ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
بين صمت القبور وصوت السلام... صرخة الذاكرة في 16 أيار
لم يكن اختيار السادس عشر من أيار/مايو ليكون يوماً وطنياً للمقابر الجماعية في العراق بالتزامن مع اليوم الدولي للعيش معاً في سلام في أروقة الأمم المتحدة، مجرد مصادفة عبرت في مفكرة الزمن، بل هو التقاء تراجيدي يحمل في طياته أعمق مفارقات التاريخ الحديث والمعاصر، فبينما يلتفت العراق وإقليم كوردستان نحو عمق الأرض لاستنطاق خنادق الموت الصامتة التي خلفها نظام الاستبداد والجرائم ضد الإنسانية يلتفت المجتمع الدولي نحو المستقبل لترسيم حدود التعايش وتأصيل ثقافة السلام، إن هذا التزامن يضع صانع القرار والباحث الاستراتيجي أمام حقيقة بنيوية قاسية..
لا يمكن لهندسة سلام مستدام فوق أرض هشة ما لم تُحصن ذاكرتها السياسية والتاريخية فالقبور الجماعية في معانيها العميقة لم تكن مجرد مدافن لضحايا الإبادات الشاملة كعمليات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وقمع الانتفاضة الشعبانية، بل كانت مقابر حقيقية لمفهوم المواطنة وعقداً سياسياً ومجتمعياً ممزقاً أدى في النهاية إلى تفكك بنية الدولة وتحولها إلى آلة إبادة للمكونات على أساس الهوية والانتماء، من الناحية السياسية والسوسيولوجية يعكس انتشار المقابر الجماعية من صحاري الوسط والجنوب إلى مرتفعات كوردستان والتي تكررت فظائعها حديثاً على يد تنظيم داعش الإرهابي، ذروة أيديولوجيا الإقصاء الكلي التي عانى منها الجسد العراقي وهنا يبرز التحول التاريخي الهام في مسيرة إقليم كوردستان، فبالرغم من أن الإقليم وشعبه كانا الضحية الأكبر لهذه المجازر التي غيبت الآلاف في غياهب الصحاري إلا أن القيادة الكوردية برؤيتها الحكيمة والرشيدة رفضت حبس الذاكرة في شرنقة المظلومية أو الانكفاء نحو الثأر السياسي، لقد أدارت القيادة الكوردية هذه الأزمة الوجودية بعقيدة سياسية وإنسانية ثاقبة نجحت في تحويل هذا الجرح الغائر والنزيف التاريخي إلى طاقة دفع وبناء نحو التعايش والسلام محولةً الإقليم إلى واحة أمان وأرض تجمع الكل بلا تمييز، لقد أدركت القيادة الكوردية عبر دبلوماسيتها وسياستها الداخلية أن الرد الحقيقي على فكر المقابر الجماعية والإقصاء لا يكون بمجاراته بل بتقديم نموذج نقيض يرسخ قيم التسامح والاحتواء، ففتحت أبواب الإقليم ليكون ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من النازحين والمهجرين من مختلف المكونات العراقية من عرب وشيعة وسنة ومسيحيين وإيزيديين وصابئة خلال الأزمات المتعاقبة ليتحول الجرح الكوردي بفضل حكمة قيادته إلى مظلة تحمي الجميع ورسالة حية تبرهن على أن العدالة والتعايش هما الرد الإنساني الأقوى على الديكتاتورية والإرهاب.
على المقلب الآخر يأتي القرار الأممي (72/130) الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان هذا اليوم يوماً عالمياً للعيش معاً في سلام ليحدث نقلة نوعية في مفهوم السلام الدبلوماسي، فالإنسانية أدركت أن السلام لم يعد يعني مجرد صمت المدافع أو غياب النزاع المسلح بل هو سلام إيجابي يقوم على إدارة الاختلاف وتفكيك خطاب الكراهية والاعتراف المتبادل بالحقوق والخصوصيات، وتلتقي هذه الفلسفة الدولية مباشرة مع التجربة الواقعية لإقليم كوردستان التي جعلت من مبدأ المواطنة واحتضان التنوع وثيقة سياسية واجتماعية لحماية السلم الأهلي. إن فتح المقابر الجماعية وتوثيق جرائم الماضي من خلال المؤسسات المختصة بالتعاون مع المنظمات الدولية لشؤون المفقودين لا يعد مجرد إجراء تقني لتحديد هويات الضحايا عبر فحص الحمض النووي DNA بل هو في عمقه وثيقة إدانة تاريخية للفكر الأحادي وركيزة أساسية من ركائز العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الحقيقية التي تؤكد أن الاعتراف بالفاجعة هو الممر الإجباري لتطهير الذاكرة الوطنية من الأحقاد وتأصيل الثقة بين المكونات والدولة.
ومن هنا يوجه هذا التزامن السنوي رسالة سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية إلى صُناع القرار في بغداد والمحيط الدولي تتجاوز حدود الاحتفاء البروتوكولي لتلامس التحديات الإجرائية على الأرض فإلى الشركاء في الدولة العراقية تأتي هذه المناسبة لتؤكد أن السلام والتعايش المشترك لا يمكن صيانتهما بالشعارات السياسية الفضفاضة بل بالالتزام الكامل بالدستور وتحقيق العدالة الانتقالية الشاملة والإنصاف المادي والمعنوي لعوائل الضحايا. وهذا يفرض انتقالاً حقيقياً من الجانب النظري إلى التنفيذي عبر تسريع عمليات فحص الحمض النووي ومطابقة الرفات المعطلة وتوفير التخصيصات المالية اللازمة لفتح مئات المقابر المتبقية لتجفيف منابع الفكر الإقصائي وضمان التوازن والشراكة، وإلى المجتمع الدولي يبعث الإقليم برسالته الحازمة ومفادها أن حماية تجربة التعايش والتعددية الديمقراطية في كوردستان ليست شأناً داخلياً عابراً بل هي مصلحة استراتيجية عليا لضمان الاستقرار الإقليمي ما يستدعي دعماً دولياً تقنياً وفنياً مستداماً لملف المفقودين والمستمسكات الجنائية للإبادة، إن الجرح الغائر للمقابر الجماعية يقف اليوم كشاهد حي يذكر العالم أجمع بالثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب عندما تغيب قيم العيش المشترك وسيادة القانون والوفاء الحقيقي لشهداء تلك الخنادق المظلمة لا يكون بالبكاء واجترار الآلام بل بتحويل مآسيهم إلى مناهج للوعي الإنساني وتحصين الدولة والمجتمع ضد أوبئة التهميش العنصري والطائفي في هذا اليوم الاستثنائي يتضح للعراق وللمجتمع الدولي أن السلام والتعايش ليس ترفاً سياسياً أو شعارات بروتوكولية تُرفع في المحافل الدبلوماسية بل هو خيار وجودي صلب وطوق النجاة الأوحد لمستقبل الأجيال.
إن سيادة الدولة وصيانة كرامتها الوطنية لا تبدأ من استعراضات القوة العسكرية بل تبدأ من قدرتها على إغلاق مقابرها الجماعية قانونياً وإنسانياً بإنصاف الضحايا وفتح فضاءات التعايش المشترك سياسياً واجتماعياً وهو الدرس البليغ الذي صاغه إقليم كوردستان بحكمة قيادته وثبات شعبه ليثبت للعالم أن من رحم الفاجعة يمكن للمستقبل أن يُولد معافى وأن هندسة السلام أقوى بكثير من آلات الدمار والإقصاء.