لينا ساليي
كاتب
(جَوانميري هَرشتبر - جوانمێری هەرشتەبڕ) في منطقة النسيج عام 1991 في أربيل
(جَوانميري هَرشتبر - جوانمێری هەرشتەبڕ) في منطقة النسيج عام 1991 في أربيل
بقلم: لينا ساليي
لم تكن أزقة حي معمل النسيج في أربيل مجرد خطوطٍ جغرافية رسمتها يد التخطيط العمراني في عام 1974، بل كانت كالمغازل الحية التي تشابكت فيها خيوط القدر الإنساني مع طين الأرض وعناد البشر. في ذلك العام العتيق، انبعثتْ من صمت الضواحي ملامح ذلك الصرح الصناعي، ليتلقف في جواره وجيوبه العمرانية مئات العوائل الكردية الكادحة التي قذف بها قطار التهجير والقهر من قراها، فاستوطنت هذا الحي، وحوّلت شوارعه المتوازية وفروعه الضيقة إلى ملاذٍ للهوية والكفاح السري اليومي.
لكن حكايتنا الحقيقية تعود لتنبعث من عتمة البرد الدامس في حقبة التسعينيات من القرن المنصرم، حيث كانت المنطقة قد أخذتْ شكلها العمراني الراسخ، واكتست جدرانها الآجرية بمسحة من عراقة السنين وغبار الصمود الشتوي، حقبةٍ تجرعت فيها المدينة حصاراً تلو حصار، بيد أن روحها ظلت متمردة مستعصية على السحق والنسيان.
تبدأُ حكايتُنا مع الأكلةِ التراثيةِ (الهرشتة، أو ما يُعرفُ بـ هرشتي كوردي)، ذلك الطعام التقليدي الذي كان يُباعُ عبرَ معملٍ متنقلٍ يُدعى (کارگەی گەڕۆک)، وهو يتهادى ويتنقلُ بين فروعِ المنطقةِ وحاراتِها العتيقة، كان هذا المعمل يطوفُ بين فروعِ وحاراتِ المنطقة ليقدم نكهته الفريدة للأهالي.
وتدورُ أحداثُ قصتنا اليوم في منطقة "معمل النسيج" في مدينة أربيل، لتسليط الضوء على هذه الذاكرة الشعبية، حيثُ تتمازجُ الذكرياتُ الشجيةُ بنكهةِ التراثِ الأصيل، لتَروي لنا الأزقةُ قصةَ زمنٍ عاشَ على البساطةِ ودفءِ اللقاءات.
هناك، وسط أزقة متداخلة تموج بالحياة والكثافة البشرية، كان الناس في الفجر يصحون كل يوم على وقع (کارگەی گەڕۆک - المعمل المتنقل) لم يكن هذا المعمل دكاناً ثابتاً، بل كان محفلاً متنقلاً يطوف الفروع والسكك ليحمل إلى الأهالي قُوت الشتاء وزاد الهوية الكردية الأصيلة.
حينما يستقر هذا المحفل في زقاق، تنقلب الساحة إلى مشهد حي تتضافر فيه الجهود. تبدأ التفاصيل الدقيقة للصناعة من يد (کابانی ماڵ - ربة البيت المدبرة)، التي تعكف أولاً على إعداد (هەویر - العجين) في فناء دارها. تعجنه طويلاً بحرفية مستخدمةً الدقيق النقي والماء، حتى يشتد قوامه ويصبح كتلة متماسكة جاهزة للتحويل.
هنا يأتي دور (وەستا - الأسطى الحاذق) وفريقه. يحملون جهازاً يدوياً عجيباً يُثبّت بإحكام فوق (چوارپایە - الحامل أو الكرسي رباعي القوائم) المصنوع من الخشب أو الحديد الصلب. يتكون هذا الجهاز من (لوولەی کانزایی - أنبوب معدني أسطواني الشكل) يعمل كمستودع رئيسي. يُرفع الغطاء المعدني العلوي، فيأخذ الحرفيون كتلة العجين ويقذفون بها داخل جوف الأسطوانة.
في طبقة الغطاء العلوي، يكمن سر الحركة، إذ يتصل بها (بڕغۆ - لولب أو برغي ضخم) ينتهي بمكبس داخلي وله أربعة مقابض خارجية بارزة. يتقدم اثنان من (کرێکاران - العمال الكادحين)، يقبضان على تلك المقابض بكل ما أوتيا من عزم، ويبدآن بتدوير اللولب بحركة دائرية مستمرة وبطيئة. ومع كل دورة، يهبط المكبس داخل الأنبوب ليحدث ضغطاً هائلاً على العجين القابع في الأسفل.
تحت وطأة هذا المكبس، يندفع العجين بقوة نحو القاعدة السفلية للأنبوب، وهي قاعدة مدججة بمصفاة ذات ثقوب صغيرة ودقيقة، وفي لحظة إعجازية يرقبها الصغار بشغف، ينبثق العجين من تلك الثقوب متدفقاً على هيئة خيوط طولية ذهبية دافئة تشبه الشلال.
لا يقف العمل عند هذا الحد، فبينما تتدفق الخيوط مسترسلة، ينحني الأسطى مستخدماً كفيه بخفة ورشاقة فطرية لنثر (ئارد - الطحين) فوق الخيوط المتشكلة فوراً. كان يرش الدقيق بدقة متناهية تفادياً لالتصاق الخيوط بعضها ببعض، أو تكتلها.
بعد اكتمال خروج الخيوط وتجميعها في (بێژینگ - المصفاة الكبيرة) أو الصواني، يهرع الأطفال لأخذها والصعود إلى (سەربان - سطح المنزل)، وهناك، تحت إشراف الأمهات والجدات، تُنشر الخيوط على حبال مجهزة بعناية لتجف تماماً تحت عين الشمس الساطعة ليوم أو يومين. وبمجرد أن تتصلب وتجف، تقطعها ربة البيت وتجمعها في (جاجەم - البساط التقليدي) لتنقلها إلى سلال القماش وتشرع في تحميصها، واهبةً عائلتها زاداً شهياً يقاوم صقيع الشتاء.
بعد أن تجف خيوط الهرشتة وتُقطع بعناية، تبدأ المرحلة الأخيرة والأساسية التي تمنحها قيمتها الغذائية ونكهتها الفريدة، وهي مرحلة الطهي، إذ لم تكن مجرد عجين عابر، بل كانت ركيزة لعدة أكلات شتوية دافئة تُطبخ في بيوت أربيل القديمة:
1- پڵاوی هەرشتە و برنج (أرز البلاو بالهرشتة):
وهي الأكلة الأكثر شهرة وحضوراً على الموائد الأربيلية، وتعتمد على دمج العجين بالأرز.
