التاريخ السياسي والديموغرافي للكورد في الفضاء الأوراسي (الجزء الثاني): جدلية التمكين الأيديولوجي والهاجس الأمني في الاستراتيجية السوفيتية

التاريخ السياسي والديموغرافي للكورد في الفضاء الأوراسي (الجزء الثاني): جدلية التمكين الأيديولوجي والهاجس الأمني في الاستراتيجية السوفيتية
التاريخ السياسي والديموغرافي للكورد في الفضاء الأوراسي (الجزء الثاني): جدلية التمكين الأيديولوجي والهاجس الأمني في الاستراتيجية السوفيتية

تفرض المقاربة الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية والجيوبوليتيك، عند دراسة الحقبة السوفيتية وتفاعلها مع المسألة الكردية، تفكيكاً منهجياً يتجاوز السرديات التاريخية التقليدية. نحن لسنا أمام مجرد تعاقب زمني لأحداث، بل أمام "مختبر جيوسياسي" متكامل خضعت فيه الهوية الكردية لعملية "هندسة مزدوجة": الأولى هدفت إلى المأسسة والتمكين الأيديولوجي لتصدير الثورة، والثانية اتسمت بالاقتلاع الديموغرافي القسري استجابةً لهواجس الأمن القومي. إن فهم هذه الحقبة يتطلب قراءة الوجود الكردي ليس كأقلية هامشية، بل كـ "متغير استراتيجي" (Strategic Variable) وظفته موسكو لإدارة توازناتها الإقليمية والدولية.

لم تبدأ الاستراتيجية السوفيتية تجاه الكرد من فراغ مؤسساتي؛ فقد ورث البلاشفة بنية ديموغرافية وعسكرية شديدة التعقيد أرستها الإمبراطورية الروسية. أدركت القيادة البلشفية أن الجغرافيا القوقازية تحتضن نخباً كردية محترفة تغلغلت في عمق المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها عائلة شمس الدينوف (Shamshadinov / Шамшадиновы). لقد مثلت هذه العائلة، بقيادة الجنرال جعفر آغا شمس الدينوف (Jafar-Aga Shamshadinov)، أول ضابط كردي برتبة لواء في الجيش الإمبراطوري، ونجله الجنرال علي أشرف آغا، ظاهرة جيوسياسية فريدة؛ حيث تحولت من قيادة قبلية تقليدية إلى جزء من آلة الحرب الإمبراطورية.

ترافق هذا الوزن العسكري مع نضج دبلوماسي تجسد في تحركات نخب كعبد الرزاق بدرخان (Abdurrazak Bedirkhan)، الذي استخدم العاصمة سانت بطرسبرغ كمنصة لمشاريع جيوسياسية كردية. هذا "الرأسمال البشري والسياسي" الكردي فرض على منظري السياسة السوفيتية، وتحديداً مفوضية القوميات (Narkomnats)، التعامل مع الكرد ليس كعبء ديموغرافي، بل كـ "رأس حربة" محتمل في مشروع اختراق الشرق الأوسط، وهو ما أسس لتبني سياسة "التوطين" أو ما عُرف بـ (Korenizatsiya) لإدماج الكرد في المنظومة الاشتراكية.

يمثل الإعلان عن تأسيس "كردستان الحمراء" (Krasnyy Kurdistan / Красный Курдистан) في 7 يوليو 1923، كقضاء إداري يحمل اسم (Kurdistansky Uyezd) وعاصمته لاشين (Lachin)، ذروة توظيف الجغرافيا في خدمة السياسة العليا لموسكو. من منظور العلاقات الدولية، لم يكن هذا الكيان مجرد استجابة لمطالب إثنية محلية، بل كان "منطقة عازلة" (Buffer Zone) صُممت بهندسة سياسية بالغة الدقة. يطرح الباحث المتخصص في الجغرافيا السياسية دافيد بابايان (David Babayan) في دراسته "الجوانب الجيوسياسية لكردستان الحمراء"، أن موسكو ضربت عصفورين بحجر واحد: الأول، خلق حاجز جيوسياسي يفصل بين الجمهوريتين المتناحرتين، أرمينيا وأذربيجان، مانعاً أي احتكاك حدودي مباشر في منطقة ناغورنو قره باغ. والثاني، والأكثر أهمية، هو تحويل هذا الكيان إلى "منصة إشعاع أيديولوجي" (Ideological Beacon) تستهدف الملايين من الكرد في الجوار الإقليمي (تركيا، إيران، العراق)، لإرسال رسالة مفادها أن النموذج السوفيتي هو الضامن الوحيد للحقوق القومية في الشرق الأوسط. ورغم أن هذا الكيان أُلغي إدارياً عام 1929 نتيجة انتفاء الحاجة التكتيكية له وتصاعد نزعات المركزية الشديدة، إلا أنه أسس للوعي القومي المؤسساتي الكردي المعاصر.

