بالون اختبار أم انتحار سياسي؟ تفكيك الرانان رقم 12 ومخطط تفتيت فدرالية كوردستان

بالون اختبار أم انتحار سياسي؟ تفكيك الرانان رقم 12 ومخطط تفتيت فدرالية كوردستان
بالون اختبار أم انتحار سياسي؟ تفكيك الرانان رقم 12 ومخطط تفتيت فدرالية كوردستان

في توقيتٍ بالغ الحساسية وبينما يمر إقليم كوردستان بمخاض سياسي لإعادة صياغة حكمه بعد انتخابات 2024 أصدر "مركز البحوث المستقبلية" دراسة تحت عنوان..الانسداد السياسي في إقليم كوردستان، الخيارات والتداعيات، ورغم محاولة إحاطتها بهالة أكاديمية، ألا أن الزخم الإعلامي الواسع وتسليط الضوء على هذه الأطروحات في الفضاء الصحفي نبه العقل الكوردي لخطورة مقترحات قد تتحول إلى فخ لتفكيك الكيان الدستوري للإقليم إن قراءة تفكيكية هادئة لهذا التقرير تكشف خطورة تغليف الأزمات السياسية العابرة بحلول هيكلية مدمرة وتدفعنا لحماية مكتسباتنا عبر استعراض مكامن القوة الحقيقية للإقليم داخلياً ودولياً.

إن طرح خيار الإدارتين القانونيتين في نيسان 2026 يأتي في ذروة الانسداد التفاوضي لتشكيل الحكومة الحادية عشرة ليقرأه المراقب الاستراتيجي كـ ورقة ضغط سياسي قصوى صيغت بروح حزبية لرفع سقف التفاوض، الخطورة هنا تكمن في تقديم التفتيت كخيار بديل، والمستفيد الحقيقي ليس أي طرف كوردي بل الأطراف المتربصة بالفدرالية الكوردية في بغداد والعواصم الإقليمية والتي طالما حلمت برؤية كوردستان مقسمة إلى كانتونات ضعيفة يسهل التحكم بها وإنهاء ثقلها الاستراتيجي في معادلة الشرق الأوسط.

ويدعّم التقرير فرضياته على وهم تراجع الإقليم، وهو ادعاء تدحضه لغة الأرقام والمشاريع الستراتيجية على أرض الواقع بقيادة رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني، فالإقليم يشهد طفرة في مشاريع البنية التحتية والأمن المائي والغذائي، كما أن النجاح الكبير في أتمتة الخدمات وإطلاق المنصات الرقمية المتطورة مثل نظام ئي-بەسوولە، للمدفوعات الإلكترونية وأنظمة التوطين الرقمي للرواتب، يمثل الرد الحاسم على دعاوى التراجع، إذ يعيد هيكلة الاقتصاد تحت مظلة مؤسساتية شفافة تلغي حجة اللامركزية السياسية للهروب من المركزية الإدارية المنتجة، ويسقط التقرير اقتصادياً، فالبنية التحتية للإقليم ، من شبكات الكهرباء والطاقة والغاز الموحدة بين السليمانية وأربيل وصولاً إلى منظومات السدود والألياف الضوئية هي شبكة عضوية واحدة وتفكيكها هو وصفة مباشرة لشلّ الحياة المعيشية اليومية للمواطن.

كذلك يزعم التقرير أن الإقليم فقد تأثيره الدولي وهي قراءة مغلوطة تقفز فوق حقائق عام 2026، إذ يدرك الجميع أن حكمة الدبلوماسية والتحركات الستراتيجية لرئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني كانت وما زالت الركيزة الأساسية في حلحلة الانسدادات وتشكيل الحكومات الاتحادية، كما أن الحضور الدولي الدائم لسيادته يعكس وزنه الستراتيجي، وتأتي زيارته الرسمية الرفيعة إلى إيطاليا ومباحثاته مع كبار القادة الأوربيين في مايو 2026 كدليل قاطع على أن العواصم الغربية ترى في أربيل شريكاً أمنياً واقتصاديًا لا غنى عنه مما يثبت أن شرعية الإقليم الدولية المرتبطة بكونه كياناً واحداً موحداً في ذروتها.