2- بسوورکردنەوە (التحميص):
تبدأ ربة البيت بتحميص خيوط الهرشتة الجافة في القدر أولاً، إما بدون زيت أو مع القليل من السمن الحيواني، حتى تكتسب لوناً ذهبياً داكناً وتفوح رائحتها الزكية.
3- الطهي المشترك:
يُسكب الماء المغلي فوق الهرشتة المحمصة، ثم يُضاف إليها الأرز (البرنج) ليُطبخا معاً في ذات القدر حتى ينضجا تماماً ويتداخلا.
4- شۆربای هەرشتە (حساء أو شوربة الهرشتة):
في أيام المطر الشديد والصقيع، أو عندما يصاب أحد أفراد العائلة بالزكام، كانت الهرشتة تُطهى كحساء ثخين ومغذٍّ؛ إذ تُسلق الخيوط مباشرة في مرق اللحم أو مرق الدجاج الغني، ويُضاف إليها البصل المحمر والحمص المسلوق. تُترك لتغلي على نار هادئة، حيث يفرز العجين النشا الطبيعي الكامن فيه، مما يجعل قوام الحساء كثيفاً ومخملياً، يمنح الجسد دفئاً وطاقة فورية لمواجهة برد الشتاء.
في هذه السكك العتيقة، كانت الهرشتة (أو بالكردية: هەرشتە) تتربع على عرش الموائد كطقسٍ منزلي دافئ وعادة حميمية تناقلتها الأيدي جيلًا بعد جيل، أصبحت الهرشتة هي هوية الشتاء في بيوت الحي. لم تكن مجرد وجبة عابرة تُطهى لملء البطون في ليالي أربيل القارسة، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من بهجة العادات اليومية والتقاليد الحية، عجينةٌ من الدقيق والماء تُعجن وتُبتر بنظام دقيق لتتحول خيوطها الذهبية إلى مسألة ألفة، ومخزونٍ استراتيجيٍ يقاوم الشتاء، يجمع القلوب حول المدافئ الدافئة مستحضرةً عبق اللمات الطيبة والماضي الممتد.
وفي قلب تلك الحقبة التسعينية، وتحديداً في الشارع الثاني من حي النسيج، كان هناك اسمٌ يتردد في السكك كالنبوءة، رجلٌ ارتبطت سواعده الفولاذية بالآلة التراثية حتى صار هو والأكلة هويتين لا تنفصلان: الأسطى المهيب (جوانمێر هەرشتەبڕ - قاطع الهرشتة) ولج الحوش الشاسع للبيت ذي الطابقين المصنوع من الآجر العتيق واللبن الطيني السميك.
في الشارع الثاني في هذا البيت المنعزل، لم تكن هناك جلبة عائلة، ولا أصوات أطفال يملؤون الفناء، بل كان صمتٌ ثقيلٌ ومطبقٌ، لا يقطعه إلا أنفاس الأسطى المهيب "جوانمێر هەرشتەبڕ"، وحشرجة أنفاس أمه الطاعنة في السن، المستلقية في مخدعها بالطابق العلوي، غائبةً عن الوعي وعن صخب العالم الخارجي بكليته، لا تدري من أمر ابنها البار ولا مما يدور خلف جدران فنائهم الموصد شيئاً.
كان (جوانمێر) تجسيداً حياً للشخصية القومية القيادية المتزنة؛ فارع الطول، ممشوق القوام كشجرة سنديان جبلية، يتطاير خلفه شعر طويل شديد السواد والقتامة يلامس كتفيه العريضين، باسطاً هيبة لا تخطئها العين على بشرة سمراء لفحتها شمس النهارات ولظى مواقد التحميص. كانت جبهة جوانمێر العريضة المستقيمة وحاجباه الكثيفان اللذان يلتقيان عند ناصية الجبهة يشكلان دليلاً على عقيدة الرسالة المطلقة، رجلٌ لا تحركه الغرائز العشوائية، بل يقوده عقل بارد منظم.
عيناه الصقريتان الغائرتان، بحدقتيهما الداكنتين اللتين لا ترمشان إلا نادراً، تفصحان عن قدرة بصرية فائقة على رصد المحيط واستشعار الخطر قبل وقوعه، بينما فكه المربع الحاد يشير إلى ثبات انفعالي وعناد عقائدي لا يتزحزح. أما شفتاه الدقيقتان المستقيمتان، فكانتا تخبئان صوتاً رخيماً، دافئاً وهادئاً، يسكن القلوب نهاراً ويتحول إلى نذير شؤم لأعدائه ليلاً.
ومع دقات الرابعة صباحاً من كل يوم، يتحول الحوش المغلق إلى مشهد سينمائي باهر تتضافر فيه الحركة والصوت والضوء الشاحب المنبعث من فانوس يتأرجح في الفناء. كان جوانمێر يستيقظ وحيداً في عتمة الفجر، ويبدأ بطقس سكب الطحين النقي المستخرج من أكياس الخيش؛ إذ يتدفق القمح كشلال أبيض ناعم في جفان الفخار الكبيرة. يرفع كمّي ثوبه الأسمر، وتغوص كفاه الضخمتان بعروقهما البارزة الزرقاء في قلب الدقيق والماء. يُسمع في سكون الفجر صوت "عجيز العجين" الرطب، وثقيل الإيقاع، وهو يطحن الكتلة ويطوعها بقبضتيه صعوداً وهبوطاً، حتى تتجانس المكونات وتتحول إلى كتلة (هەویر - العجين) صلبة، ملساء، متماسكة كالحجر الأبيض النقي.
ينتقل بعد ذلك إلى قلب الحوش حيث تتمركز الآلة الحديدية الضخمة لـ (کارگەی گەڕۆک) (المعمل المتنقل الثابت في فنائه)، وهي آلة مصنوعة من الحديد الصلب ومثبتة بإحكام فوق (چوارپایە - حامل حديدي رباعي القوائم). يرفع جوانمێر الغطاء المعدني لـ (لوولەی کانزایی - الأنبوب الأسطواني البارد) فيصدر الحديد رنيناً حاداً يجرح صمت الصباح. يرمي بكتلة العجين داخل الجوف الخانق، فتسمع صوتاً لانسداد الهواء بداخلها.
