لينا ساليي
كاتب
أسطورة مرقد "چاکی بن عەردی " أو الرجل الصالح(المعتكف الغيهب)
المرقد هو أول ما تنطق به الروح حين تبحث عن ملاذ لها من الدنيا ، وهو تلك الكلمة التي ما إن تمر على الشفاه حتى تنقل الإنسان فوراً إلى جلباب السكينة الخافتة،الدثار الهيبة الملكوتية،الخلعة الوجد الصامت. هناك خلف ذلك الباب الأخضر العتيق في عام 1975، يقف المرقد كأنه برزخ بين زمنين؛ كأن مقام يتجلى بين الغيب و الشهادة كأن بوابة فاصيلة بين الحس والمعنى، لحيث تلسعك برودة غامضة تنسل من عتمة باطن الأرض، لكنها تمتزج بدفء رحيم يحتضن القلب كأنه حضن أم رؤوف. داخل هذا المرقد، كانت الحركة لا تهدأ. النقاء يملأ الأجواء، والنساء الكرديات يملأن المكان بحكاياتهن وآمالهن. لم يكن المرقد مجرد مزار، بل كان ملاذاً تأتي إليه النساء سيراً على الأقدام، يحملن في قلوبهن أماني
ولكي ترى هذا المكان بعين قلبك كأنك تخطو فيه الآن، فهو ليس جدراناً من الطين، بل هو واحة من النور الرقيق الذي يمحو كل كدر تحمله النفس، وهو محطة الانكسار الجميل حيث يخلع المرء كبرياءه عند العتبة ليتساوى الجميع في الفقر إلى الله. هو جسر روحي معلق تظن وأنت فيه أن دعاءك قد بلغ السماء قبل أن يرتد إليك طرفك، وهو صندوق أسرار المدينة الخفي الذي دفنت فيه الأجيال دموعها، فما عاد التراب تراباً بل صار مزيجاً من غبار المناجاة. وأخيراً، هو (مرآة النفس الخالصة، تقصده كي تلتقي بروحك التي أوجعتها الأيام، فتخرج منه وكأنك ولدت من جديد)
أما الضريح في داخله فيرقد مهيباً صامتاً، لا تخطئه العين إذ يتوشح بثوب من القماش الأخضر الشاش، ويلتف فوقه شال أخضر منسوج بعناية، تمد النساء أيديهن إليه بتمهل ووجل، ثم يمسحن بها على وجوههن وصدورهن لعل تلك البركة تطفئ ناراً في نفوسهن، بينما تعبق الأجواء برائحة البخور وماء الورد التي تفتح للصدر منافذ الراحة.
خارج عتبة هذا الضريح، كانت أقدام النساء بملابسهن الداكنة ترسم خط سير مجروح بين الدموع والرجاء. لم يكن العقم هو الوجع الوحيد الذي يقودهن إلى هنا، فالغصات في قلوب النساء شتى كألوان الحياة.
فهذه امرأة مشت بين سنين زواجها طويلاً دون أن تقطف ثمرة، تسير ويدها على بطنها تقرأ الفاتحة وعينها على الممر الأرضي. وإلى جوارها شابة في سنتها الأولى من الزواج، يرتجف قلبها خوفاً من المجهول، فتأتي لتطلب الستر والأمان في مطلع دنياها. وهناك أم هد التعب حيلها وهي ترى ولدها يذوي مريضاً، وأخرى أعياها جفاء الدهر وقسوة الناس.
كانت خطواتهن ثقيلة بالهموم، لكنها خفيفة باليقين. وحين يجتمعن في زوايا المرقد، تنفتح بينهن حوارات تفيض لطفاً وشجناً؛ فتقول الواحدة للأخرى وعبرتها تخنقها: يا أختي، انقطعت بي حبال الأسباب وما عاد لي باب إلا باب الله الشافي عند أعتاب هذا العبد الصالح". فتربت الأخرى على كتفها وتجيبها: "ناد باسم الله، فمن يقصد هذا العبد الصالح بنية صادقة لا يعود مكسور الخاطر، وسيحقق الله أمنيتك ولو كانت بعيدة كالنجوم".ولأن الراحة لا تنال إلا بعد مشقة
كان الزوار، وخصوصاً كبار السن الذين نهش الروماتيزم مفاصلهم وأقعدهم العجز، يتوجهون نحو ذلك الممر الأرضي الضيق الذي يمتد لخمسة كيلومترات في كبد الثرى. كان المشهد يبعث في النفس ذهولاً مهيباً؛ رجال ونساء يزحفون على ركبهم في تلك العتمة، يمتزج أنين أجسادهم ببكاء أرواحهم، لكنهم كلما أوغلوا في داخل الأرض، شعروا بخفة عجيبة، وكأن هذا الطين يمتص أوجاعهم ليستبدلها بالعافية والطمأنينة.
