في تفسير السيادة وجودا و عدما، و التحول
يبدو العنوان اكثر اناقة من الواقع، فلو تم اختياره و المتن بلغة الشارع فتلك وان كانت صوابا، لكنها لغة نفهمها و لا نتكلم بها، حرصا على مشاعر الناس، و توقعا بأن يتم فسح المجال قناعة او اضطرارا لجيل واسع الافق يفهم ماذا تعني المقدمات الخطأ التي قادت لنتائج مخيبة.
من واجبات السياسي الذي يصنع و ينضّج القرار السليم، ان يبقى على تماس مع الشارع و البيوت و العمل، والناس هناك، ناسنا، و هم مثقلون بتركات مؤلمة موجعة، من سياسات سابقة و لاحقة، خوف، حروب طاحنة، ملاحقات امنية متوحشة، تراجع معيشي، ازمات اجتماعية، تجهيل، تحديات معيشة يومية.
لئن كان النظام السابق قد انتصر، فقد انتصر بثلاث هنّ الخسارة بعينها، انتصر في الانقلابات، فخلق بيئة كريهة لا مقبولية له فيها شعبيا، و انتصر في جر البلاد و دفعها الى مواجهات كسّرت طاقات البلاد و هدمت التوجه الانساني السليم للعيش بسلام، و انتصر ايضا ببذر افكاره التي صارت من متبنيات كثيرين، وهذا ملحوظ بوضوح ليس في اداء قسم من الموجودين في القرار اليوم بل حتى مجتمعيا.
تجذرت و ظهرت و للاسف، الانقسامات حتى داخل المكون الواحد، هذا ان كان المكون فعلا يمثل الهوية التي يرفعها، و حاشا العراقيين الاصلاء ان تكون هذه افعال مكوناتهم.
لابد من القول ان السيادة عندما تكون قرارا فهي ليست امرا يسير التحصل و ليس يسيرا الحفاظ عليها، فهي تتطلب وعيا و عملا لتحقيقه، ومجرد معرفة مولدها في 2003 يكفي للفصل فيها اهي سيادة ممنوحة ام مصنوعة بيد داخلية، للجواب على ذلك لابد من جلب وثائق قريبة، اذ ان النظام السابق و مع كل القتال ضده و كل التضحيات ماكان ليزول كما زال على يد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة و حزبها الجمهوري و اشخاص بذاتهم في الحزب و الادارة، هم ببساطة، اكثر قوة و اسرع في تنفيذ ما يتلائم مع خططهم.
ما ان وقع التغيير في 2003، حتى ثبت بما لا يدعو لا للشك و لا لتوقع امر مخالف للواقع، من ان القوة التي تنقل السلطة من نظام لنظام، تضع تأثيرها ايضا، فهي بالتالي لا تفي فقط لما انفقت من سلاح و دم و اموال، بل ايضا لاجل سمعتها و مسؤولياتها في صنع الحدث.
قد يفهم قسم من الناس ان التأثير هو الاملاء دوما، هذا ليس حكما سليما ابدا، اذ ان المصالح الدولية تقتضي احيانا تحمل اداء خاطىء ممن يعتبر حليفا، اما تفهما لمستوى وعيه او لكشف توجهات لم تكن ظاهرة.
قبل هذا و ذاك فإن عملية التغيير في العراق كانت عملية لها حسابات تعود بالنفع على توجهات معروفة في حسم و توجيه صراعات متسلسلة في الشرق الاوسط، اي انها بمعنى ثان ان العملية التي شهدها العراق هي عملية ترتيبات دولية ضمن حزام يكون متوقعا ان يكون امنا بعد ايقاف توجهاته و تحييده.
ليس شرطا ان تكون الدول التي تشهد اجتياحا عسكريا تبعية بالضرورة حتى مع عدم اهمال تأثير العامل الدولي في احداث تغيير رئيسي فيها، التبعية هنا بين القرار و بين الاضطرار. لكن المخالف للصدق هو ان يدعي صاحب القرار مقدرته على الاستقلال بالقرار لكنه في الواقع عاجز او لا يريد.
