ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الجزء الثاني.. ولاية الفقيه بين المرجعية التقليدية والعقيدة المهدوية: قراءة في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي
مقدمة
شكّلت نظرية "ولاية الفقيه" واحدة من أكثر النظريات إثارةً للجدل في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، خصوصاً بعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979م بقيادة روح الله الخميني وتحويل هذه النظرية من اجتهاد فقهي محدود التداول إلى نظام سياسي يحكم دولة كاملة. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت ولاية الفقيه محوراً للصراع الفكري داخل الحوزات الشيعية، ولا سيما بين مدرستَي النجف وقم، وبين التيار التقليدي الذي يرفض منح الفقيه سلطة سياسية مطلقة، والتيار الثوري الذي يرى في الفقيه نائباً عاماً عن الإمام المهدي الغائب.
ولم يكن الخلاف حول ولاية الفقيه خلافاً فقهياً مجرداً، بل ارتبط بمستقبل المرجعية الشيعية، وحدود تدخل الدين في الدولة، وطبيعة العلاقة بين العقيدة والسياسة، فضلاً عن ارتباطه المباشر بمفهوم "التمهيد للمهدي المنتظر"، الذي استُخدم بصورة واضحة في الخطاب السياسي الإيراني المعاصر.
وتظهر الابحاث المعمقة حول المرجعية الشيعية أن غياب الإمام المهدي منذ سنة260هـ أوجد فراغاً سياسياً ودينياً دفع الفقهاء تدريجياً إلى بناء مفهوم "النيابة"، حتى تطور لاحقاً إلى مرجعية دينية واسعة النفوذ، ثم إلى مشروع “ولاية الفقيه” بصيغته السياسية الحديثة.
ومنذ ذلك الحين لم تعد العقيدة المهدوية في إيران مجرد تصور غيبي، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في بناء الدولة والهوية السياسية. فالنظام الإيراني يقدم نفسه بوصفه مشروعًا إسلاميًا عالميًا يمهد لظهور المهدي، ويستخدم مفاهيم مثل "التمهيد للظهور" و"محور المقاومة" و"مواجهة الاستكبار العالمي" ضمن إطار ديني يتجاوز الحسابات القومية التقليدية. ولهذا تكتسب المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة بُعدًا عقائديًا، إذ يُنظر إليها في بعض الخطابات الإيرانية باعتبارها مواجهة بين "الحق" و"الباطل"، وليست مجرد صراع على النفوذ الإقليمي.
ومن جانب آخر تُعدّ نظرية (ولاية الفقيه) من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، ويُعدّ الفقيه الإيراني أحمد النراقي (توفي سنة 1829م) من أوائل من نظّروا لولاية الفقيه بصيغة موسعة، لكن النظرية بقيت محدودة التأثير حتى جاء روح الله الخميني(1902 – 1989م) وحوّلها إلى مشروع ثوري متكامل. وقد برزت بصورتها السياسية الواسعة بعد أن أسسها وطبّقها الخميني عقب الثورة الإيرانية عام 1979م. وتقوم النظرية على منح الفقيه الجامع للشرائط سلطة سياسية ودينية شاملة في إدارة الدولة والمجتمع خلال غيبة الإمام المهدي. إلا أن هذه الفكرة لم تحظَ بإجماع مراجع وعلماء الشيعة التقليديين، بل عارضها عدد كبير من كبار المراجع في إيران والعراق ولبنان وغيرهما، معتبرين أنها تتجاوز الدور الديني التقليدي للمرجع الشيعي.
فقد عرف الفقه الشيعي عبر قرون طويلة مفهومًا محدودًا لولاية الفقيه، اقتصر غالبًا على الأمور الحسبية مثل: القضاء، والافتاء ورعاية الأوقاف، وشؤون القُصّر، ولم يكن يعني إقامة دولة دينية يقودها الفقيه بصورة مطلقة. لكن السيد الخميني طوّر المفهوم في المحاضرات التي كان يلقيها على الطلبة في النجف ما بين شهر فبراير/ شباط ونيسان/ ابريل عام1970م باللغة الفارسية، وترجمها فيما بعد القيادي في حزب الدعوة العراقي " محمد مهدي الاصفي" (1939 -2015م) الذي يرجع في أصوله الى مدينة بروجرد الايرانية، وكان ممثلا للمرشد الايراني آية الله علي الخامنئي(1989 – 2026م) في العراق الى وفاته سنة2015م. وجاء في هذه المحاضرات أن الفقيه نائب عام عن الإمام الغائب، وله صلاحيات سياسية كاملة تشمل قيادة الدولة والجيش والتشريع، وجمعت هذه المحاضرات فيما بعد في كتاب باسم "الحكومة الإسلامية".