يُغلق الغطاء، وتلتف أصابعه السمراء حول مقابض (بڕغۆ - اللولب الضخم). يسحب جوانمێر نفساً عميقاً، ويبدأ بتدوير اللولب بمفرده، بحركة دائرية بطيئة وبقوة عضلية هائلة تبرز عروق عنقه وذراعيه الفولاذيتين. يزأر الحديد، ويبدأ المكبس بالهبوط التدريجي ضاغطاً على العجين بوزن أطنان من القوة. ومن أسفل الآلة، من بين ثقوب (المصفاة الحديدية الدقيقة)، ينفجر العجين حرفياً على هيئة مئات الخيوط الذهبية الطويلة المسترسلة كشلال دافئ.
وبحركة خاطفة ورشيقة لا تليق إلا بحرفي ساحر، ينثر (ئارد - الطحين) الصافي بيده الأخرى في الهواء فوق الخيوط المتشكلة؛ إذ يتطاير الغبار الأبيض كضباب سحري في الحوش ليعزل الخيوط ويمنع التصاقها، لتنزل مستقيمة ومتراصة داخل السلال الخشبية. وبضربة واحدة حاسمة من سكينه الطويلة، يبتر الخيوط من القاعدة، لتصبح الهرشتة جاهزة. وفي منتصف النهار، يخرج جوانمێر بمفرده يطوف فروع حي النسيج، يطرق الأبواب ويبيع الهرشتة للبيوت التي تنتظر زادها للطهي، كان البائع البسيط والابن البار الحنون.
لكن هذا الوجه الحِرفي الأليف كان ينقطع تماماً مع هبوط خيوط الظلام الدامس على أربيل...
لكن الركود الأليف لحي النسيج لم يكن ليدوم؛ ففي ذات ليلة من أواخر تسعينيات القرن المنصرم، تسببت عاصفة شتوية هوجاء وتأخر الأسطى (جوانمێر) في بيع آخر سلال الهرشتة في أطراف الحي، في كسر روتين عودته المقدسة قبل الغروب. كانت عتمة الليل قد أسدلت ستارها الثقيل على أربيل، وحظر التجوال الصامت يفرض سطوته على الشوارع، حين لمح جوانمێر من بعيد أضواءً عسكرية باهتة وسيارات (الإيفا) الرمادية تقف بغطرسة عند مدخل أحد الفروع الضيقة.
تراجع بجسده الممشوق خلف ظلال جدار آجرّي عتيق، وركن عربته الخشبية بصمت، لتتحول عيناه الصقريتان في عتمة الليل إلى رادارين يرصدان الجريمة. كان المشهد يجسد أبشع صور الطغيان؛ كتيبة من عساكر البعث يقودهم ضابط ساديّ يُدعى (الملازم أول جاسم - رجلٌ عُرف بقسوته المفرطة ونبرته الاستعلائية) قد اقتحموا عنوةً حرمة بيت من بيوت الحي المستكينة. وفي تلك اللحظة، أدرك أن هذا الملازم هو الملازم نفسه الذي قتل زوجته قبل ثلاث سنوات، أخذت نبضات قلبه تتسارع وهو يتذكر كل المشاهد.. تذكر كل شيء، وتذكر كيف قُتلت زوجته أمامه.
في ذلك الوقت، كان كابوس الاحتلال يربض فوق أنفاس البلاد، حيث شنت سلطاته حملات مداهمة وحشية استهدفت البيوت الآمنة، مدفوعةً برعبها الأزلي من شعلة الخلاص الكردي وأصوات الحرية التي أبت أن تخفت. ولم تكن تلك العائلات تنكسر أو تختبئ، بل كانت تودع أبناءها بفخر واعتزاز، دافعةً بهم نحو قمم الجبال لينضموا إلى صفوف البيشمركة.
من وراء عتمة الزقاق، كان جوانمێر يشهد الانتهاك الذي يدمي قلب أي كوردي غيور؛ فالعساكر عاثوا في البيت خراباً، وكسروا النوافذ والأبواب، وارتفعت أصواتهم بالشتائم القاسية والألفاظ النابية التي تمس العِرض والقومية. لم يراعِ ناظم وجنوده شيبة الأب العجوز الذي طُرح أرضاً يُضرب بأعقاب البنادق، ولا دموع الأم الكسيرة التي كانت تُدفع بخشونة وهي تحاول حماية زوجها. كانت الكلمات تخرج من فم الضابط جاسم كالسموم وهو يصرخ بوجه الأم مستهزئاً ومعتدياً بالكلام، مستجوباً إياها عن مكان ابنها.
في تلك اللحظة، لم يكن جوانمێر يملك سلاحاً في يده، ولا فكرة واضحة للمواجهة المباشرة التي قد تودي بحياته وحياة أمه المسنة، لكن ذلك الشعور الذي نهش روحه يوم قُتلت زوجته، عاد ليعصف به في هذه اللحظة؛ فبينما كان داخله يغلي بنيران القهر، كتم أنفاسه، وقبض بوعي على مقبض عربته حتى كادت عظام أصابعه تخترق الخشب، وعيناه تسجلان ملامح الضابط (جاسم) بدقة متناهية: مشيته المتغطرسة، شاربه الكثيف، والصوت الأجش الذي يسب الهوية الكوردية.
انسحبت القوة العسكرية بعد أن تركت خلفها بيتاً مكسوراً وعائلة نازفة، خيم السكون المرعب على الفرع مجدداً. تقدم جوانمێر بخطوات حذرة كالفهد وسط الظلام، ودخل إلى عتبة البيت المستباح. وجد العائلة تلملم جراحها الجسدية والنفسية، فانتحى جانباً بالابن الصغير؛ فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، كانت عيناه تلمعان بدموع القهر والعناد.
وضع جوانمێر كفه الضخمة الدافئة على كتف الصغير الثائر، وسأله بنبرة رخيمة خفيضة:
ماذا يريد هؤلاء الذئاب منكم يا فتى؟
مسح الغلام دموعه بكم ثوبه، وأجاب بصوت مخنوق تملؤه الغصة:
أخي الكبير... كان طالباً في الجامعة، لكنه لم يحتمل هذا الظلم والملاحقات، فترك مقاعد الدراسة وولى وجهه شطر الجبال... التحق بالبيشمركة. والآن، يريد الضابط جاسم أن نسلمه رقبة أخي، أو يأخذوننا جميعاً في المرة القادمة إلى وراء السجون حيث لا يعود أحد.
