كيف نجا تيمور من "جلّاد الأنفال" عجّاج التكريتي؟

كيف نجا تيمور من "جلّاد الأنفال" عجّاج التكريتي؟
كيف نجا تيمور من "جلّاد الأنفال" عجّاج التكريتي؟

«لا ترحموه بالإعدام»، جملة صرخت بها امرأة كورديّة مكلومة، هزّت من أوجاعها أركاننا، وشيّب من آلامها ولداننا حتى وإن كنّا نتابعها نحن المصريين على بعد آلاف الأميال من العراق؛ فما وراء الصرخة من عذابات وفظائع وحشية لم نجد لها مثيلاً حتى في ظلمات العصور الوسطى.

والأشد من ذلك، حين نعلم أن هذه الصرخة لا تعدو سوى تنفيسة محدودة من كتلة نار مشتعلة في صدور عوائل المؤنفلين لنحو أربعة عقود، قالتها هذه السيدة من يومين لقضاة «جلّاد الأنفال»، عجاج التكريتي أحد أبرز رموز نظام صدام حسين المتورطين في تصفية المئات من المواطنين الكورد والعراقيين في سجن «نقرة السلمان» سيء الصيت الواقع في صحراء السماوة، والذي عُرف بـ «سجن الموت».

لقد دفعت صرخة هذه السيدة بعض المصريين للتواصل معي متعجبين متسائلين: هل ما جاء في عريضة اتهام عجاج التكريتي صحيح فعلا؟! مضيفين أن ما قرأوه عما قام به من وحشية لا يُتصوّر عقل، ولا يمكن أن يقوم به بشرٌ!

كان ذلك مدعاة لأن أقف معهم حديثًا وكتابةً على المقصود بالأنفال وما حدث فيها، وعن واقع عوائل المؤنفلين، وموقف الشعب العراقي من هذه العمليات.

الأنفال سلسلة من ثماني عمليات عسكرية، نفذها نظام صدام حسين البائد في حقّ الشعب الكوردي، بين شهري فبراير - سبتمبر من عام 1988م، مستخدمًا الأسلحة الكيماوية الفتاكة، وعُرفت بـ «عمليات الأنفال»، وراح ضحيتها أكثر من 182 ألف شهيد كورديّ مدنيّ، إضافة إلى مئات الآلاف من المصابين والمهجّرين.

وملخص خطة تنفيذ عمليات الأنفال - كما جاءت في الوثائق، ورصدها شهود عيان - أن تقوم قوات من جيش صدام حسين ومخابراته العسكرية بتطويق المنطقة أو المناطق الكوردية المستهدفة، وتحلق الطائرات الحربية قاذفة القنابل والكيماوي فوق الرؤوس، وتحوم الطائرات الهليوكوبتر فوق القرى بمكبرات صوت تنادي: اخرجوا، هناك عفو عام لكم، وإلا ستدكّ عليكم البيوت دكّا. ويطلق قوات المشاة نارًا في الهواء؛ لإثارة الرعب، ومن لا يخرج يقتل قصفًا بالمدفعية والكيماوي، ثم تدمر وتجرف القرى بكاملها، ومَن يخرج من المواطنين الكورد فإنّه يُجمع في شاحنات عسكرية مغلقة (إيفا) إلى المساكن، أو "المجمعات العصرية" التي وُعدوا بها، فيكتشفون أن هذه "المجمعات العصرية" ما هي إلا معسكرات اعتقال في مجاهل صحراء جنوب العراق، يُجردون فيها من كل شيء سوى الثياب الذي يرتدونه.

تُؤخذ منهم هويتهم، ومستمسكاتهم، وكل ما معهم، ثمينًا كان أو غير ثمين. «إنها أنفال؛ الغنيمة والفيء لنا، والأجساد لباطن الأرض»!! هكذا كان يقول نظام صدام. ثم يحقق معهم لجمع معلومات عن المقاومة الكوردية وقوات (البيشمرگة)، ثم تطبق عليهم خطط الإفناء طويل المدى وقصيره، وكانت أخفّ مشاهدها أن يساق الضحايا مصفّدين إلى ساحات الإعدام التي أعدت على حافة إحدى المقابر الجماعية الكبيرة المعدة لذلك، ثم تردم الجرافات المقبرة بعد أن تمتلئ بالضحايا.