وقد أنهى آية الله الخمينيّ ثنائية [الفقيه والسلطان] المتوارَثة منذ عهد العالم اللبناني "علي بن الحسين بن عبدالعالي الكركي العاملي" المعروف بالمحقق الثاني (المتوفى سنة940هـ/ 1534م) في عهد الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي (1524- 1576م)، وصارت الصيغة الجديدة [الفقيه السلطان والسلطان الفقيه]، بما يعني أنّ الدين دخل في رحم السلطة، فلا وجه لمعارضة الفقيه للسُّلْطة السياسيَّة على الوجه الذي كان معروفًا في عهد الشاه محمد رضا بهلوي لأنها صارت متحدثة باسم الإمام المهدي الغائب أيضًا، بل إنّ رأي الحكومة صار مُلزِمًا - في القراءة الجديدة للسيد الخميني- لغيرها من الفقهاء. أي ولاية الدولة وسلطة الفقيه قد جمعت في يد واحدة، لكن قبل الخمينيّ حتى في العصر الصفوي(1501 – 1736م) كانت السُّلْطة لا تزعم الولاية المطلقة والنيابة عن الإمام الغائب، فكان رأيها غير مُلزِم للفقهاء، بل كان الفقهاء يعتبرون أنفسهم قيِّمين على الشاه، فتَحوَّل الأمر في عهد السيد الخمينيّ لأنه من داخل الحوزة لا من خارجها، بالإضافة إلى استيفائه شروط الاجتهاد والأعلميَّة. فلم يكُن هناك سوى احتمالين: الأول أن يتمسَّك الفقهاء الاخرون باختياراتهم الفقهية والاجتهادية ويعلنوا معارضتهم لمنهج الولي الفقيه، والثاني التماهي مع القراءة الثورية الجديدة، وهو الإشكال الذي واجهته المؤسسة الدينية من مراجع التقليد وعلماء الحوزة في النجف وكربلاء وقم على حد سواء.
وقد رأى كثير من المراجع والعلماء أن هذا الطرح يمثل تحولًا جذريًا في الفكر الشيعي السياسي، وأنه يفتقر إلى الأدلة الشرعية الكافية، كما يخالف المسار التاريخي للحوزات العلمية القائمة على الابتعاد النسبي عن السلطة السياسية المباشرة، وكان العراق، باعتباره مهد التشيع وخاصة حوزة النجف، من أبرز مراكز المعارضة الفكرية لولاية الفقيه المطلقة، ومن أهم المعارضين:
1- آية الله العظمى محسن الحكيم الطباطبائي (توفي سنة1970م)، عندما نُفي السيد الخميني إلى العراق سنة 1965م، لم يحبذ مراجع النجف وتحديدا السيد الحكيم آنذاك الموافقه على استقباله في النجف، خشية من موقف الشاه الايراني "محمد رضا بهلوي"(1941 – 1979م) الذي كان يدعم مرجعيته باعتباره المرجع الرئيسي للشيعة في العالم من خلال برقية التعزية التي ارسلها اليه شاه ايران بعد وفاة المرجع الايراني الكبير آية الله العظمى السيد حسين الطباطبائي البروجردي في 30 أذار/ مارس عام1961م. لكن العلاقة بينهما أي بين السيدين الحكيم والخميني لم تتطور إلى توافق فكري كامل. فقد كان الخميني يحمل مشروعًا سياسيًا ثوريًا، بينما كان الحكيم أكثر تحفظًا ويميل إلى العمل الديني والاجتماعي التقليدي. وتذكر بعض الروايات التاريخية أن الحكيم لم يتحمس لفكرة إسقاط الأنظمة بالقوة أو إقامة حكم ديني مباشر بقيادة الفقيه، وكان أكثر حذرًا من تسييس الحوزة العلمية. أما موقفه من نظرية ولاية الفقيه، فلم يترك الحكيم كتابًا مفصلًا يرد فيه مباشرة على نظرية الخميني، لأن الخميني طرح نظريته الكاملة في كتاب (الحكومة الإسلامية) سنة 1970، وهي السنة نفسها التي توفي فيها السيد الحكيم. لكن فتاواه ومنهجه الفقهي لا تتضمن القول بالولاية السياسية المطلقة للفقيه، ولهذا يُعدّ ضمن المراجع الذين خالفوا هذا الاتجاه ضمنيًا.
2- آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي (توفي 1992م)، يُعدّ من أكبر وأعلم مراجع الشيعة في القرن العشرين، وقد رفض فكرة الولاية السياسية العامة للفقيه، وقصر صلاحياته على الجوانب الدينية والقضائية المحدودة. وكان يرى أن إقامة الحكم السياسي ليست من اختصاص الفقيه في عصر الغيبة، وأن المرجعية الدينية يجب أن تبقى مستقلة عن السلطة.
3- آية الله العظمى علي السيستاني (1937 - ؟) ، ورغم عدم تبنيه خطابًا صداميًا مع إيران، ، فهو يؤمن بدور إرشادي للمرجعية لا بحكم مباشر للفقيه، وقد رفض تولي رجال الدين السلطة التنفيذية المباشرة، ودعا إلى دولة مدنية تقوم على الانتخابات والدستور. ولا يؤمن المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني بنظرية "ولاية الفقيه" بصيغتها المطلقة التي أسس لها السيد الخميني. وبدلاً من الولاية السياسية العامة الشاملة للحاكم المطلق، يحصر السيستاني ولاية الفقيه في "الأمور الحسبية" (كإدارة أموال القصر والوقف العام)، ويشترط للولاية العامة شروطاً عملية، أبرزها المقبولية والقبول العام من قبل الأمة والمؤمنين. ولا يرى السيد السيستاني أن الفقيه يمتلك حكماً "تفويضاً إلهياً" مطلقاً لإدارة شؤون الحكم بمعزل عن إرادة الأمة، بل يعتمد في إدارة الدولة على الخيار الديمقراطي وصناديق الاقتراع كما هو الحال في المشهد العراقي.
أما بخصوص معارضة المراجع في إيران، فحتى في داخل إيران نفسها، واجهت نظرية ولاية الفقيه معارضة قوية من كبار العلماء التقليديين في حوزة قم وغيرها في مشهد وطهران، حسب التسلسل التاريخي لوفياتهم:
1- آية الله العظمى محمد حسين الطباطبائي القمي (توفي سنة 1947م)، رغم وفاته قبل الثورة الإيرانية، فإن مدرسته الفقهية التقليدية كانت رافضة لفكرة الحكم المباشر للفقيه، وقد استند معارضو الولاية لاحقًا إلى آرائه المحافظة على الفصل النسبي بين المرجعية والسياسة.
2- آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري (توفي سنة 1986م)، كان من أبرز معارضي ولاية الفقيه المطلقة، ودعا إلى نظام دستوري تكون فيه سلطة الشعب فوق سلطة رجال الدين والسياسية. وقد دخل في صدام مع النظام الإيراني بعد الثورة، ووُضع تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته، لا سيما بعد اعترافات صادق قطب زاده وزير الخارجية الايراني على دوره في تغيير بنية النظام بل وحتى اسقاطه، وتم اجباره على الاعتذار علنا في التلفزيون الرسمي الإيراني وطرده من المرجعية.
3- آية الله العظمى مرعشي نجفي(توفي سنة1990م) عارض (ولاية الفقيه المطلقة) التي طرحها السيد الخميني لأسباب فقهية وتقليدية تتعلق بطبيعة دور المرجع الديني وحدود سلطة الفقيه في عصر غيبة الإمام المهدي. ورغم أن المرعشي النجفي لم يدخل في مواجهة سياسية علنية حادة مع الخميني مثل بعض المراجع الآخرين، فإن مواقفه الفقهية كانت أقرب إلى المدرسة التقليدية في حوزة النجف وقم، التي كانت تتحفظ على تحويل المرجعية الدينية إلى سلطة سياسية مطلقة. وكان من أبرز المنتقدين للنظام القائم على ولاية الفقيه، واعتبر أن النظرية لا تستند إلى نصوص قطعية، وأنها اجتهاد سياسي قابل للنقاش والرفض.
4- آية الله العظمى محمد رضا الكلبايكاني ( توفي سنة1993م) كان من كبار مراجع الشيعة في قم. أما موقفه من نظرية ولاية الفقيه التي طرحها روح الله الخميني، فكان أقرب إلى التحفظ الفقهي وعدم تبني الولاية المطلقة بالشكل الذي أرساه الخميني، رغم أنه لم يدخل في معارضة سياسية علنية للنظام الإيراني بعد الثورة.