هنا، انطلقت الشرارة الأولى في عقل (جوانمێر هەرشتەبڕ)؛ أدرك بيقينٍ لا شائبة فيه أن هذه العائلة الكوردية ستُباد إن عاد الطغاة، وأن الصمت لم يعد درعاً كافياً لحماية الهوية. التمعت عيناه الصقريتان في عتمة جوف الليل، وولدت في عقله خطة للاقتصاص والاستدراج.
لن يواجههم في الشارع، ولن يطلق رصاصة تكشف أمره للمخبرين، بل سينصب فخه في ذات المكان الذي يصنع فيه الحياة نهاراً: الحوش الكبير والغرفة الخشبية الغامضة.
قرر جوانمێر أن يستغل قناعه كبائع هرشتة بسيط ومستكين يطوف الفروع، ليدرس تحركات الضابط جاسم وعساكره بدقة. سيبدأ بالتقرب من محيط المقار العسكرية بعربته المزينة ونشيده الشجي، يتظاهر بالبلاهة أو الموالاة الصامتة، ويقدم لهم العجين والزاد، حتى يكسب أمان الضابط جاسم ويجعله يستصغره.
وعندما تحين اللحظة المناسبة، وتحت غطاء ليالي نسيج القارسة وحظر التجوال، سيجد جوانمێر الطريقة المثالية لاستدراج الضابط جاسم - سواء بإغرائه بسرٍ أمني مزيف عن البيشمركة، أو بادعاء وجود مخبأ - ليقوده برجليه إلى الحوش المنعزل، ويدخله إلى تلك الغرفة الخشبية الموصدة. وهناك، خلف الجدران التي تعزل الصوت، سيتخلى بائع الهرشتة الحنون عن قناعه، ليتحول إلى القاضي والجلاد، ويبتر رقاب الظالمين بذات الدقة الحِرفية الصارمة التي يبتر بها عجين الصباح.
توقفت عجلتا العربة الخشبية الضخمتان بإيقاعٍ ثقيل أحدث صريراً خفيفاً تداخل مع عواء الريح الشتوية في أطراف الشارع الثاني. كان الضابط جاسم يتحرك بغطرسة عسكرية وسط تلاميذه، معطفه الزيتوني الثقيل يتحرك مع خطاه، والطبنجة المثبتة على خِصره تلمع تحت ضوء النهار التسعيني الشاحب.
تعمد جوانمێر أن يقف بجسده الممشوق الفاره كشجرة سنديان عند زاوية الفرع الضيق، حانياً رأسه بزاوية مدروسة - ليست انحناءة ذلّ، بل انحناءة بجسده كـ (ضيغم يرقب فريسته)، والضيغم هو الأسد الشديد المفترس الذي يحسب خطواته بدقة قبل الانقضاض. أطبق بكفيه الضخمتين على مقود العربة الخشبية، وبرزت عروقه الزرقاء المشدودة كأوتار مشحونة.
حين اقترب جاسم، التقت العيون. هنا ثبت جوانمێر عينيه الصقريتين الغائرتين في حدقتي جاسم بنظرة حادة لكنها مغلفة ببرود مرعب، لم ترمش حدقتاه ولم تهتز ملامح فكه المربع الحاد الذي يشي بعناد الموت، بل خفض نبرة صوته الرخيمة لتخرج من حنجرته دافئة، عميقة، وهامسة كفحيح الأفعى:
يا سيدي الملازم جاسم... خيوط الهرشتة في عربتي تُقطع بنظام، لكن ثمة خيوطاً أخرى تُحاك في عتمة هذا الحي... ستُقطع فيها رقاب عساكركم إن لم تسمعني.
توقف جاسم بغتة. ارتفعت يده تلقائياً نحو مقبض مسدسه، وضاقت عيناه الشكاكتان اللتان ألِفتا الغدر. خطى خطوة نحو جوانمێر، وتأمل قامته الفارهة وزيّه الكوردي الأسمر الداكن (الڕانک و چۆغە)، ثم قال بنبرة جافة تقطر ازدراءً وشكاً: "أنت كوردي؟... والخونة في الجبل من طينتك. كيف يبيع بائع عجين أبناء جلدته لعسكري بعثي؟ أتريد استدراجي لكمين؟"
لم يتراجع جوانمێر مليمترًا واحداً. تقدم بجسده خطوة ونظر مباشرة إلى شارب جاسم الكثيف وملامحه المتغطرسة، وخرجت أنفاسه دافئة في الهواء البارد، مجيباً بذكاء نفسيّ أسقط شكوك الضابط:
"الجوع والخوف لا يعرفان جلدةً ولا قومية يا سيدي. هؤلاء الصبية بطيشهم وشعاراتهم في الجبال سيجلبون الموت لبيتي ولأمي المقعدة التي ترقد كالجثة في الطابق العلوي. إذا عثرتم على مخابئهم، ستهدمون الحي فوق رؤوسنا، وأنا لست مستعداً للتضحية بلقمة عيشي وأمي من أجل أوهامهم. مصلحتي هي (الأمان والبقاء). صدقي ليس كلاماً تشتريه في الشارع، بل تفاصيل وأسماء وتواريخ مكتوبة بخط يدي تخبئها جدران حوشي، لا يعرفها حتى جلاوزة مخبريكم في الحي. إن كنت تخشى كميناً كاذباً... فبيتي على بعد خطوات، وأنا فيه بمفردي مع جسد أمي الهامدة. تعال معي، دقق الأوراق بنفسك بعيداً عن أعين مخبري الحي الذين لو رأوني هنا... لذبحوني قبل الفجر. أوَ جلادٌ متمرس مثلك... يخشى بائع عجين؟"
مست الكلمة الأخيرة كبرياء جاسم وغروره العسكري الأعمى. نظر إلى يدي جوانمێر المغبرتين بالطحين، وإلى وقفته المستكينة الخائفة على أمه، فابتلع الطعم بيقين رجل المخابرات الذي ظن أنه عثر على خائنٍ محلي يمنحه ترقية سريعة في بغداد. التفت جاسم لحارسيه وقال بثقة مفرطة: "انتظراني عند دورية المقر. سأذهب مع هذا الكردي لتدقيق بعض المعلومات وأعود".
تحركت العربة مجدداً، وكان جاسم يسير بجانب جوانمێر بخطوات واثقة، والأخير يدفع الخشب بهدوء مريب، وعقله السيكولوجي المعقد يعد خطى الضحية.
