خمسون عاماً على ثورة كولان.. حين نفض الأمل غبار اليأس

خمسون عاماً على ثورة كولان.. حين نفض الأمل غبار اليأس
خمسون عاماً على ثورة كولان.. حين نفض الأمل غبار اليأس

إن اتفاقية الجزائر المشؤومة الموقعة بين العراق وإيران في 6 آذار 1975، أدخلت الثورة الكوردية في نكسة كبيرة، مما جعل اليأس يخيم على شعب كوردستان. لقد أصيب الكورد بصدمة وذهول لدرجةٍ لم يكن معها أحدٌ يعرف ماذا سيحدث أو كيف سيكون المستقبل، فكان الناس في حالة من الضياع والتشتت. لكن ثورة "كولان" أوقدت مشعلاً جديداً في نضال التحرر الوطني لشعب كوردستان، وأصبحت المكملة لثورة أيلول التي جمعت فعلياً كل الشعب الكوردي حول حزب واحد وقائد واحد، وهما الحزب الديمقراطي الكوردستاني والبارزاني الخالد.

إلا أن الظروف والمرحلة التي اندلعت فيها ثورة كولان كانت مختلفة؛ حيث لم يعد الحزب الديمقراطي الكوردستاني الحزب الوحيد على الساحة الكوردستانية، بل ظهرت عدة أحزاب أخرى. كما أن أغلبية الشعب الكوردي كانت إما لاجئة في إيران أو مهجرة إلى مدن جنوب العراق. باختصار، كان الكورد مشتتين ومنكسري الخواطر، لذا كان العمل في عهد ثورة كولان أصعب وأكثر قسوة.

من جهة أخرى، كان الكثيرون يعتقدون أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني لن يتمكن من الوقوف على قدميه مرة أخرى، خاصة بعد مرض البارزاني الخالد وذهابه إلى الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج. لكن الحزب، وكعادته دائماً، أثبت للجميع هذه المرة أيضاً أنهم كانوا على خطأ، وأن الحزب لا ينتهي أبداً؛ إذ قد يمرض لكنه لا يموت.

لقد اتهم البعض، ومن بينهم جزء من قيادات الحزب، البارزاني بأنه هو من أنهى ثورة أيلول، وزعموا أنه لو لم يفعل ذلك لما واجه الكورد تلك المآسي. لكن البارزاني، وبحكم خبرته الطويلة في السياسة والثورة، كان يدرك أن المؤامرة هذه المرة كانت كبيرة جداً وتهدف إلى إبادة الشعب الكوردي بالكامل. لذلك، لم يغامر بشعبه وفضل أن تنكسر الموجة في شخصه، على أن يواجه شعبه الخزي والدمار. لقد أدى المسؤولية الملقاة على عاتقه على أكمل وجه، ولم يمنع أحداً من إشعال الثورة من جديد، بل خيّر الناس بين اللجوء إلى إيران أو البقاء في العراق؛ لأنه كان يعلم يقيناً أنه لو استمرت الثورة حينها، لتعرض كورد العراق للإبادة أو لضاع جزء كبير منهم، لذا لم يقدم على تلك المخاطرة.
ورغم حل المكتب السياسي وتشتت وانفصال عدد كبير من القادة والكوادر، إلا أنه ظلت هناك مجموعة من الكوادر والأعضاء المخلصين في إيران، حاولوا تنظيم أنفسهم في إطار سياسي وإعادة بناء هيكلية الحزب، رغم وقوعهم تحت مراقبة مشددة من الأجهزة الأمنية الإيرانية (السافاك).

لذلك، وفي فترة قصيرة بعد النكسة، بدأ الحزب بتأسيس "القيادة المؤقتة" لتنشيط تنظيماته في الداخل، وبين اللاجئين، وفي الخارج، والسعي لزيادة عدد المفرزات (المجموعات المسلحة) التي بقيت داخل البلاد. وضع الحزب في البداية عدة أهداف، منها: الاهتمام بالتنظيمات بين اللاجئين في إيران، والاستعداد السياسي والعسكري للعودة في أسرع وقت إلى جنوب كوردستان، وتقييم مرحلة ثورة أيلول ودراسة نتائج اتفاقية الجزائر.

وفي أواخر عام 1975، أصدرت القيادة المؤقتة بيانها الأول بعنوان: (كوردستان هي الساحة الحقيقية للنضال، وبشعار جماهير شعبنا نرفض واقع النكسة). وأكد البيان استمرار النضال وعدم استسلام الشعب الكوردي، وطرح سياسة جديدة وأهدافاً وأساليب نضالية مستحدثة. وفي أول خطوة عملية، عاد عدد من قادة الحزب إلى جنوب كوردستان للإشراف على الأنشطة الميدانية.

لم تكتفِ ثورة كولان بالنضال المسلح، بل أولت اهتماماً كبيراً بالجانب الإعلامي لتوعية الشعب وإخراجه من حالة اليأس. لذا، وبالإضافة إلى البيانات، أصدرت العدد الأول من جريدة "خبات" (النضال) في شهر آب 1976، لتكون أول جريدة ثورية تُطبع وتوزع من جبال كوردستان بعد النكسة. كما استأنفت إذاعة "صوت كوردستان" بثها في عام 1977.

وعليه، فإن ثورة 26 كولان التقدمية، التي أتمت عامها الخمسين، كانت انعطافة مهمة في نضال حركة التحرر الوطنية الكوردية. لقد بددت اليأس وأعادت الأمل لشعب كوردستان. وإن التجربة الحالية في إقليم كوردستان، التي نتجت عن الانتفاضة ثم البرلمان والحكومة، هي ثمرة من ثمار تلك الثورة التقدمية التي ننعم بظلالها اليوم.