الرئيس مسعود البارزاني.. القائد الذي اعتز بهوية البيشمركة فأنقذ أمة وصنع تاريخاً

الرئيس مسعود البارزاني.. القائد الذي اعتز بهوية البيشمركة فأنقذ أمة وصنع تاريخاً
الرئيس مسعود البارزاني.. القائد الذي اعتز بهوية البيشمركة فأنقذ أمة وصنع تاريخاً

في الشرق الأوسط قد تُبنى الدول بالنفط، وقد تُفرض الأنظمة بالقوة، وقد تصنع التحالفات خرائط جديدة بين ليلة وضحاها لكن نادراً ما تنجو أمة كاملة فقط لأنها امتلكت عقيدة للبقاء، والكورد كانوا من تلك الأمم التي حوصرت بالجغرافيا وقُسمت بين أربع دول وتعرضت لعقود من الإبادة والإنكار والتغيير الديمغرافي والحروب ومع ذلك لم تختفِ من التاريخ لأن شيئاً واحداً بقي حياً فيها رغم كل شيء… البيشمركة.

ولهذا فإن كلمات الرئيس مسعود بارزاني في الذكرى الرابعة والستين لانضمامه إلى صفوف البيشمركة لم تكن مجرد استذكار شخصي لمحطة نضالية بل إعلاناً سياسياً وفلسفياً عن جوهر الهوية الكوردية الحديثة حين وصف البيشمركة بأنها أسمى درجات الفخر والاعتزاز، فهذه العبارة لا تعبّر عن انتماء عسكري فقط، بل تختصر فلسفة أمة كاملة آمنت بأن البقاء لا يتحقق بالخضوع للواقع بل بصناعة قوة قادرة على حماية الوجود القومي مهما كانت التضحيات، فالبيشمركة في التجربة الكوردستانية ليست مجرد مؤسسة قتالية بل الوعاء التاريخي الذي حفظ الذاكرة الجمعية للكورد من الذوبان، إنها ليست جيشاً تقليدياً وُلد داخل ثكنات الدولة بل عقيدة تشكلت من الجبال ومن القرى المحروقة ومن حملات الأنفال ومن حلبجة ومن آلاف الشهداء الذين حوّلوا الهوية الكوردية من قضية مهددة بالاختفاء إلى حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها.

ومن هنا تحديداً يمكن فهم شخصية الرئيس مسعود بارزاني ليس فقط بوصفه زعيماً سياسياً أو رئيساً سابقاً لإقليم كوردستان، بل باعتباره أحد أهم الرموز التاريخية الذين جسّدوا الانتقال من الثورة الكوردية الكلاسيكية إلى بناء الكيان السياسي الكوردي الحديث دون التفريط بجوهر القضية القومية، فالرجل لم يصل إلى البيشمركة عبر السلطة بل جاءت السلطة بعد عقود طويلة من وجوده في قلب البيشمركة ولهذا بقيت شرعيته في الوعي الكوردي مرتبطة بالتضحية الميدانية أكثر من ارتباطها بالمناصب الرسمية.

لقد انضم الرئيس مسعود بارزاني إلى صفوف البيشمركة وهو في سن مبكرة لكنه لم ينضم إلى قوة تحمل السلاح فقط بل دخل منذ ذلك الوقت في عمق المشروع التاريخي للأمة الكوردية، المشروع الذي يقوم على حماية الكرامة القومية ومنع انهيار الهوية وسط واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، ومنذ تلك اللحظة تحوّل اسمه في الوعي الجمعي إلى جزء من السردية الكبرى للكورد المعاصرين؛ سردية الأمة التي قاومت الإلغاء ونجحت في تحويل المعاناة إلى قوة سياسية وهوية راسخة.

والأهمية الحقيقية لتجربة الرئيس مسعود بارزاني لا تكمن فقط في قيادته السياسية بل في نجاحه بتحويل القضية الكوردية من ملف أمني هامشي في حسابات المنطقة إلى قضية سياسية إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها، لقد نقل الكورد من صورة الجماعة المحاصرة إلى صورة الشريك السياسي الفاعل ومن مفهوم الثورة الجبلية إلى مشروع سياسي يمتلك مؤسسات وعلاقات دولية وحضوراً إقليمياً مؤثراً، وهنا تتجلى عبقرية البيشمركة كفكرة لا كسلاح فقط. فالبيشمركة لم تنتج مجرد قوة قتالية بل صنعت مدرسة أخلاقية وسياسية كاملة صاغت الوعي الكوردي الحديث، إنها المدرسة التي علّمت الأجيال أن الحرية ليست شعاراً رومانسياً بل مشروع بقاء طويل يحتاج إلى صبر وتضحيات وتنظيم وإيمان عميق بالهوية القومية.