وصلا إلى الشارع الثاني، حيث انحرفا نحو ذلك الفرع المنعزل الذي غمرته الظلال بالكامل. وقفا أمام الباب الحديدي الأخضر للبيت ذي الطابقين. مد جوانمێر كفه الضخمة، وأدار المفتاح العتيق، أصدر القفل صوتاً معدنياً ثقيلاً خافتاً (كليك)، دفع جوانمێر الباب ببطء شديد، وخطى خطوة للوراء ماداً يده بأدبٍ جمّ: "تفضل يا سيدي... بيت بائع الهرشتة آمن".
ولج جاسم أولاً. ما إن وطئت قدماه عتبة الحوش الشاسع حتى لفته برودة شتوية مبكرة ورائحة غريبة تمتزج فيها زكاوة السمن الحيواني وطحين القمح برائحة الرطوبة الآجرية القديمة. كان الحوش غارقاً في صمتٍ مطبق مريب، لا يقطعه سوى تأرجح فانوس زجاجي أصفر يتلوى تحت الريح، ليرسم ظلالاً طويلة ومخيفة على الجدران الطينية.
أغلق جوانمێر الباب الحديدي خلفهما ببطء هادئ ومحكم. وفي تلك اللحظة السينمائية الحابسة للأنفاس، التفت ناظم يتفقد المكان، فوقعت عيناه في زاوية الفناء النائية... على جدران تلك الغرفة المصنوعة بالكامل من الخشب الداكن، المغلقة بأقفال حديدية ضخمة مرعبة، والتي كانت تبدو في عتمة الليل كنعشٍ ينتظر جثته.
التفت جاسم نحو جوانمێر مستغرباً، لكنه لم يلحظ أن ملامح بائع الهرشتة نهاراً بدأت تذوب في عتمة الحوش، وأن عينيه الصقريتين بدأتا تلمعان ببرود المقصلة...
أدار جوانمێر المفتاح في القفل الثقيل للباب الخشبي الداكن. أصدرت المفاصل صريرًا مخنوقًا وهي تنفتح على عتمة الغرفة التي لا يضيئها سوى فانوس زجاجي خافت معلق في السقف، يلقي بظلال كستنائية راقصة. تقدم جوانمێر بخطوات هادئة، وأشار بيده الفخمة نحو كرسي خشبي عتيق يقبع في المنتصف: "تفضل بالجلوس يا سيدي... هذا هو محترفي، هنا أعجن الهرشتة كل يوم، وهنا تُصنع الأسرار".
زفر الضابط جاسم أنفاسه بارتياح، وجلس على الكرسي ملقيًا بجسده للخلف، متخففًا من توتر المداهمات، ووضع كفيه فوق ركبتيه، ثم قال بنبرة مستعلية حثيثة: "حسنًا يا جوانمێر... الغرفة باردة ورائحة الخشب هنا خانقة. هاتِ ما عندك من معلومات وأسماء، ولا تضيع وقتي".
لم يجبه جوانمێر فورًا. تحرك بخفة الفهد في أرجاء الغرفة، وأغلق الباب الخشبي من خلفه، ثم تقدم نحو طاولة العمل الكبيرة حيث تقبع جفنة الفخار وآلة (کارگەی گەڕۆک) الحديدية ببرغيها الضخم. رفع كمي ثوبه الأسمر ببطء شديد، وكشف عن سواعد فولاذية تبرز عروقها الزرقاء المتشعبة كأفعوان، ونظر إلى جاسم بنظرة صقرية جردته من كل مساحيق الخوف والمسكنة نهارًا، وقال بصوت رخيم غامض: "المعلوماتُ جاهزةٌ يا سيدي... لكن دعني أولًا أشرح لك كيف تُصنع الهرشتة الكردية، ففي تفاصيلها... تكمن الأجوبة الشافية لأسئلتك".
عقد جاسم حاجبيه بشك، وبدأت ملامح الراحة تختفي من وجهه وهو يرى جوانمێر يقترب بخطوات رصينة، ثابتة، ومحملة بتهديد صامت. حاول الضابط النهوض، لكن صوت جوانمێر القوي استوقفه وهو يشير إلى الآلة:
"الخطوة الأولى في حِرفتي يا سيدي... هي العجن، نطحن القمح، ونسكب الماء، ونضغط بكل قوتنا صعودًا وهبوطًا لنسحق عناد العجين حتى يستسلم ويصبح طيعًا بين أيدينا... تمامًا كما استحققتَ أنت وعساكرك وجلاوزتك -الذين أشبهوا في هوانهم شيبة الأب والعجوز العاجز- أن تكسروا كبرياء العوائل الكردية في هذا الحي. لكنني هنا اليوم لأسترد الحقوق، سآخذ حق كل أولئك الأبرياء بذات الطريقة البشعة التي جرّعتموهم إياها يوماً بعد يوم. وقبل كل شيء، سآخذ ثأر زوجتي التي سفكتَ دمها غدراً.. سأنتزع حقها وحقهم معاً من بين ضلوعك، لتذوق ذات الموت الذي أذقته لمن كان يوماً أمني وملاذي".
تصلب الضابط جاسم في مكانه، واتسعت عيناه ذهولاً ورعبًا، لقد أدرك بغتة أنه وقع في الشرك الأكبر. تحركت يده تلقائيًا نحو طبنجته المثبتة على خصره، لكن قبل أن تلمس أصابعه المقبض، كان جوانمێر قد اندفع بجسده الفاره كالصاعقة. بكفّ ضخمة فولاذية، قبض على معصم جاسم وضغط عليه بقوة مرعبة، وسحب المسدس بخفة حِرفية يرميه بعيدًا في زاوية الغرفة.
حاول جاسم المقاومة، مستجمعًا لياقته العسكرية، وبدأت بينهما مشادة كلامية وجسدية حامية، كان جاسم يلهث ذعرًا، يصرخ بصوت مخنوق: "أنت مجنون! هل تعرف من أنا؟ أنا ملازم أول في الأمن العام! عساكري يملؤون الأزقة، وإن لم أخرج... سيهدمون هذا البيت فوق رأسك ورأس أمك الجثة!"
رد عليه جوانمێر ببرود قاتل، وهو يدفعه بقوة نحو الكرسي ويثبته به بحبال سميكة أخرجها من أسفل الطاولة، شادًا وثاقه بنظام هندسي لا يترك مجالًا للحركة: "عساكرك ينتظرون في المقر الجانبي يا جاسم... وأمي غائبة عن الوعي لا تسمع صراخ الخنازير وهي تُذبح".