5- آية الله العظمى محمد علي الأراكي (توفي 1994م): تحفظ على التوسع السياسي للولاية.
6- آية الله العظمى حسين علي منتظري (توفي سنة 2009م)، رغم أنه كان من أبرز منظّري الثورة الإيرانية وتلميذًا مقربًا من آية الله الخميني، فإنه انتقد لاحقًا التوسع في صلاحيات الولي الفقيه، ورفض الاستبداد السياسي باسم الدين. ودعا إلى تقييد سلطة المرشد بالدستور والرقابة الشعبية، مما أدى إلى عزله من منصب كخليفة الخميني، وتعيين علي الخامنئي محله رغم انه لم يحظى القبول بسبب عدم حصوله على مرتبة آية الله.
7- آية الله العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني، يتبنى في مبناه الفقهي القبول بـ "الولاية في الأمور الحسبية"، وهو رأي سائد بين عدد كبير من مراجع الشيعة، ولكنه يميل للتحفظ أو عدم القول بالولاية السياسية المطلقة لغير المعصوم خارج هذا الإطار.
8- آية الله العظمى حسين الوحيد الخراساني: المرجع الرئيسي حالياً في قم، يميل إلى الولاية المحدودة التقليدية. وهو يتبع في ذلك مبنى أستاذه المرجع الراحل السيد "أبو القاسم الخوئي"، حيث يرى حصر صلاحيات الفقيه في "الأمور الحسبية" فقط (كإدارة الأوقاف، رعاية القصر، وشؤون الفقراء)، دون التدخل المباشر في الشؤون السياسية التنفيذية أو إدارة الدولة.
أما بشأن معارضة علماء لبنان، فقد ظهرت أيضًا مواقف رافضة لتحويل المرجعية إلى سلطة سياسية مطلقة، ومن أبرز هؤلاء المعارضين:
1- محمد جواد مغنية ( توفي سنة1979م): رفض العلامة والمفكر الشيعي الشيخ محمد جواد مغنية نظرية "الولاية المطلقة للفقيه"، وقصر صلاحيات الفقيه في عصر الغيبة على الأمور الحسبية المباشرة مثل: (القضاء والفتوى وإدارة شؤون الأمة)، معتبراً أن الولاية الشاملة كولاية المعصوم هي من خصائص الأنبياء والأئمة فقط.
2- محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الاعلى في لبنان، (توفي سنة 2001م)، رفض مبدأ ولاية الفقيه العامة خارج إيران، وطرح بدلًا منه مفهوم (ولاية الأمة على نفسها)، أي أن الشعب هو مصدر الشرعية السياسية من خلال الاختيار الحر.
3- آية الله العظمى محمد حسين فضل الله (توفي 2010م) ورغم قربه الفكري من الثورة الإيرانية في بداياتها، واعتباره منظر حزب الله اللبناني؛ فإنه لم يقبل الخضوع السياسي لولاية الفقيه الإيرانية، واعتبر أن لكل شعب حق اختيار نظامه السياسي، كما انتقد احتكار السلطة الدينية والسياسية بيد شخص واحد.
4- حسن الأمين (توفي سنة 2021م)، عالم دين شيعي كبير، انتقد بشدة تسييس المرجعية الدينية، واعتبر أن ولاية الفقيه أدت إلى احتكار السلطة وإضعاف استقلالية الحوزات العلمية.
وتكمن أسباب معارضة المراجع التقليديين لولاية الفقيه في عدة نقاط جوهرية:
1- غياب الدليل الشرعي القاطع، إذ رأى كثير من العلماء أن النصوص الدينية لا تمنح الفقيه سلطة سياسية مطلقة؛ لانه غير معصوم.
2- الخوف من الاستبداد الديني، حيث يؤدي جمع السلطتين الدينية والسياسية بيد شخص واحد إلى غياب الرقابة، وسيتمخض عند ذلك ظهور نظام ثيوقراطي على غرار انظمة الحكم الاوروبية في العصور الوسطى.
3- الحفاظ على استقلال المرجعية، فدخول المرجعية في السلطة قد يضعف مكانتها الروحية ويجعلها طرفًا سياسيًا، تنافس الاحزاب السياسية بشقيها الاسلامي والعلماني.
4- الاختلاف التاريخي في الفقه الشيعي، إذ لم يعرف التراث الشيعي التقليدي نظام الحكم الثيوقراطي(= الحكم الإلهي) بالشكل الذي أرساه اية الله الخميني، حتى في العصر الصفوي.