرميني 1–1.5 مليار دولار في أفضل التقديرات، هذا الفارق لا يعكس فقط توازن قوى تقليدي بل يعكس أيضاً تحوّل الحرب من صراع محلي إلى معادلة مدعومة بموارد استراتيجية.

الأهمية الحقيقية للقوقاز لا تكمن في حدوده بل فيما يمر عبره، خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، أحد أهم شرايين الطاقة نحو أوروبا ينقل أكثر من مليون برميل نفط يومياً كما أن ممر الغاز الجنوبي يزود أوروبا بعشرات المليارات من الأمتار المكعبة من الغاز سنوياً في وقت تحاول فيه بروكسل تقليل اعتمادها على روسيا بعد أزمة أوكرانيا أي اضطراب في هذه المنطقة يعني عملياً اهتزاز أمن الطاقة الأوروبي وارتفاعاً فورياً في الأسعار العالمية، لكن لفهم خطورة القوقاز اليوم لا يمكن فصله عن مشهد أوسع يبدأ من الخليج العربي في مضيق هرمز يمر ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية يومياً أي توتر بين الولايات المتحدة وإيران يهدد هذا الشريان مباشرة ما يدفع الأسواق العالمية للبحث عن بدائل آمنة لنقل الطاقة وهنا بالضبط ترتفع قيمة القوقاز بشكل غير مسبوق، إذا تعطل هرمز أو أصبح غير آمن فإن خطوط الطاقة القادمة من بحر قزوين عبر القوقاز إلى تركيا وأوروبا تتحول من خيار إضافي إلى خيار استراتيجي حاسم، هذا يعني أن أي تصعيد في الخليج يرفع تلقائياً أهمية القوقاز  والعكس صحيح نحن أمام معادلة مترابطة، هرمز يضغط.. القوقاز يرتفع.. والأسعار تشتعل، وهنا تتقاطع المصالح الكبرى روسيا التي كانت تاريخياً الضامن الأمني لأرمينيا فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير نتيجة انشغالها في أوكرانيا هذا التراجع فتح الباب أمام تركيا لتعزيز نفوذها حيث باتت أنقرة اللاعب الأكثر تأثيراً في باكو وتطمح إلى ربط أذربيجان بآسيا الوسطى عبر ما يُعرف بـ ممر زنغزور وهنا تحديداً تتجسد العقدة الأخطر في المشهد كله، ممر زنغزور ليس مجرد طريق بري عادي بل مشروع جيوسياسي عابر للقارات. يمتد نظرياً عبر جنوب أرمينيا (إقليم سيونيك) ليربط أذربيجان بجيبها المنفصل ناخيتشيفان ومنه إلى تركيا مباشرة طوله المتوقع يقارب 40–45 كيلومتراً داخل الأراضي الأرمينية لكنه عملياً يفتح ممراً يمتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط.

أهميته الاستراتيجية تتجاوز الجغرافيا إلى ما هو أعمق

أولاً.. بالنسبة لـأذربيجان هو إنهاء العزلة الجغرافية بين أراضيها وربطها بتركيا دون المرور بإيران أو جورجيا، ثانياً.. بالنسبة لـتركيا هو تحقيق حلم الممر التركي الذي يربطها بآسيا الوسطى بما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي في العالم التركي، ثالثاً.. بالنسبة لـالاتحاد الأوروبي قد يشكل جزءاً من ممرات تجارية بديلة تربط أوروبا بآسيا بعيداً عن روسيا، رابعاً.. بالنسبة لـالصين فإن هذا الممر قد يتحول إلى حلقة ضمن مبادرة الحزام والطريق ما يمنحه بعداً عالمياً يتجاوز الإقليم ويضعه في قلب التنافس على طرق التجارة بين الشرق والغرب، لكن الوجه الآخر للممر أكثر خطورة، أرمينيا ترى فيه تهديداً مباشراً لسيادتها خاصة إذا فُرض بصيغة ممر خارج السيطرة الأرمينية، أما إيران فتنظر إليه كتهديد استراتيجي لأنه قد يقطع صلتها البرية المباشرة مع أرمينيا ويقلل من أهميتها كممر تجاري إقليمي، ولهذا أعلنت طهران بوضوح أن أي تغيير في الحدود الجيوسياسية للمنطقة يُعد خطاً أحمر، اللافت أن هذا الممر رغم صغر مسافته، يحمل وزناً يعادل ممرات عالمية كبرى لأنه يعيد تشكيل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، فبدلاً من المرور عبر روسيا أو إيران، يمكن خلق طريق جديد أقصر وأسرع ما يعني تقليل الكلفة الزمنية والاقتصادية للنقل. خاصة إذا ما تم ربطه بما يُعرف بـ الممر الأوسط، الذي يمتد من الصين عبر آسيا الوسطى إلى القوقاز ثم تركيا فأوروبا ليشكل بديلاً استراتيجياً لسلاسل الإمداد التقليدية التي تمر عبر روسيا أو الممرات البحرية الطويلة، لكن أسرار هذا الممر لا تتوقف عند الاقتصاد.. فهناك بُعد أمني عميق، من يسيطر على الممر، يملك القدرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة في جزء مهم من أوراسيا. كما أنه قد يتحول إلى نقطة انتشار عسكري أو نفوذ استخباراتي للقوى الكبرى، خاصة إذا تم تدويله أو وضعه تحت رقابة خارجية، السؤال الأخطر.. هل القوى الكبرى مستعدة فعلاً لنتائج هذا المشروع؟ الواقع يشير إلى أن كل طرف يدعم الممر من زاويته لكنه لا يريد تحمّل كلفة انفجاره، تركيا تدفع بقوة، روسيا تراقب بحذر وتحاول البقاء لاعباً أوروبا ترى فيه فرصة اقتصادية، بينما إيران مستعدة للتصعيد إذا شعرت بالتهديد، هذا التناقض يعني أن المشروع قد يتحول من فرصة إلى شرارة صراع، وهنا يعود المشهد إلى معادلته الأصلية، صراع منخفض الحدة عالي المخاطر..والأهم من ذلك هو توقيت هذا التحول، نحن أمام لحظة تتقاطع فيها ثلاثة عوامل كبرى، استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر في مضيق هرمز وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بعد أزمات متتالية. هذا التزامن ليس عابراً بل يشير إلى أن العالم يبحث بشكل متسارع عن خرائط بديلة للطاقة والتجارة ما يضع القوقاز وممر زنغزور في قلب لحظة تاريخية نادرة، وبالنسبة للشرق الأوسط، وخاصة العراق، فإن هذه التحولات ليست بعيدة. العراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط المصدّرة عبر الخليج، يتأثر مباشرة بأي توتر في هرمز. وفي حال تصاعدت الأزمة هناك، فإن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح بغداد مكاسب مالية مؤقتة، لكنه في المقابل يزيد من هشاشة الاقتصاد ويعمّق الاعتماد على مورد واحد.