وقف جوانمێر فوق رأس الضابط المكبل، وبدأ يتلاعب به نفسيًا، يدور حول الكرسي، يمسك ببرغي الآلة الحديدية الضخم (بڕغۆ)، ويديره فيصدر الحديد زئيرًا حادًا يجرح صمت الغرفة. كان جاسم يرتجف، وعرقه البارد يمتزج بغبار الخشب، وهو يرى اللياقة البدنية الأسطورية لهذا الكردي الثائر.
امتدت يد جوانمێر الساحرة، وبأصابعه الطويلة، بدأ يضغط على مواضع الألم في عنق ناظم وفكه، متلاعبًا بأعصابه جسديًا، قائلاً بفحيح مرعب:
"الخطوة الثانية هي الضغط والتدوير. نضع العجين في جوف الأنبوب المعدني الضيق الخانق (لوولەی کانزایی)، وندير اللولب ببطء شديد... بوزن أطنان من الكبت... حتى يضيق الهواء، وينفجر العجين بقوة من الثقوب السفلية على هيئة خيوط مسترسلة".
انحنى جوانمێر حتى أصبحت عيناه الصقريتان على بعد إنشات من عيني جاسم المذعورتين، وهمس:
"أنا الآن سأدير لولب العدالة فوق عنقك ببطء، سأجعلك تتنفس الضيق الذي أذقته لأطفال قومي ولي عندما قتلت زوجتي، وأستمع لحشرجة روحك وهي تتدفق خوفاً كخيوط الهرشتة".
بلغ رعب جاسم ذروته، وتوسل بنظراته المستسلمة كشاة تنتظر الذبح. التفت جوانمێر نحو الطاولة، وسحب سكين البتر الطويلة الحادة التي يقطع بها العجين نهاراً. لمعت شفرتها الفولاذية تحت ضوء الفانوس الأصفر الشاحب.
كان الحبل قد أُحكم حول وثاق الملازم أول جاسم، وتراجع جوانمێر خطوتين إلى الوراء، واضعاً يديه خلف ظهره، واقفاً بقامته الفارهة ونظراته الصقرية المثبتة على وجه الضابط المذعور. هدأ صراخ جاسم قليلاً حين شعر أن السكين لم تلمس عنقه بعد، فبدأ يتنفس بصعوبة، محاولاً استجماع كبريائه العسكري المهدور، وقال بنبرة متلعثمة يملؤها الغيظ: "أنتم الأكراد... لطالما كنتم خناجر في خاصرة الدولة، متمردين لا تعيشون إلا على الفوضى في جبالكم! ما الذي تبحثون عنه؟"
التفت جوانمێر ببطء، ولم تظهر على ملامحه الحادة أي علامة من علامات الغضب العشوائي، بل كانت قسمات وجهه باردة كصخور جبل سفين. اقترب خطوة، ونظر مباشرة في عيني جاسم وسأله بنبرة رخيمة دافئة، لكنها تقطر ثقلاً: "سألتَني قبل قليل وأنا في الشارع: (لماذا تبيع أبناء جلدتك؟)، والآن تسألني ما الذي نبحث عنه؟... دعني أسألك أنا أولاً بسؤالٍ طالما دار في عقول أطفالنا وشيوخنا: ما سبب كل هذا البغض المتأصل في صدوركم للكرد؟ ما الذي فعله لكم هذا الشعب الأعزل لتستبيحوا حرمة بيوته، وتهينوا نساءه، وتهدموا قراه، وتطاردوا شبابه في الجامعات والأزقة كأنهم وباء؟"
حاول جاسم أن يستغل نبرة جوانمێر الهادئة لعلّه يقنعه بالمنطق العسكري والسياسي الذي تشرب به في أروقة البعث، فقال محاولاً استعطافه وتهدئة الأجواء: "يا جوانمێر... اسمعني، أنا ضابط أنفذ الأوامر، الدولة تبحث عن الوحدة والاستقرار. أنتم تعيشون معنا، تأكلون من خيرات هذه الأرض، لكن ولاءكم دائماً للجبل وللتمرد. نحن لا نبغضكم كبشر، نحن نحارب الفكرة... نحارب الانفصال الذي يهدد أمن البلاد. أنت رجل عاقل، صاحب حِرفة، وتعرف أن النظام يحمي المطيعين ويضرب العاصين. دعنا نصل إلى حل، أطلق سراحي، وسأضمن لك مكافأة مجزية من القيادة وحماية مطلقة لأمك وبيتك... لن يمسكم أحد بعد اليوم".
ساد الصمت لثوانٍ في الغرفة الخشبية، لم يكن يُسمع فيها سوى حشرجة أنفاس جاسم اللاهثة وتأرجح الفانوس الأصفر. ابتمس جوانمێر ابتسامة خفيفة، مريرة وساخرة، ثم مشى نحو طاولة الهرشتة، ورفع حفنة من الدقيق النقي بيده، وتركها تتسلل من بين أصابعه الطويلة كرماد الذكريات، وقال بصوت يفيض بالشجن والبلاغة القومية:
"تتحدث عن الأوامر والدولة والولاء... وتظن أنك بكلامك هذا ستهدئ من روع مقصلتك؟ يا جاسم، أنتم لا تحاربون الانفصال، أنتم تبغضون وجودنا لأننا نذكركم دائماً بأن هذه الأرض ليست لكم. هذا الزي الكردي الأسمر الذي أرتديه، هذا اللسان الذي أحدثك به، وهذا القمح الذي أعجنه... كلها جذور ضاربة في عمق التاريخ قبل أن تعتلي دباباتكم أرصفة أرضي".
خطا جوانمێر نحو الكرسي، وانحنى بجسده الضخم فوق الضابط المكبل حتى التقت أنفاسهما، وقال وعيناه تلمعان ببريق عقائدي مؤثر: "أتعرف ما هي الهرشتة التي أبيعها نهاراً وتستصغر صانعها؟ إنها ليست مجرد عجين لوجبة عابرة. إنها هوية هذا الشعب. الطحين والماء يُعجنان، ويُضغطان داخل الحديد بقسوة أطنان من الكبت—تماماً كما تفعلون بنا في زنازينكم ومداهماتكم.
العجين تحت المكبس يضيق به الهواء، لكنه في النهاية لا يموت... بل ينفجر من الثقوب خيوطاً ذهبية مسترسلة تقاوم صقيع الشتاء وتطعم البيوت. شعبنا الكردي كالهرشتة يا جاسم؛ فكلما ضغطتم عليه بعساكركم ومجازركم، كلما انبثق من رحم الألم مئات الخيوط والأبطال ليقاوموا صقيع ظلمكم في الجبال".