ومن جانب آخر يطرح التقرير خيار الانتخابات المبكرة كأنه مأزق، وفي هذا قصور سياسي واضح، فالاحتكام المتكرر لصناديق الاقتراع وتجديد الثقة الشعبية لم يكن يوماً مصدراً للقلق للقيادة الحالية التي تصدرت بامتياز نتائج انتخابات 2024 وحققت المركز الأول، إن المجتمع الكوردستاني أثبت امتلاكه وعياً ناضجاً يدفعه لرفض الشعارات واختيار القوى الوازنة التي برهنت عملياً على قدرتها على صيانة الأمن وحماية الكيان وتقديم الخدمات الملموسة.

ومن أخطر ما مرره التقرير بخبث سياسي هو طرح المنطقة الأوتونومية الثالثة لعزل العاصمة أربيل وهو لغم ستراتيجي مكشوف، فأربيل ليست مجرد رقعة جغرافية بل هي العاصمة السيادية والقلب النابض لكيان الإقليم الدستوري بنص القانون ومحاولة عزلها هي ضرب لرمزية القرار الكوردي وتجريد للإقليم من هيبته الدبلوماسية، كما يحمل التقرير غفلة قومية كبرى، فكيف يتم التفكير بتفكيك البيت الداخلي في وقت يمثل فيه الإقليم الملاذ الآمن والعمق الستراتيجي للقضية الكوردية في كافة أجزائها ولطالما كان بتوجيه من القيادة الكوردستانية السند الحقيقي والرئة التي يتنفس منها الكورد في سوريا (روزآفا) خلال أشد أزماتهم؟ فاللجوء إلى خيارات الإنفصال الداخلي لمجرد خلافات تفاوضية عابرة هو طعنة في خاصرة الوعي القومي وتراجع عن إرث التضامن الكوردستاني.

وهنا نوجه رسالة قانونية صارمة، إن خيار الإدارتين يصطدم بجدار الدستور العراقي لعام 2005 ويتحول إلى حيلة لإنهاء الفدرالية استناداً للمادة 117 (أولاً) التي تعترف بكيان واحد موحد اسمه إقليم كوردستان، ولا يوجد في الفقه الدستوري مفهوم إقليم داخل إقليم، وبالتالي فإن أي تفتيت سيفقد الإقليم غطاءه الاتحادي بالكامل، كما تبرز مخاطر المادة 119، فإذا ذهب أي طرف لإعلان إقليم مستقل برابط مباشر مع بغداد، فإن هذا المسار سيعطي المحكمة الاتحادية العليا الذريعة القانونية الذهبية لإصدار قرار بحل كافة مؤسسات الإقليم الحالية وإعادة التعامل مع المحافظات كإدارات محلية تابعة للمركز مما يعني حرفياً الانهيار التام للمشروع الفدرالي وإعادة الإقليم إلى ما قبل عام 1991.

ان ما أثارته هذه الطروحات من نقاشات واسعة هو جرس إنذار حقيقي، الخيار الوحيد المطروح اليوم ليس التفكير في التفتيت والانتحار الجماعي بل في تجاوز العناد السياسي والجلوس في العاصمة أربيل لصياغة حكومة شراكة حقيقية وقوية قادرة على حماية السيادة الدستورية للإقليم وحماية أمنه الرقمي والبنيوي والدفاع عن حصته المالية (الـ 14.1%) بناءً على معطيات التعداد السكاني وبتطبيق نصوص الدستور الموحد.

ومن أجل أن يكون للمجتمع الكوردستاني صوت واعي يرفض التفتيت ندعو كافة الناشطين والمثقفين إلى إطلاق حملة وعي وطنية تحت هاشتاغ: #كوردستان_كيان_واحد_ودستور_واحد أو #کوردستان_قەوارەیەکی_یەکگرتوو، لإعلان رسالة واضحة: نختلف في السياسة، ولكننا لا نساوم على وحدة الكيان الدستوري لإقليم كوردستان، فالأزمات تذهب وتأتي والحكومات تتغير، ولكن الكيان الدستوري المحمي بدماء الشهداء وتضحيات الشعب يجب أن يبقى عصياً على التفكيك والتجزئة.