عادل الجبوري
كاتب وصحافي عراقي
جرائم بشعة لاتسقط بالتقادم
أصدرت المحكمة الجنائية العليا قبل بضعة أيام حكم الإعدام بالمجرم "عجاج احمد حردان التكريتي". ولمن لايعرف هذا الاسم، فهو كان يلقب بـ(جلاد سجن نكرة السلمان) في صحراء محافظة المثنى، ذلك السجن السيء الصيت، الذي كان محطة عذاب شاقة ومروّعة، ومقبرة لاف الناس الابرياء من مختلف مكونات الشعب العراقي في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
ومن الطبيعي ان يكون القائمين على ذلك السجن المرعب وسيء الصيت، وكبار سجانيه، من عتاة القتلة والمجرمين، الفاقدين لادنى درجات الإنسانية والضمير والأخلاق. ولعل "عجاج احمد حردان التكريتي"، كان واحدا من ابرز هؤلاء السجانين، بما عرف عنه من استخدام أساليب مروّعة، من الصعب بمكان تخيلها، في تعذيب الأبرياء. وما نقله بعض الحاضرين من ضحاياه في جلسات محاكمته، مما كان يفعله بالسجناء، سواء من الكورد او العرب او التركمان، او او او، لايمثل سوى نزرا يسيرا من مجمل سيرته ومسيرته الاجرامية الممتدة سنين طوال.
ولاشك ان عجاج التكريتي، يمثل واحدا من بين الكثير من السفاحين المجرمين، الذين تسببوا بتغييب اعداد كبيرة من العراقيين، وقد تم القاء القبض على بعض هؤلاء السفاحين المجرمين، وانزال القصاص العادل بهم، فيما لايزال البعض الاخر منهم، هاربين ومتخفين هنا وهناك، لكنهم بالتأكيد لن يفلحوا في الافلات من العقاب الى الابد، وبأي حال من الأحوال لايجب ان يفلتوا، لان التكريم الحقيقي للضحايا، سواء الذين غادروا الدينا، او الذين مازالوا على قيد الحياة، يتمثل بالاقتصاص ممن ظلموهم وعذبوهم، قبل أي تكريم مادي ومعنوي اخر.
القاء القبض على عجاج التكريتي واخضاعه للمحاكمة، وكشف كل جرائمه، يعد امرا مهما للغاية، وانجازا يحسب للجهات الامنية والقضائية. وقبل ذلك، مثلت عملية تنفيذ حكم الإعدام بحق قاتل الشهيد السيد محمد باقر الصدر، واخته العلوية امنة بنت الهدي، إنجازا مهما اخر. اذ ان المجرم سعدون صبري القيسي، لم يكن اقل اجراما ودموية من عجاج التكريتي، ان لم يكن أسوأ منه، فكلاهما ينحدران من ذات الجذور والمدرسة الاجرامية التي أسسها واوجدها نظام حزب البعث المقبور، والتي لم ينجو من اجرامها حتى الكثير من كبار قيادات الحزب، ولعل قائمة الذين جرى تصفيتهم تطول وتمتد بإمتداد الفترة الزمنية من عام 1968 وحتى عام 2003.
السنن والقوانين الإلهية والتجارب البشرية، تؤكد وتثبت ان الظلم لايمكن ان يستمر ويدوم، ولابد للظالم ان يواجه مصيره المحتوم، ان عاجلا ام اجلا. فالجرائم لاتسقط بالتقادم، ومن تعرضوا للظلم وكابدوا قساوة وبطش الظالمين المجرمين، لايمكن ان ينسوا او يتناسوا ما مرّ بهم من ماسي وويلات، وما اعتقال ومحاكمة القيسي والتكريتي، وما القصص والشواهد المؤلمة التي وردت على السنة الضحايا وذويهم الا مصاديق واضحة وجلية على ذلك.
ولاشك ان ترسيخ وتكريس قيم التسامح والتعايش، والعمل على اصلاح وترميم كل ما خربه ودمره وتسبب به النظام البائد، شيء مهم جدا، ويفترض ان يحتل صدارة أولويات المعنيين بإدارة شؤون البلاد والعباد، لكن كل ذلك يجب ان لايشمل من اوغلوا في دماء الأبرياء، وازهقوا الأرواح، وارتكبوا ابشع الجرائم، فهؤلاء ينبغي ان يلاحقوا ويحاكموا وينالوا الجزاء العادل. ولابد ان توثق جرائمهم من خلال الكتب والأفلام والمسلسلات والمعارض والمهرجانات والمناهج، مثلما توثق تضحيات وماسي والام الضحايا، ومثلما توثق جرائم تنظيمات القاعدة وداعش وكل عناوين الإرهاب والتكفير، ومثلما توثق جرائم الاحتلال.
وكما شغلت وستشغل أسماء الضحايا من مراجع دين، وعلماء، ومفكرين، وساسة، ومثقفين، واناس عاديين من الرجال والنساء والاطفال، صفحات التأريخ البيضاء، يفترض ان تشغل أسماء السفاحين والقتلة والمجرمين صفحات التأريخ السوداء.