تصلب جاسم، وشعر بقشعريرة تضرب جسده، لقد أدرك أن هذا الحِرفي البسيط ليس مجرد شخص عادي أو ثائر عابر، بل هو مؤرخٌ يحمل سكيناً. تابع جوانمێر وعيناه مثبتتان على جاسم: "أنت لم تنتهك حرمة بيت في حي النسيج فحسب، أنت انتهكت كرامة أمة كاملة عندما هددت بأخذ عائلة رجلٍ أعزلَ من بيتها. واليوم، أنا لست (جوانمێر الخائن) الذي سينال مكافأة من بغداد... أنا ذراع الأرض التي ثارت لتقتص منك. الأمان الذي عرضته عليّ لحماية أمي؟ أنا آخذه بيدي الفولاذية، لا بصدقة من جلاد".
يقترب جوانمێر من جاسم بخطوات بطيئة وثقيلة، تحبس الأنفاس، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى ذراع واحدة. جوان مير (بصوت منخفض، يحمل بروداً مخيفاً): "ألا تتذكرني يا جاسم؟ ألا تذكر من أكون؟"
أُجبر الضابط جاسم على النظر في عيني جوان مير.
تثبّتت عيناه على الملامح الحادة، وأخذ يتأمل الندبات والخطوط المحفورة في وجه هذا الشاب... وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه، طبَّق العقل الباطن لديه آلية دفاعية فجائية ممتزجة بالرعب الناتجة عن إدراك الفخ العالق فيه. لقد زحفت إلى ذاكرته -رغماً عنه- صور الصحراء، وصرخات النساء، والدماء الزكية... أدرك تماماً مَن يكون هذا الرجل، وتعرّف على تلك الملامح التي ظن أن الرصاص والصحراء قد دفناها للأبد.
حاول جاسم أن يتنصل من رُعبه، فاهتز صوته وهو يحاول اتخاذ موقف الإنكار الدفاعي:
جاسم (ينفض رأسه هلعاً ويقول بنبرة إنكارية متلعثمة): "لا... لا، أنا لا أعرفك! لم أرك من قبل... أنت تتوهم، لست أنا!"
جوان مير (يبتسم ابتسامة مكسورة تملأها المرارة والغضب، ويقترب أكثر): "بل تعرفني جيداً... وأنا سأُنعش ذاكرتك وأُعرّفك بنفسي! أنا زوج تلك المرأة الطاهرة التي أخذتموها عُنوة قبل ثلاث سنوات... أنا الشاب الذي غدرتم به في الكمين وتركتموه يقطر دماً، بينما سقتم زوجته أمام عينيه إلى حافلات الموت المتجهة نحو سجن نقرة السلمان". يتحشرج صوت جوان مير بالدموع، لكن عيناه تشتعلان جمراً: "أنا زوج المرأة التي كانت تحمل في صدرها ابني الرضيع... الذي لفّته بلفّة صغيرة من قماش، وضغطت به على جسدها بكل ما أوتيت من قوة لتحميه من قسوتكم وعيونكم القذرة... هل تذكرتها الآن يا جاسم؟! هل تذكرت كم كنتَ نذلاً عندما ساومتها على حياة ذلك الرضيع الطاهر لكي تطيعك، وعندما رفضتْ بكبرياء أنفتها الكردية، انهلتَ عليها بضرباتك الساحقة حتى مات طفلي خنقاً وفزعاً بين يديها؟! هل تذكرت كيف رفعت مسدسك لتسرق روحها بعد أن قتلتْ جنديك دفاعاً عن شرفها؟"
"أنا لم أقتلها لأنها مذنبة يا جوانمێر، قتلتُها لأنني كنت أعلم أنك حتى لو عشتَ حراً طليقاً في جبالك، فلن تأخذ نَفَسَك بارتياح أبداً... ستعيش مخصياً ومكسوراً طوال حياتك لأنك عجزت عن حماية امرأتك وطفلك من رجالي! قتلتُها لأحرق قلبك".
التفت جوانمێر ببرود تام نحو طاولة العمل، وسحب سكين البتر الطويلة، اقترب من جاسم المكبل، وبحركة مرعبة، مرر ظهر السكين البارد على وجنة الضابط وشاربه الكثيف، يمسح عرقه البارد، ثم قال بلهجة رخيمة دافئة هي ذاتها النبرة التي يناجي بها أمه: "والآن... نأتي للخطوة الأخيرة والأكثر إتقانًا في مهنتي... البَتر". وبضربة واحدة حاسمة، دقيقة ومحترفة، لا تترك مجالاً لصوت أو صراخ، بتر جوانمێر أنفاس الضابط الطاغية، ليسقط رأس جاسم جانبًا وينتهي طغيانه إلى الأبد في جوف العتمة.
وقف جوانمێر يتنفس بهدوء وسط صمت صومعته الخشبية، ومسح السكين بخرقة قطنية بيضاء، ثم نظر إلى الجثة برضا بارد، مستعدًا لغسل كفيه بالطين والماء... ليعود ويعجن دقيق الفجر من جديد للحي الذي ينتظر زاده.
استيقظ حي النسيج في صبيحة اليوم التالي على لغطٍ مكتوم واستنفار عسكري غير معتاد؛ فسيارات الأمن تجوب أطراف الشارع الثاني، والمخبرون يتهامسون عند الزوايا. انتشرت الإشاعة كالنار في الهشيم:
الملازم الأول جاسم اختفى كالملح في الماء منذ ليلة أمس! فُتِّشَتْ بعض النقاط القريبة، وحققت المخابرات مع الحارسين اللذين قالا إن الضابط ذهب لتدقيق معلومات في عمق الحي ولم يَعُد. لكن، من قد يشك في بائع الهرشتة البسيط؟
خرج جوانمێر في موعده المقدّس عند السابعة صباحاً. كان يرتدي زيه الكوردي التقليدي الأسمر الداكن، ويدفع عربته الخشبية التراثية المزينة بذات الثبات والوقفة القيادية المتزنة التي تفرض الهيبة. انداح صوته الرخيم الشجي ينادي في الأزقة ليطمس آثار ليله:
(هەرشتەی تازە (جديد)... هەرشتەی کۆڵان... هەرشتە.. هەرشتە.. هەرشتەی تازە )
التفتت حوله حلقة النساء كالعادة، وكان يزن لهنّ العجين ببرود وثبات عزّ نظيره، فيداعب صغارهنّ بذات اليدين الفولاذيتين اللتين بترتا أنفاس الطاغية قبل ساعات. قناعه نهاراً كان درعاً فولاذياً لا يمكن لعقل محقق أن يخترقه. تهامست الجارات خلف الأبواب.