من ضمن التحولات المفهومة في مسار العراق السياسي اللاحق لسنة 2003 ان تصل للحكم قوى معارضة للنظام السابق، لكن الاداء الذي ساد، وفيه عوامل ذاتية و موضوعية، كان اداءََ سيفضي كما رأينا و عانينا الى ما يسقط العجب منه لاحقا حين انتهت الامور الى تكرار ازمات لا تدخل فيها عوامل موضوعية، فلقد كشفت المسؤوليات لما تبدل الدور من المعارضة الى السلطة قصور فهم واضحا، يصعب تشخيص تعمده من جهله، فكان ان تحبطت الامور و اختلط المزاج و الترسبات مع المسار الواجب، فكان الاستقطاب و التكاسر و التخندق المتعدد و عدم الثبات صدمة للشركاء و صدمة لتنوع الشعوب.
ان بين الامور التي اساءت لتاريخ و سمعة العمل المعارض، افعال دفعت الناس لمقاربة و مقارنة بين زمنين، وهو امر ما كان يصح ان يبدر من دعاة مشروع لعراق افضل، كما ان قسما كبيرا من التصرفات جعلت المستقلين مهمشين، وهو امر تسبب في خلق صورة ان القرار السياسي قرار تصفية حساب و تصفير، ثم جرى التوسع المكوناتي احاديا لكل فئة، و الاخطر من هذا هو التلاعب بأدوات الديمقراطية لفعل ما هو غير ديمقراطي، بما يشبه البحث عن الثغرات لتقنين الفعل الخاطىء.
ان التخبط بين مرجعية دستور و منطق تحريك الجموع بشعار الاغلبية و الاقلية و تحميل البريء ظلم فرد و مجموعة مذهبية او عرقية، امور تقود البلاد لازمات صعبة الحل.
طبيعي جدا ان تكون السيادة و هذا الحال قائم سيادة بديلة، سيادة طرف من خارج الحدود. و طبيعي ايضا ان يكون الفهم مغلوطا اذ تم ترتيب الهرم خارج قواعد الرياضيات، فصارت القوى تتمايل غير مستقرة، وان ينعكس هذا تكرارا و يوميا في حياة المواطنين، فهم يدخلون ازمة تليها ازمة، و يقارنون بين الواقع و الدعاية الموجهة داخليا و بين التفسيرات السياسية الخارجية لشأنهم الداخلي بما يخلق تصديقا بالاخيرة و انعدام ثقة بالاولى.
ان تحول مفهوم الشراكة الى مشاركة هي تقاسم حصص، و وفق معطيات ما تم، افرغ السلطة من فكرة و علاقة، فكرة الحكم الرشيد و علاقة المنفعة التي يجب ان تصب في صالح المواطن.
المواطن الذي له مكانة في الدستور غير وضعها الفعلي في الواقع.
المواطن الذي صار همه ان يجد عملا، و ان يكون عمله مفيد لغيره و ان يتقاضى ما يكفل كريم الحياة، المواطن الذي لا تغتاله جهة فتكون مجهولة، و المواطن الذي تقصف داره بصاروخ او طائرة و لا يحدد الفاعل، المواطن الذي هو مزارع بلا ماء و لا تسويق ثمار، المواطن الذي يعاني من تراجع قيمة العملة، المواطن الذي يموت بسبب فقر جديد، و لا يستطيع ايجاد سكن و لا مصاريف معيشة.
اترى ان سيادة القرار ليس من اساساتها مواطن منتم لدولة تحرص عليه؟
تكرار الاخطاء تلاعب بمفهوم السيادة، و تسبب بإنعدامها، واوجد تحولا فيها جعل من القوى المؤثرة هي التي اقدم سيادتها في القرار كاملة او مناصفة او بنسبة محددة لترسم المسار.
وهذا ما يحدث و هذه بداية مرحلة جديدة لن تكون سهلة و لا مريحة جراء الاصرار على مخالفة الواقع.