مع تراجع المشروع الجغرافي، عوضت موسكو ذلك بمشروع ثقافي-أكاديمي غير مسبوق، نقل الهوية الكردية من حيز التدوين الشفهي إلى المأسسة الأكاديمية الصارمة. برعاية مباشرة من الدولة، قاد الروائي عرب شمو (Erebê Şemo / Араб Шамилов) واللغوي إسحاق ماروغولوف مشروع إنتاج أول أبجدية كردية لاتينية عام 1928، في خطوة سياسية لفك الارتباط الثقافي للكرد عن محيطهم الإسلامي/العربي والفارسي. أثمرت هذه المؤسسة الأكاديمية عن نشر عرب شمو لروايته الرائدة "الراعي الكردي" (Kurdê Şivan) عام 1935، والتي شكلت تدشيناً للواقعية الاشتراكية في الأدب الكردي.

بيد أن الإنجاز الأكبر في مجال "القوة الناعمة" (Soft Power) تمثل في تأسيس القسم الكردي في "إذاعة يريفان" (Radyoya Êrîvan) عام 1955. يحلل الباحثون في الإعلام السياسي هذه الإذاعة بوصفها ابتكاراً لـ "وطن صوتي" (Acoustic Homeland) عابر للحدود الحديدية للحرب الباردة. تحولت الإذاعة إلى أكاديمية مسموعة صاغ عبرها علماء اللسانيات، أمثال قاناتى كوردو (Qanatê Kurdo / Канат Курдоев) وحجي جندي (Haciyê Cindî)، معايير اللغة الكرمانجية. كما باتت الإذاعة منصة سيادية لأدباء وشعراء أمثال جاسم جليل (Casimê Celîl)، وميكائيل رشيد (Mîkaêlê Reşîd)، وفيري كوفار (Fêrîkê Ûsiv). لقد حمت هذه المنصة السوفيتية الذاكرة الجمعية والفولكلور الكردي من سياسات الإبادة الثقافية (Linguicide) التي كانت تُمارس بشراسة في الدول الإقليمية المجاورة.

تفرض الواقعية السياسية (Realpolitik) في دراسة النظام الستاليني الاعتراف بأن "الأمن القومي" كان يبتلع كل الاعتبارات الأيديولوجية. مع اقتراب نُذر الحرب العالمية الثانية، وتصاعد حدة التوتر على الجبهة التركية والإيرانية، تحول الكرد في القوقاز، في العقلية الأمنية لموسكو، من "حلفاء أيديولوجيين" إلى "خاصرة رخوة" محتملة. يحلل المؤرخ والديموغرافي الروسي بافل بوليان (Pavel Polian / Павел Полян) في سفره المعنون "ليس بإرادتهم"، كيف استبدلت موسكو سياسة الاستيعاب بسياسة "الهندسة الديموغرافية القسرية" (Deportation).

في عامي 1937 و1944، اتُخذت قرارات أمنية عليا باقتلاع آلاف العائلات الكردية من جمهوريات القوقاز (أرمينيا، أذربيجان، جورجيا) وشحنهم في ظروف كارثية نحو مجاهل آسيا الوسطى (كازاخستان، قيرغيزستان، وسيبيريا). لم يكن هذا استهدافاً عرقياً محضاً بقدر ما كان تطبيقاً دموياً لنظرية "تطهير مناطق التماس" من أي عنصر يمتلك امتدادات ديموغرافية خارج الحدود السوفيتية، تجنباً لاختراقات استخباراتية معادية. طالت عجلة القمع الستاليني رموز النهضة الكردية أنفسهم؛ حيث اعتُقل مؤسس الرواية عرب شمو وقضى 19 عاماً في معسكرات الاعتقال والأشغال الشاقة (الجولاج).