ولعل ما ميّز الرئيس مسعود بارزاني عن كثير من قادة الشرق الأوسط هو إدراكه المبكر أن بقاء الكورد لا يتحقق بالبندقية وحدها بل عبر الجمع بين القوة والدبلوماسية. فقد نجح في إدارة واحدة من أعقد معادلات المنطقة، الحفاظ على الهوية القومية الكوردية دون عزل كوردستان عن العالم ونسج علاقات إقليمية ودولية واسعة دون إذابة الشخصية الوطنية الكوردية داخل حسابات القوى الكبرى، ومن جبال ثورة أيلول إلى جبهات الحرب ضد داعش لم تتغير الوظيفة الوجودية للبيشمركة، فقد بقيت القوة التي تمنع سقوط الكورد في الفراغ الجيوسياسي، وبينما تبدلت خرائط المنطقة وسقطت أنظمة وتفككت جيوش، حافظت البيشمركة على جوهرها بوصفها حارساً للهوية قبل أن تكون مجرد مؤسسة عسكرية، فالرئيس مسعود بارزاني لم يتعامل مع البيشمركة كقوة حرب فقط، بل كضمانة تاريخية تمنع تفكك الهوية الكوردية عبر الحدود ولذلك لم يكن مفهوم الأمن في رؤيته محصوراً بإقليم كوردستان وحده، بل مرتبطاً بالأمن القومي الكوردي الأوسع في كل أجزاء كوردستان.

ومن هنا اكتسبت البيشمركة معناها الأعمق فهي لم تحمِ الأرض فقط، بل منعت انهيار المعنى الكوردي نفسه وحولت الانتماء القومي من شعور عاطفي قابل للتآكل إلى وعيٍ تاريخي قادر على الصمود جيلاً بعد جيل ولهذا فإن التأثير الأعظم للرئيس مسعود بارزاني لم يكن عسكرياً أو سياسياً فقط بل هوياتياً، إذ ساهم خلال عقود في إعادة بناء الشعور القومي الكوردي العابر للحدود بحيث لم يعد الكوردي في أي جزء من كوردستان يشعر أن قضيته معزولة عن بقية أجزاء الأمة.

قد تحوّل اسم بارزاني في الوعي الكوردي إلى رمز للاستمرارية التاريخية للقضية الكوردية وإلى جسر نفسي ومعنوي يربط كورد العراق وتركيا وسوريا وإيران داخل سردية قومية واحدة رغم كل الانقسامات السياسية والجغرافية وهذه النقطة تحديداً هي ما يجعل تجربة البيشمركة مختلفة عن كثير من حركات الشرق الأوسط، فهي لم تكن مشروع سلطة فقط، بل مشروع حماية للهوية ومنع ضياع الأمة داخل خرائط فرضتها التوازنات الدولي، وفي اللحظة التي اجتاح فيها تنظيم داعش أجزاء واسعة من العراق والمنطقة، لم تكن البيشمركة تدافع عن حدود جغرافية فقط، بل كانت تدافع عن فكرة التعايش والاستقرار وعن مستقبل الشرق الأوسط نفسه، ففي الوقت الذي انهارت فيه جيوش وأنظمة ومدن كاملة، تحولت البيشمركة إلى أحد أهم خطوط الدفاع الإقليمي والدولي ضد أخطر تنظيم إرهابي عرفه العصر الحديث وهو ما منحها احتراماً عالمياً ورسّخ صورة الكورد كشعب يمتلك شجاعة القتال ومسؤولية حماية المنطقة في آن واحد، لكن القيمة الحقيقية للبيشمركة تتجاوز الانتصارات العسكرية؛ فهي تمثل في الوعي الكوردي عقيدة وجودية كاملة،

البيشمركة ليست وظيفة بل معنى أخلاقي وفلسفي يقوم على فكرة أن الإنسان قد يضحي بحياته لكي لا تموت أمته، ولهذا بقيت البيشمركة قادرة على تجديد شرعيتها جيلاً بعد جيل لأنها ارتبطت بفكرة الكرامة القومية لا بالمصالح العابرة، وفي عالم تتآكل فيه الهويات تحت ضغط الفوضى الإقليمية والعولمة والصراعات الدولية، تبدو تجربة مسعود بارزاني والبيشمركة درساً استراتيجياً عميقاً لصناع القرار وللأجيال القادمة، فالأمم لا يحميها النفط وحده، ولا الاقتصاد وحده، ولا التحالفات الدولية وحدها، بل تحميها قبل كل شيء عقيدتها الجامعة وإيمانها التاريخي بحقها في البقاء. 

ولهذا فإن ذكرى انضمام الرئيس مسعود بارزاني إلى صفوف البيشمركة ليست مناسبة احتفالية عابرة بل لحظة مراجعة تاريخية لمعنى الوجود الكوردي نفسه. إنها تذكير بأن الأمم التي تمتلك ذاكرة مقاومة لا تموت، وأن الشعوب التي تحوّل تضحياتها إلى وعي سياسي وهوية راسخة قادرة دائماً على إعادة إنتاج قوتها مهما تبدلت الظروف.

وفي النهاية، قد تتغير الأنظمة والتحالفات والخرائط، لكن ما سيبقى في ذاكرة كوردستان هو أن البيشمركة لم تكن مجرد رجال حملوا السلاح بل كانت العقيدة التي أنقذت أمة كاملة من الضياع، وسيبقى الرئيس مسعود بارزاني بالنسبة لقطاعات واسعة من الكورد ليس فقط قائداً سياسياً، بل أحد الحراس التاريخيين للهوية الكوردية الحديثة، الرجل الذي فهم مبكراً أن الوطن لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالإيمان العميق بأن الكرامة القومية تستحق أن يُضحّى لأجلها جيلاً بعد جيل.