الأخطر أن تحوّل مسارات الطاقة نحو القوقاز وتركيا قد يعيد ترتيب أولويات الأسواق العالمية ما يضع دول الخليج والعراق أمام تحدي إعادة التموضع في خريطة الطاقة الجديدة، في هذا السياق لا يمكن إغفال موقع إقليم كوردستان ضمن خريطة التحولات القادمة، رغم أنه ليس جزءاً مباشراً من ممر زنغزور، فالإقليم يرتبط عملياً بمنظومة الطاقة التي تمر عبر تركيا ما يجعله متأثراً بأي إعادة رسم لطرق النقل بين آسيا وأوروبا،  ومع توسع صادرات أذربيجان نحو أوروبا بدعم الاتحاد الأوروبي تبرز منافسة غير مباشرة على أسواق الطاقة، خاصة في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادرها وفي المقابل فإن تصاعد التوتر مع إيران بسبب الممر قد ينعكس على بيئة الإقليم الأمنية والتجارية وبين احتمال التهميش أو التحول إلى ممر مكمل ضمن ما يُعرف بـ الممر الأوسط، يقف الإقليم أمام مفترق استراتيجي صامت إما أن يُعاد إدماجه في شبكة التجارة والطاقة الجديدة أو أن يجد نفسه خارجها في لحظة يعاد فيها رسم خرائط النفوذ في المنطقة.

السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كان الصراع سينتهي بل كيف سيتحوّل؟ السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الحروب المحدودة، اشتباكات حدودية، ضغوط سياسية وفرض وقائع جديدة على الأرض دون الانزلاق إلى حرب شاملة هذا النموذج يسمح للقوى الكبرى بإدارة الصراع دون تحمل كلفته الكاملة لكنه يبقي المنطقة في حالة توتر دائم، أما السيناريو الأخطر فيكمن في تحول أي مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي أوسع خاصة إذا تداخلت فيه حسابات تركيا وإيران بشكل مباشر أو إذا حاولت روسيا استعادة نفوذها بالقوة عندها لن يكون القوقاز مجرد نزاع إقليمي بل ساحة اختبار لتوازنات دولية جديدة، ومع ذلك يبقى هناك سيناريو ثالث  أقل ضجيجاً لكنه ممكن  يتمثل في تسوية سياسية تدريجية تفرضها الحاجة الاقتصادية لجميع الأطراف خاصة مع ازدياد أهمية الممرات التجارية والطاقة غير أن هذا الخيار يتطلب إرادة دولية حقيقية وهي حتى الآن غير واضحة المعالم، الخلاصة أن القوقاز لا يسير نحو نسخة مكررة من أوكرانيا، بل نحو نموذج مختلف من الصراع، أقل شمولاً لكنه أكثر تشابكاً من حيث المصالح إنه صراع تتحكم فيه الأنابيب بقدر ما تتحكم فيه الجيوش وتُرسم حدوده في غرف الطاقة بقدر ما تُرسم على الخرائط العسكرية، وفي عالم يختنق بين مضيق هرمز ومرتفعات القوقاز لم تعد الأزمات منفصلة بل مترابطة كسلسلة واحد..إذا اهتزت حلقة.. اهتز العالم كله، وفي قلب هذه السلسلة يقف ممر زنغزور ليس كمشروع طريق، بل كخط فاصِل بين عالمين.. عالم تُرسم فيه خرائط التجارة بهدوء، وآخر تُرسم فيه بالنار وفي النهاية السؤال لم يعد أين ستشتعل الأزمة؟ بل من سيدفع ثمن إعادة رسم هذا العالم.