تتجلى عبقرية الصمود الكردي في تحويل "المعازل الديموغرافية" في آسيا الوسطى إلى منصات انطلاق نحو السيطرة على قمة الهرم الأكاديمي السوفيتي. يبرز هنا اسم البروفيسور نادر نادروف (Nadir Nadirov / Надир Надиров)، الذي هُجر طفلاً وعانى ويلات الجولاج، ليتحول بفضل كفاحه الأكاديمي إلى "مارشال العلم" في الاتحاد السوفيتي و"أبو النفط الكازاخستاني". تقلد نادروف أرفع المناصب في أكاديمية العلوم الكازاخستانية، واستثمر نفوذه السيادي ليؤسس جمعية "بربانغ" (Berbang)، جاعلاً من الكرد قوة علمية وسياسية يُحسب لها حساب في كازاخستان، ومشكلاً مظلة دبلوماسية استقبلت قيادات الحركة الكردية، وعلى رأسهم الرئيس مسعود بارزاني.

إلى جانبه، جسد البروفيسور كنيازي إبراهيم ميرزويف (Knyazê Îbrahim / Князь Ибрагим) التزاوج بين الدبلوماسية والأكاديميا. بصفته نائباً لرئيس جامعة كازاخستان الوطنية ورئيساً للاتحاد الدولي للجمعيات الكردية، استطاع مأسسة الوجود الكردي قانونياً وسياسياً، ضامناً لهم مقعداً استشارياً في "جمعية شعب كازاخستان" السيادية. لقد أثبت هؤلاء النخب أن الكرد استطاعوا اختراق بنية الدولة التي هجرتهم، فارضين احترامهم عبر التفوق المعرفي المطلق.

من منظور العلاقات الدولية، لا يمكن اختزال دور موسكو تجاه الحركة الكردية في حدود القوقاز وآسيا الوسطى. لقد مثلت العاصمة السوفيتية "المركز الموازن" (Counterbalance) للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط. إن الاستقبال التاريخي للجنرال مصطفى بارزاني ورفاقه (البيشمركة) في أواخر الأربعينيات، ودمجهم في الأكاديميات العسكرية الروسية، كان إعلاناً صريحاً بأن موسكو تحتفظ بـ "الورقة الكردية" كأداة استراتيجية في هندسة التوازنات الإقليمية.

لقد شكلت موسكو "حاضنة كبرى" تخرجت منها نخبة من الكوادر السياسية والأكاديمية الكردية عبر مؤسسات كـ "جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب" ومعاهد الاستشراق الروسية. ورغم أن السياسة الخارجية السوفيتية كانت محكومة ببراغماتية المصالح التي خذلت الكرد في بعض المنعطفات لصالح دول إقليمية، إلا أن المحصلة البنيوية تؤكد حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل: إن المؤسسات الأكاديمية والفكرية السوفيتية هي التي منحت الحركة القومية الكردية شكلها المدني الحديث، ووثقت أبجديتها، وحفظت تراثها، وخرجت أجيالاً من الأدباء و"مارشالات العلم" الذين حولوا مآسي التهجير إلى ملحمة نهوض جعلت من الكرد رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في الخارطة الجيوسياسية لأوراسيا المعاصرة.

**المصادر والمراجع الأكاديمية:**

إليك القائمة الكاملة والموحدة للمصادر والمراجع الأكاديمية التي استند إليها البحث في جزأيه الأول والثاني. تم إعداد هذه القائمة وفقاً للمعايير الدولية للتوثيق الأكاديمي، مع الحفاظ على العناوين الأصلية باللغات الروسية (السيريلية) واللاتينية لضمان دقة الاستشهاد والموثوقية البحثية:

**المصادر والمراجع الأكاديمية المحققة (الجزء الأول والثاني):**

 1. **В. Ф. Минорский (V. F. Minorsky).** *История Ширвана и Дербенда X-XI веков (History of Shirvan and Derbend)*. Москва: Издательство восточной литературы, 1963. (مرجع أساسي حول الدولة الشدادية والوجود الكردي المبكر في القوقاز).