وفي قلب هذا السكون الارتحالي، تنتصب امرأة ينادونها بلغة المكان {مجێور خاتوون}، يأتي بمعنى (لخدمة الضريح) هذه الكلمة ليست مهنة، بل هي رتبة روحية لامرأة نذرت عمرها لخدمة الضريح وحراسته. كانت مسنة وقورة، ملامح وجهها طيبة وعميقة تشبه تفاصيل المرقد العتيقة، ترتدي ملابسها الكردية التقليدية بألوانها الرصينة.
بيدين خط فيهما العمر طرقاً من التجاعيد، كانت ماهرة في نشر اللطف؛ تنظف المرقد بمكنستها البسيطة، وتنفض الغبار عن الشال الأخضر برفق شديد كأنها تداوي جراحاً. كانت صامتة غالب الوقت، لكن عينيها تفيضان بالرحمة، تقدم جرار الماء البارد لمن أنهكه الزحف، وتمسح على ركب العجزة بخرقة مبلولة بماء الورد، لتكون هي السكن الأول لكل من دخل خائفاً أو مكسوراً.
وفي الخارج، بين أشجار المكان الكثيفة، كان الصغار يركضون والشباب يقفون مأخوذين بهيبة المشهد، حائرين بين جيل من الكبار يرى في هذا المرقد حلالاً بحتاً وباباً للبركة والتقرب إلى الله، وبين همسات أخرى تتحدث عن الحرمة والشبهة، مما جعل المكان يبدو في عيونهم سراً غامضاً يمتزج فيه الدين
أما صاحب هذا الضريح فهو العبد الصالح (محمد ، الذي سماه الناس بعد ذلك "چاکی بن عەردی" (صاحب الأعمال الحسنة في أعماق الأرض) أو "بياو چاك".
قبل خمسمائة عام، كان محمد يعيش في أعلى القلعة، يعمل أجيراً بسيطاً في بيت تاجر ثري جداً. كان يمر بين الناس هادئاً، ذو سمت حسن، لا يشعر به أحد، ولم يكن يعلم أحد أن تحت ثيابه الرثة يختبئ ولي مقرب. تراه في خلوته مُتبتِّلاً، وفي جلوته ربانياً هادئاً، لا تستفزه العواصف وكأنما يستمد وقاره من عالم آخر."
وفي إحدى السنين، رحل التاجر إلى الحج، وفي ذات يوم، صنعت زوجة التاجر طعاماً شهياً كان زوجها يحبه كثيراً، وقدمت منه صحناً للإمام محمد. نظرت المرأة إلى الزاد وتنهدت بشجن قائلة: "يا ليت زوجي كان هنا اليوم، فقد كان يعشق هذه الأكلة".
نظر محمد إليها بلطف وقال بيقين: "أعطيني الصحن، وأنا سأوصله إليه في مكة". ابتسمت المرأة في سرها وظنت أنه يتحجج بهذه الحيلة ليأخذ طعاماً إضافياً ليسد جوعه، فخجلت أن ترد خاطره وناولته إياه وهي تشفق على حاله وعقله.
مضت الأيام، وعاد التاجر من الحج. امتلأ الدار بالمهنئين الذين أقبلوا يقبلون يد التاجر احتراماً، لكن التاجر دفع أيديهم عنه وهو يبكي بحرقة وقال:
لا تقبلوا يدي أنا.. بل اذهبوا وقبلوا يد محمد! فقد رأيته بعيني في رحاب مكة، وهو من أحضر لي طعام بيتي ساخناً في غرفتي هناك!"
حينها صعق الجميع، وبكت الزوجة ندماً، وعرف أهل القلعة أن الأجير البسيط هو رجل مستجاب الدعوة. لكن محمداً لم يحتمل هذه الشهرة؛ فالصالحون يفرون من مديح البشر كما يفرون من النار. التفت إليهم بحزن وقال: "حتى الآن كنت في أمان ستر ربي، أما الآن فقد انكشف السر".
ترك محمد القلعة في نفس الليلة، وفر إلى هذه الأرض النائية، فحفر بيمينه هذا الممر الطويل في أعماق الأرض، وعاش هناك معتزلاً الأنام، تؤنسه الدموع والصلوات حتى توفاه الله. واليوم، حين أغلق هذا المكان ومنعت الكاميرات من دخوله، فما ذلك إلا لأن الله أراد أن يعيد لعبده الصالح ذلك الستر الذي مات من أجله، ليبقى مرقده درساً بليغاً: أن الخلاص الحقيقي لا يكون إلا باللجوء إلى الله في الخفاء.