انعاكسات وتداعيات زيارة الرئيس مسرور بارزاني إلى بغداد على تحقيق التوازن السياسي والاقتصادي مع الحكومة المركزية
تعد زيارة السيد مسرور بارزاني إلى بغداد اليوم الموافق ٢٣ ايار ليست زيارة بروتوكولية عادية فقد بل تحمل أبعاداً أعمق تتعلق بإعادة ترتيب التوازن السياسي والاقتصادي داخل العراق، خصوصاً مع تراكم الأزمات بين أربيل وبغداد خلال السنوات الأخيرة.
ما الذي يجعل الزيارة مهمة الآن؟
هناك 5 ملفات ضاغطة دفعت الطرفين للجلوس بشكل جدي:
* أزمة رواتب موظفي الإقليم.
* توقف تصدير نفط كوردستان عبر تركيا.
* الضربات الأمنية والطائرات المسيّرة على مواقع الطاقة.
* مشروع “طريق التنمية”.
* إعادة ترتيب التحالفات السياسية قبل الاستحقاقات المقبلة.
الزيارة تعني أن الطرفين وصلا إلى قناعة بأن استمرار القطيعة أصبح مكلفاً للجميع.
⸻
أولاً: المكاسب الحقيقية المحتملة من الزيارة
1. محاولة إنقاذ الاقتصاد الكوردي والعراقي معاً
إقليم كوردستان يواجه ضغطاً مالياً كبيراً منذ توقف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي. هذا التوقف حرم الإقليم من مصدره المالي الأساسي، وفي المقابل بغداد أيضاً خسرت جزءاً مهماً من الإيرادات النفطية والتدفقات التجارية.
لذلك، أحد الأهداف الرئيسية للزيارة هو:
* التوصل إلى صيغة جديدة لإدارة النفط.
* الاتفاق على آلية لتسليم الإيرادات.
* إعادة تشغيل خط التصدير التركي.
إذا تم الاتفاق، فسيكون ذلك انفراجاً اقتصادياً كبيراً للطرفين.
⸻
1. بارزاني يحاول تثبيت الإقليم كشريك اقتصادي لا كعبء سياسي
في السنوات الماضية كانت العلاقة تُدار غالباً بمنطق:
“أربيل تطلب وبغداد تدفع”
أما الآن، فهناك محاولة لتغيير الصورة إلى:
“الإقليم بوابة اقتصادية وتجارية للعراق”
خصوصاً عبر:
* الربط مع تركيا.
* مشاريع الطاقة.
* التجارة البرية.
* مشروع طريق التنمية.
هذه نقطة مهمة لأن حكومة الإقليم تدرك أن شرعيتها المستقبلية لن تُبنى فقط على الخطاب القومي، بل على قدرتها الاقتصادية أيضاً.
⸻
1. بغداد أيضاً تحتاج التهدئة مع أربيل
الحكومة الاتحادية ليست في وضع يسمح بفتح أزمة كبيرة مع الإقليم الآن، للأسباب التالية:
* العراق يعيش توترات إقليمية معقدة.
* ملف الفصائل والسلاح حساس.
* الاقتصاد يعتمد على الاستقرار النسبي.
* واشنطن وأنقرة تضغطان باتجاه تفاهم دائم بين بغداد وأربيل.
لذلك بغداد ترى أن:
“احتواء الإقليم أفضل من الصدام معه”
خصوصاً أن أي انهيار اقتصادي في كوردستان قد يخلق فوضى أمنية وهجرة واستنزافاً سياسياً للعراق كله.
⸻
ثانياً: التداعيات الحقيقية والمخاطر
1. الصراع ليس مالياً فقط… بل صراع نفوذ
الخلاف بين بغداد وأربيل ليس مجرد رواتب ونفط، بل يتعلق بسؤال أعمق:
من يملك القرار السيادي الحقيقي في العراق؟
بعض القوى في بغداد ترى أن:
* الإقليم يتحرك باستقلالية كبيرة.
* لديه علاقات خارجية مباشرة مع تركيا وأمريكا.
* يدير ملف النفط بعيداً عن المركز.
بينما ترى أربيل أن:
* بغداد تستخدم الميزانية والرواتب كأداة ضغط سياسية.
لذلك حتى لو وُقعت اتفاقات، يبقى انعدام الثقة مشكلة أساسية.
⸻
1. ملف تركيا حساس جداً
زيارة بارزاني جاءت بعد تحركات واتصالات مع تركيا، وهذا يثير قلق بعض القوى العراقية القريبة من إيران.
السبب:
* أنقرة تريد دوراً اقتصادياً وأمنياً أوسع كوردستان العراق.
* تركيا تعتبر كوردستان ممراً مهماً لمشاريع الطاقة والتجارة.
* بعض الفصائل تخشى توسع النفوذ التركي داخل العراق.
لذلك أي اتفاق اقتصادي كبير قد يتحول سريعاً إلى ملف صراع إقليمي غير معلن.
⸻
1. التحدي الأمني أخطر من السياسي
حتى لو اتفقت الحكومتان، يبقى السؤال:
هل توجد قدرة فعلية لحماية الاستثمارات وقطاع الطاقة؟
الضربات بالطائرات المسيّرة على منشآت النفط خلال الفترات الماضية أوضحت أن:
* بعض الأطراف قادرة على تعطيل أي تفاهم اقتصادي بالقوة.
* المستثمرين الأجانب قلقون جداً.
* شركات الطاقة تريد ضمانات أمنية حقيقية لا وعود سياسية فقط.
وهذا ربما أخطر ملف مطروح خلف الكواليس.
⸻
1. طريق التنمية قد يخلق رابحين وخاسرين
مشروع “طريق التنمية” ليس مجرد طريق نقل، بل مشروع يعيد رسم الاقتصاد العراقي.
إذا دخل الإقليم بقوة في المشروع:
* سيصبح مركز عبور تجاري مهم.
* سيعزز علاقته بتركيا.
* سيحصل على نفوذ اقتصادي إضافي.
لكن بالمقابل:
* بعض المحافظات قد تشعر بالتهميش.
* قد تبدأ منافسة سياسية حول مسارات التجارة والاستثمار.
⸻
ثالثاً: ماذا يريد كل طرف فعلياً؟
أربيل تريد:
* ضمان الرواتب.
* إعادة تصدير النفط.
* تثبيت وضع الإقليم اقتصادياً.
* تقليل الضغوط المالية والسياسية.
* اعترافاً عملياً بصلاحياتها.
بغداد تريد:
* السيطرة القانونية على ملف النفط.
* منع أي استقلال اقتصادي كامل للإقليم.
* الحفاظ على وحدة القرار المالي.
* تهدئة العلاقة دون تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة.
⸻
التقييم الواقعي للزيارة
الزيارة مهمة، لكنها ليست “حل الأزمة”.
الأرجح أنها:
* تفتح باب تفاهمات جديدة.
* تخفف التوتر مؤقتاً.
* تؤسس لاتفاقات مرحلية.
لكن الخلافات البنيوية بين بغداد وأربيل ما تزال قائمة منذ 2003، وتتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها:
* مركزية أم اتحادية؟
* من يسيطر على الثروات؟
* ما حدود استقلال الإقليم؟
ولهذا فإن نجاح الزيارة يُقاس ليس بالتصريحات، بل بما سيحدث لاحقاً في:
* الرواتب،
* النفط،
* التصدير،
* والتنسيق الأمني