 2. **М. С. Лазарев (M. S. Lazarev).** *Курдский вопрос (1891-1917) (The Kurdish Question)*. Москва: Главная редакция восточной литературы издательства «Наука», 1972. (دراسة معمقة حول السياسة القيصرية تجاه الكرد).

 3. **Т. Ф. Аристова (Tatiana Aristova).** *Курды Закавказья: историко-этнографический очерк (The Kurds of Transcaucasia)*. Москва: Наука, 1966. (المرجع الإثنوغرافي الأهم حول ديموغرافيا الكرد في القوقاز).

 4. **Давид Бабаян (David Babayan).** *Красный Курдиستان: Геополитические аспекты образования и упразднения (Red Kurdistan: Geopolitical Aspects)*. Ереван: Институт политических исследований, 2005.

 5. **Павел Полян (Pavel Polian).** *Не по своей воле: История и география принудительных миграций в СССР (Against Their Will)*. Москва: ОГИ-Мемориал, 2001. (توثيق دقيق لعمليات التهجير القسري في الحقبة الستالينية).

 6. **Надир Надиров (Nadir Nadirov).** *Мы, курды-казахстанцы (We, the Kurds of Kazakhstan)*. Алматы: Арыс, 2003. (سيرة توثيقية وتحليلية للكرد في آسيا الوسطى بقلم "مارشال العلم").

 7. **Antony Eastmond.** *Tamta's World: The Life and Encounters of a Medieval Noblewoman from the Middle East to Mongolia*. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. (لتحليل الروابط السياسية بين الكرد والكرج في العصور الوسطى).

 8. **Первая всеобщая перепись населения Российской империи 1897 г. (The First General Census of the Russian Empire in 1897).** Издание Центрального статистического комитета Министерства внутренних дел. (المصدر الإحصائي الرسمي الأول للوجود الكردي في الإمبراطورية).

 9. **Н. Я. Марр (Nikolai Marr).** *Ани: Книжная история города и раскопки на месте городища (Ani: History of the City)*. Москва-Ленинград: Соцэкгиз, 1934. (حول الإدارة الشدادية الكردية لمدينة آني).

 10. **Князь Мирзоев (Knyaz Mirzoev).** *Курдская литература в контексте литературных связей (Kurdish Literature)*. Алматы: КазНУ, 2007. (دراسة في الأدب المقارن والمأسسة الثقافية الكردية).

 11. **Араб Шамилов (Erebê Şemo).** *Курдский пастух (The Kurdish Shepherd / Kurdê Şivan)*. Москва: Гослитиздат, 1931. (أول رواية كردية حديثة وتوثيق للحياة في الحقبة السوفيتية المبكرة).

 12. **Канат Курдоев (Qanatê Kurdo).** *Грамматика куردского языка (Grammar of Kurdish Language)*. Москва-Ленинград: Издательство Академии наук СССР, 1957. (الأساس الأكاديمي لتقعيد اللغة الكردية في القوقاز).

 13. **Киракос Гандзакеци (Kirakos Gandzaketsi).** *История Армении (History of Armenia)*. Москва: Наука, 1976. (مصدر كلاسيكي حول التفاعلات السياسية الكردية-الأرمنية-الأيوبية).

 14. **Jalile Jalil.** *Kurdên Sovyetê (The Kurds of the Soviet Union)*. Stockholm: Jîna Nû, 1994. (دراسة حول التاريخ الاجتماعي والسياسي للكرد السوفيت).

 15. **М. А. Гасратян (M. A. Gasratyan).** *Курды Турции в новейшее время (Kurds of Turkey in Modern Times)*. Москва: Наука, 1990. (لتحليل تأثير السياسات الإقليمية على هجرات الكرد نحو الفضاء السوفيتي).