تيمور عبدالله نموذج ممن ذاق هذه الأهوال وعمره لم يتجاوز السادسة ونجا منها بحماية عائلة عربية من العراق ترجمت ما تحلت به من أبعاد إنسانية ومواقف مشرفة رغم حجم الأخطار التي كانت ستحيق بهم لو أُكتُشِف أمرهم.

وتبدأ قصة تيمور عندما هبّت جلاوزة صدام على اقتحام قريته (كوله جو)، التابعة لمدينة (كلار)، في كوردستان العراق، واعتقلت أهلها، وكان منهم تيمور، ووجِدته لأبيه، ووالدته، واثنين من أخواته، وعدد من أقربائه. وعلى بعد مئات الكيلومترات اقتيد تيمور وعائلته مع الآلاف من الأبرياء الكورد إلى صحراء (ظبي) التي تبعد عن مدينة السماوة في محافظة المثنى بجنوب العراق نحو 160 كم.

أودعوهم المعتقلات والسجون، مصفدين ومكبلين، اثنين، اثنين؛ لاستكمال بقية الإجراءات قبل إبادتهم والتخلص منهم. كان القائمون على الأمر عناصر من قوات الأمن والمخابرات العسكرية. لم ينقطع بكاء الأطفال وعويلهم. والكبار في فزع وهلع، يربتون على صدور أطفالهم، ربما يطمئن صغارهم، مع علمهم ألا فائدة من ذلك.

لكن دموع الصغار تردد في حرقة: لماذا هذا؟! أي خطيئة اقترفنا؟! أي ذنب ارتكبنا؟ ما داعي ما نحن فيه؟!

يجيبهم سوط الجلاد - بعد أن أصبح الأحمر والأزرق والأسود لون جلودهم: لأنكم كورد. قالوا: وما ذنبنا؟ الأمر ليس بيدنا، فقد خلقنا الله هكذا. يجيب سوط وعصا الجلاد: إذن، فليأتِ ربكم لينقذكم، أو يخرجكم مما أنتم فيه!!

أصبح المعتقلون في حالة صحية سيئة؛ اعتلت قواهم، وخارت صحتهم، وراح صوتهم، وتحولوا لمجرد هياكل خاوية.

أنهى الجلاوزة التحقيقات معهم، فلم يخرجوا شيئا سوى الحقيقة؛ إن هؤلاء بأطفالهم مدنيون أبرياء، ليست لهم أي صلة بشيء سوى حياتهم الخاصة. لكن النتيجة كانت واحدة للجميع عند المحقق: الإعدام رميًا بالرصاص.

أخذوا عائلة تيمور ومن معهم من الكورد الأبرياء إلى المقبرة الجماعية الكبيرة التي انتهت من تجهيزها الحفارات العسكرية، متوسط طولها نحو (60 مترًا)، وعرضها نحو (30 مترا)، والعمق قريب من ذلك.

يقف صف من الأبرياء بطول المقبرة، وعلى حافتها يطلق عليهم الرصاص في الرأس، وفي الصدر، فيهوون قتلى في داخل المقبرة. وهكذا الصف الذي يليه، والذي يليه حتى تمتلئ المقبرة عن آخرها، فتقوم الجرافات بردمها، وإهالة الرمال عليها، ودكّها؛ فربما يكون هناك من لازالت الروح تدبّ فيه بعد أن مزقت الرصاص خوالجه أو رأسه، فيأتي الدكّ لقطع دابر هذا الأمل.

كان حظ تيمور وعائلته أن دورهم في القتل في المرحلة قبل الأخيرة، قبل أن تمتلئ المقبرة. كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، أُطلق النار على عائلة تيمور (جدته لأبيه – والدته – أختان – تيمور)، شاهد تيمور موتهم جميعًا؛ إذ حالفه القدر أن رصاصة موته جاءت في صدره، فأصابته إصابة بالغة دون أن ترديه قتيلاً.

سقط تيمور بين القتلى في المقبرة، كان قد أغمي عليه من كثرة الدماء التي تنزف منه، وفي أثناء قيام الجرافة بردم المقبرة كان تيمور قد أفاق، نصب جسده الهزيل المعتل، يريد أن ينجو من الموت، فالجرافات تهيل الرمال على الضحايا في الحفرة. وهو واقف بالحفرة يشاهد فتاة صغيرة على قيد الحياة، طلب منها أن يهربا سويًّا، لكنها كانت خائفة ترتجف، وتحسر تيمور قائلا: «لم تستطع؛ كانت أصغر مني»!!

