رمزي ميركاني
كاتب
الرئيس مسعود بارزاني: فلسفة القيادة بين صرامة (البيشمركة) ورقة (الأب)
في أدبيات النضال التحرري، غالباً ما تذوب ملامح القائد في صرامة القرارات العسكرية وجدلية المناورات السياسية. لكن في كوردستان، يقدم الرئيس مسعود بارزاني نموذجاً مغايراً للقيادة؛ نموذجاً يرتكز على معادلة فريدة تجمع بين صرامة "البيشمركة" في الدفاع عن الأرض، ورقة "الأب" في احتضان الإنسان. إنها رؤية تتجاوز مفهوم السلطة لتستقر في مفهوم "الأمانة"، حيث يصبح الاستثمار في العقل البشري هو الضمانة الوحيدة للسيادة، وتصبح مشاركة الشعب آلامه هي الشرعية الأسمى للبقاء.
لقد أدرك الرئيس بارزاني مبكراً أن البندقية التي حمت كوردستان من الإبادة، يجب أن يسندها "قلم" يحميها من التهميش والنسيان. من هنا انبثقت رؤيته في "الاستثمار بالإنسان" كركيزة لمستقبل الإقليم. بالنسبة له، فإن الطالب المتفوق هو "بيشمركة" في جبهة العلم، والعالم الذي ينال اعترافاً دولياً هو سفير فوق العادة لهوية تأبى التهميش.
تتجلى هذه الرؤية في احتفائه بالعالم الكوردي الدكتور رشاد ميران، الذي نال "ميدالية بوشكين"؛ فهذا التكريم لم يكن مجرد احتفال بأكاديمي، بل هو إعلان رسمي بأن العقل الكوردي قادر على محاورة كبرى الأمم بلغة العلم والإثنوغرافيا. وبذات الحماس، يرى بارزاني في إنجازات الأبطال الرياضيين، أمثال "نامو فاضل" في حلبات الملاكمة الأمريكية و"بادين حسو" في ألمانيا، "قوة ناعمة" ترفع علم كوردستان في المحافل التي لا تصلها الدبلوماسية التقليدية. إضافةً إلى زياراته للمناضلين القدامى، من أمثال حميد فندي، وكريم سنجاري، وخورشيد شيره، ومحسن دزيي، والاطمئنان عليهم. إن تكريم هؤلاء المبدعين هو رسالة لكل شاب كوردي: "أنت ذخيرتنا الحقيقية".
ينفرد الرئيس مسعود بارزاني بصفة "الارتباط العضوي" مع شعبه. فهو الذي أعلن مراراً: "أنا بيشمركة قبل أن أكون رئيساً"، ولم يترك هذه المقولة حبيسة الشعارات، بل ترجمها في أسلوب حياته اليومي. إن فلسفة "مدرسة البارزاني الخالد" تقوم على أن القائد هو أول من يضحي وآخر من يستريح، وهو ما يفسر حرصه الدائم على التواجد في قلب الأحداث الاجتماعية.
في مجالس العزاء، يظهر مسعود بارزاني كمواطن يتقاسم الحزن مع ذوي الفقيد، بعيداً عن البروتوكولات المتصلبة. لم تكن مواساته في فاجعة المعلمة "آفيستا" التي رحلت في حادث غرق مأساوي، أو حضوره في عزاء "البيشمركة الستة" الذين استشهدوا في قصف غادر، أو وقوفه مع عائلة الشهيد "موسى أنور"، مجرد واجبات اجتماعية؛ بل هي "جبر للخواطر" وترسيخ لمبدأ أن دم الإنسان الكوردي هو أغلى ما يملكه الوطن.
لم تقتصر إنسانية البارزاني على دائرة ضيقة، بل امتدت لتشمل كل من يعيش على أرض كوردستان أو يرتبط بقضاياها العادلة. فحينما وقعت فاجعة حريق "الحمدانية"، تحركت مشاعر الأب فيه قبل قرار المسؤول، ففتح أبواب المستشفيات وقلبه للضحايا، مؤكداً أن كوردستان هي الملاذ الآمن والبيت الذي يتسع للجميع في أحزانهم قبل أفراحهم. هذه المواقف هي التي تصنع "اللحمة الوطنية" الحقيقية، حيث يشعر المواطن، أياً كان انتماؤه، أن خلفه قيادة تشعر بوجعه وتنتصر لكرامته.
إن القيادة عند الرئيس البارزاني هي مشاركة وجدانية كاملة؛ فكما يوقد شعلة "نوروز" في أربيل وعقرة ليبث روح الأمل والتجدد في نفوس الشباب، يطرق أبواب البيوت المنكوبة ليخفف وطأة القدر. هذا التوازن بين الاحتفاء بالحياة (العلم والرياضة والأعياد) وبين الوفاء للراحلين (الشهداء والمبدعين) هو ما منح المجتمع الكوردستاني حصانة ضد الانكسار. إن رؤية الرئيس مسعود بارزاني هي رحلة انتقال مدروسة من "الجبل إلى المنصة"، ومن "الدفاع عن الوجود إلى صناعة الوجود". إنه يؤسس لدولة لا تُبنى بالإسمنت والحديد فقط، بل تُبنى بالعقول المبدعة والقلوب المتراحمة.
إن الملحمة التي سطرها الرئيس البارزاني في "الاستثمار بالإنسان" وفي "المواساة الإنسانية" تقول للعالم: إن الشعب الذي أنجب هؤلاء المبدعين، والذي يمتلك قائداً يشعر بألم أبسط مواطنيه، هو شعب لا يمكن هزيمته. إنها مدرسة الوفاء التي ستبقى منارة للأجيال القادمة، لتتعلم أن عظمة القادة لا تُقاس بما يملكونه من سلطة، بل بما يقدمونه من محبة وكرامة وعلم لشعوبهم. كوردستان اليوم، برؤية الرئيس بارزاني، تسير بخطى واثقة نحو مستقبل يكتبه القلم، ويحميه الوفاء، ويشرق فيه الإنسان أولاً وأخيراً.