مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
الاستراتيجية البرّاكية.. هل بدأت مرحلة الحسم الامريكي تجاه العراق؟
قرار تعيين توم براك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا، بالتوازي مع بقائه سفيراً للولايات المتحدة في تركيا، يتجاوز فكرة سدّ شغور دبلوماسي؛ نحن أمام تطور في طريقة إدارة البيت الأبيض لملفات الشرق الأوسط المتشابكة.
فالرئيس دونالد ترامب، بأسلوبه البراغماتي المعروف، لا يميل لرجال المكاتب والبيروقراطية التقليدية، بل يضع رهانه على رجال الثقة الذين يمتلكون عقلية رجال الأعمال وشبكات العلاقات العابرة للحدود. وتوم براك، الملياردير ذو الأصول اللبنانية والمقرب تاريخياً من ترامب، هو التجسيد المثالي لهذا النهج، خاصة بعد نجاحه مؤخراً في إدارة ملفات شائكة بين سوريا وتركيا.
هذا التعيين لم يأتِ من فراغ، بل يرتبط بثلاثة تحولات استراتيجية تفرض نفسها اليوم:
أولاً، نجد أن واشنطن تتخلى عن النظرة المجزأة للمنطقة عبر دمج ملفات العراق وسوريا وتركيا تحت إدارة "رجل واحد". هناك قناعة اليوم بأن الجغرافيا السياسية الممتدة من أنقرة إلى بغداد تحتاج إلى طرف يمكن الاعتماد عليه، وهنا يبرز إقليم كوردستان أحد أكثر الحلفاء موثوقية وسط مشهد إقليمي مضطرب، مما يمنح أربيل هامشاً أكبر للمناورة السياسية كبوابة أساسية للمشاريع الأمريكية.
ثانياً، يأتي التعيين متزامناً مع نيل حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، ثقة البرلمان. وتدرك واشنطن جيداً أن استقرار هذه الحكومة مرهون بالتفاهم مع أربيل؛ لذا سارع براك بالتواصل مع القيادة الكوردستانية بالتوازي مع بغداد، إدراكاً منه أن أربيل تمتلك قدرة فعلية على التأثير على أي مسار سياسي لا يضمن توازن القوى.
ثالثاً، يتحرك براك في توقيت حساس وسط أنباء عن مسودات تفاهم أمريكية-إيرانية. الرسالة هنا واضحة: أمن إقليم كوردستان قضية شديدة الحساسية بالنسبة لواشنطن، والهدف هو وضع حد نهائي لمرحلة الهجمات المتكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت اقليم كوردستان سابقاً.
وتشير التحركات الأخيرة لبراك إلى أن الخطة الأمريكية القادمة سترتكز على ثلاث ركائز أساسية، يُعامل فيها إقليم كوردستان كشريك رئيسي في المعادلة:
على المسار النفطي والمالي، منذ توقف صادرات النفط عبر جيهان عام 2023، بقي الملف أحد أكثر الملفات تعقيداً بين بغداد وأربيل. توم براك، بعقليته الاستثمارية ومن منصبه في أنقرة، يرى أن استئناف تدفق النفط مصلحة حيوية لأسواق الطاقة وللشركات الأمريكية. لذا، من المرجح أن تمارس واشنطن ضغوطاً على بغداد للاعتراف بالخصوصية القانونية والمالية للإقليم، وضمان حقوقه ورواتب مواطنيه كأولوية للاستقرار.
أما في ملف الطاقة، فيمتلك إقليم كوردستان ثروة غازية واعدة في حقول كبرى مثل "كورمور". خطة براك تسعى لتحويل الإقليم إلى مركز مهم لإنتاج وتوزيع الطاقة يمد وسط وجنوب العراق بالغاز والكهرباء بدعم واستثمارات أمريكية مباشرة. هذا التحول سيسحب تقليص أدوات الضغط التي كانت تستخدمها أطراف إقليمية، ويجعل بغداد تعتمد اقتصادياً على استقرار أربيل.
وفي الشق الأمني، يبقى الملف الأكثر حساسية هو دمج الفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة. الخطوات التي تتخذها بغداد اليوم لحصر السلاح تحظى بدعم مباشر من واشنطن، والهدف هو الحد من نفوذ هذه الفصائل على تهديد أمن العراق واقليم كوردستان، مع تعزيز التنسيق بين الجيش العراقي والبيشمركة كقوة نظامية شريكة.
وبالرغم من تعقيدات الساحة، يدخل إقليم كوردستان هذه المرحلة بعناصر قوة مهمة. فوجود براك في تركيا يمنح الإقليم عامل إضافي يصب في مصلحة الإقليم، حيث تشكل الروابط المتينة بين أربيل وأنقرة مظلة قوية لمواجهة أي ضغوط من الفصائل في بغداد.
وعند استشراف المرحلة المقبلة، تتضح ملامح مشهد يعيد رسم التوازنات ويكرس موقع إقليم كوردستان كطرف مؤثر. فالعلاقة بين بغداد وأربيل تتجه نحو تفاهم واسع برعاية أمريكية، ستجبر بغداد على صياغة قراراتها بالشراكة الكاملة مع الإقليم كطرف ندّي لا يمكن تهميشه.
اقتصادياً، يتحول الإقليم سريعاً إلى ممر رئيسي للطاقة يربط تركيا بالعراق، مما يمنحه مساحة أكبر من الاستقلال الاقتصادي ويجعل حماية منشآته مصلحة مهمة لعدة أطراف دولية. أما أمنياً، سنشهد تحويل الدعم الأمريكي إلى إطار أكثر استقرارا لقوات البيشمركة وتطوير قدراتها ضمن اتفاقيات طويلة الأمد، لضمان بقائها طرف مهم في المنظومة الأمنية للمنطقة.
في المحصلة، قد يشكل تعيين توم براك مؤشراً على تحول في طريقة إدارة واشنطن لملفات المنطقة، تنقل السياسة الأمريكية من إدارة الأزمات إلى مرحلة أكثر وضوحاً في اتخاذ القرار. هذه الخطوة تعكس رغبة إدارة ترامب في صياغة مشهد إقليمي جديد يربط الملفات برؤية اقتصادية وأمنية موحدة يقودها رجل صفقات يمتلك تفويضاً مباشراً.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تملك واشنطن الأدوات الكافية لفرض هذه الرؤية؟
وفي قلب هذه الاستراتيجية، لم يعد إقليم كوردستان مجرد طرف يناور للحصول على ميزانية، بل برز كحليف استراتيجي وطرف يصعب تجاهله. في المرحلة المقبلة ستتحدث لغة الأرقام والمصالح؛ حيث ستُدفع بغداد "لضمان استقرار حكومة الزيدي" إلى القبول بتسوية تاريخية تضمن الحقوق النفطية والدستورية لأربيل، مع تحويل الإقليم إلى عنصر أساسي في ملف الطاقة.
هذا الصعود سيكون محصناً بضمانات أمنية أمريكية أكثر وضوحا، مع الانتقال بالوجود العسكري إلى صيغة اتفاقيات ثنائية تضمن تطوير قدرات البيشمركة. والنجاح هنا مرهون بكيفية استثمار هذه اللحظة من قبل القيادة الكوردستانية لترسيخ مكانة الإقليم كمنطقة مستقرة نسبيا لا يمكن تجاوزها في مستقبل المنطقة.