ومع لهفة عينه التي لم تُرفع عن جثامين عائلته؛ (أمه – جدته – أختاه) وغيرهم من الأبرياء في المقبرة، مع تحسره الشديدة لعجزه عن إنقاذ الطفلة التي لازلت على قيد الحياة، وكان يتمنى أن يأخذ بيدها، وتأخذ هي بيده فرارًا من الموت، مع كل أسى وحزن - وهو يتخطى على جثامين الضحايا للوصول إلى حافة المقبرة - مع كل هذه الأهوال خرج تيمور من المقبرة متخفيًا في ضباب غبار الرمال التي تحدثه عمليات الردم، واضعًا يده على صدره، حيث مستقر الرصاصة؛ ليمنع نزيف ما بقي من دمه.

لكن؛ إنها صحراء، لا يُعرف لها شمالاً من جنوب، ولا شرقًا من غرب، كيف يسير؟ وإلى أين يتجه في ظل هذه الفلاة؟ يبدو أن المجهول أسوأ مما هو قائم. لكن القدر سخر له أحد سائقي السيارات العسكرية (الشفلات) الموجودة حول المقبرة، وفي لفتة أرشده إلى الطريق.

سار تيمور على الطريق وهو لا يعرف إلى أين يسير، وماذا سيحدث له؟ وبعد تسع ساعات؛ أي عند منتصف الليل. تقول عائلة (عبدالوليّ): «على فجأة سمعنا عواء الكلاب، خرجنا من خيمتنا واتجهنا صوب العوى، عندها سمعنا صوتًا ينادي ويبكي؛ وجدنا طفلاً! لم نفهم لغته، يئنّ بشدة، أخرج من جيبه خمسة دنانير وقال: دكتور.. دكتور. حملناه إلى داخل الخيمة، رأينا جرحًا في صدره وظهره، لون جسده متغير من كثرة نزيف دمائه».

لم تنم عائلة عبدالولي ليلتها، وقامت بمعالجة تيمور وتطبيبه.. أطعموه، وسقوه سوائل تعوض دمائه، حتى تم شفاؤه.

لكن عائلة عبدالولي واجهت مشكلتين؛ الأولى: أنه لا توجد لغة تفاهم بينهم وبين تيمور. لكن أحد أفراد عائلة عبد الوالي التقط من كلام تيمور كلمة (كلار) فعرف أنه كردي من منطقة كلار. فقال له: هنا ليس كلار، هنا السماوه. والأخرى: ماذا لو وصل لقوات الأمن خبر بهذا الأمر؟ لأن النتيجة كانت معلومة لدى عائلة عبدالولي: الموت لكل العائلة!

لكن عائلة عبدالولي - بشهامتها ورجولتها وواجبها الإنساني والديني - قررت أنها ستربي الطفل تيمور بينهم.. ستحافظ عليه، (وليصير خلي يصير). إنه من وقتها أصبح ابنًا من أبنائها.

أسموه علي عبدالله.. اشتروا له دشداشة، وكل ما هو ضروري. وأودعوه في مكان آمن بعيد عن الحادث؛ في بيت سيدة عجوز أحبته، وربته، ووفرت له كل احتياجاته كابن من أبنائها.

عاش تيمور (علي عبدالله) بين أحضان عائلة عبدالولي ست سنوات، تعلم خلالها اللغة العربية بسرعة. ومارس حياته الطبيعية كأطفال زمانه في القرية. وفي عام 1994م، أي بعد ست سنوات - وبعد نجاح الكرد في انتفاضتهم ضد صدام عام 1991م، وسيطرتهم على مناطق واسعة من إقليم كوردستان العراق - عاد تيمور إلى قريته (كوله جو) في مدينة كلار. وهناك كانت ذكريات الفاجعة؛ لا أهل، ولا أقارب، ولا حتى معارف؛ فأنفال صدام قد أبادت الجميع.

هاجر إلى أمريكا، لعلها تنسيه أو تشغله لحظات عن كوارث حياته!

إن القدر الإلهي له حكمة بالغة في نجاة تيمور من موت محقق لا شك فيه؛ ليكون شاهدًا على واحدة من أعتى المجازر اللإنسانية، واللأخلاقية، التي ارتكبها صدام حسين حيال شعب مدنيّ بريء.

إن قصة تيمور تستحق أن تُجسّد في عمل درامي أو فيلم سينمائي يوثّق كل لحظة مرّ بها في هذه التجربة الكارثية؛ لتظل الأجيال القادمة مطلعة على صورة ونموذج من نماذج الإبادة الجماعية التي ارتكبها صدام حسين عام 1988م.