لكن خلف هذا الهدوء الخارجي الأليف، كانت هناك خيوط أثيرية أخرى بدأت تتحرك في خفاء الحي. في الأحياء التراثية القديمة، لا شيء يمر دون أن تتركه الذاكرة الشعبية في ميزان التحليل.
عند زاوية الشارع، وقفت امرأتان من جارات الحوش العتيق، (داية شيرين وجارتها الشابة)، تتبادلان نظرات محملة بالريبة أثناء انتظارهما دور الهرشتة. اقتربت الجارة الشابة من أذن العجوز وهمست بصوت خفيض وعيناها تلمحان قامة (جوانمێر) الممشوقة من بعيد.
ثم اقتربت من أذنها وقالت (داية أو أمي): "هل سمعتِ شيئاً الليلة الماضية؟ بيتي يقع خلف حوش الأسطى جوانمێر مباشرة. في منتصف الليل، بعد أن فرض حظر التجوال وساد الصمت، سمعتُ أصواتاً غريبة قادمة من غرفته الخشبية".
عقدت (داية شيرين) حاجبيها، والتفتت يمنة ويسرة، ثم سألتها بلهفة مكتومة: "أي أصوات يا ابنتي؟ جوانمێر يعيش بمفرده مع أمه المقعدة التي لا تقوى على الحراك!"
أجابت الشابة والخوف يلمع في عينيها: "والله يا داية، لم يكن صوت عجيز العجين المعتاد. سمعتُ أولاً صريراً حاداً للحديد... كأن لولباً ضخماً يُدار بقسوة، ثم تلا ذلك همهمات مكتومة ومشادة خفيضة، كأن هناك من يحاول الصراخ وهناك يدٌ ثقيلة تكتم أنفاسه! ثم ساد صمتٌ مرعب كصمت القبور بعد دقات الفجر الأولى. حتى كلاب الحي كانت تعوي باهتياج قرب جدار حوشه!"
هزت العجوز رأسها بوجل، وتمتمت وهي تعوذ بالرحمن: "اسكتي يا بنت ولا تنطقي بحرف! قد تكون أمه المسنة تعاني من سكرات الموت أو أن جوانمێر كان يصارع وعاء الحديد الثقيل ليجهز طحين الصباح. رجلٌ بارّ مثل جوانمێر، يقف نهاراً بكل هذا الأدب والنظرة الشريفة، لا يأتي منه إلا الخير... إياكِ والحديث في هذه الأمور أمام أحد، فالحي مليء بعيون المخابرات، وإشاعة واحدة قد تخرب البيوت!"
رغم أن التهامس كان بعيداً وبصوت كالفحيح، إلا أن (عقل الفراسة السلوكية والجنائية) لدى جوانمێر كان مستنفراً لأقصى حد. لمح بطرف عينه الصقرية التفاتة الجارتين نحو عربته، وحركتهما المتوترة، ونظرات الشك من الشابة التي سرعان ما تحولت إلى الأرض فور أن التقت بعينيه الحادتين.
لم يظهر عليه أي ارتباك، بل أدرك بيقينٍ أن جدران حوشه الطينية، رغم سمكها، بدأت تنقل أصداء مسلخته، وأن اللعبة لم تعد مجرد قنصٍ للضحايا في الظلام، بل أصبحت مواجهة مع فضول الحي.
بين بيوت حي النسيج المبنية من الآجر العتيق، كان بيت جوانمێر يملك علامة فارقة تحفظها السكك عن ظهر قلب، بابه الحديدي الكبير المصبوغ بلون أخضر داكن، لونٌ يرمز في وجدان الأهالي إلى البركة والأمان، حتى غدت البيوت تسميه بـ حوش الباب الأخضر. لكن خلف هذا الباب الأخضر، كان إلحاح المخابرات البعثية يشتد بصورة جنونية لإيجاد الملازم الأول جاسم، فالتحقيقات ضاقت، وعيون المخبرين باتت تفتش الزوايا، والشبهات تحوم كالغربان فوق الحي.
ومع كثرة السؤال، بدأ الجيران يربطون الخيوط ببعضها، تلك المشادة الخفيفة، صرير اللولب في جوف الليل، وتزامن ذلك مع اختفاء الطاغية. عرف الحي بيقينٍ غير معلن أن يد بائع الهرشتة هي التي قطعت أنفاس الجلاد.
وفي ظهيرة يومٍ شتوي عاصف، وقف جوانمێر بعربته التراثية عند زاوية الزقاق. التفّت النساء حوله كالعادة، لكن لغة البيع والشراء تحولت إلى محفلٍ من (النقد النسائي المبطن - والنصائح المشفرة التي تفهمها حرائر الكورد). اقتربت (داية شيرين) وهي تتفحص خيوط الهرشتة، وقالت بنبرة عالية مسموعة لجميع النساء:
"يا أسطى جوانمێر، الهرشتة هذا الصباح ممتازة، لكن خيوطها دقيقة جداً هذه المرة وتكاد تنكشف من خفتها.. انتبه يا ابني، الخيوط إذا دقّت كثيراً انقطعت، والعين التي تبالغ في كتمان السر قد يفضحها رمشها. دارِ بضاعتك جلياً واحمِ نفسك من عواصف الفجر".
أومأت جارتها الشابة برأسها، مكملةً طقس التلميح بذكاء: "نعم والله يا داية، الطحين الأبيض إذا تطاير في الهواء كثيراً يترك أثراً على العباءات السوداء ويكشف مكان الصانع. صاحب الحِرفة الحاذق يخفي غبار عمله قبل أن تراه عيون الغرباء".
كان جوانمێر يستمع لكل هذا الحوار النسائي المنسوج بالخوف والحنان، لم ينطق بحرف، ولم يتبدل برود فكه المربع أو ملامحه الصقرية، بل اكتفى بابتسامة خفيفة رخيمة تحمل وراءها امتناناً عميقاً لبيوتٍ قررت أن تكون درعه وسنده. هز رأسه طاعةً، وجمع سلاله وعاد بعربته صوب الباب الأخضر.
لكن المنطق الجسدي كان يعاند برود جوانمێر، فمع مرور الوقت وبرودة الطقس التي لم تمنع الطبيعة من أخذ مجراها، بدأت رائحة غريبة تتسلل من زوايا الحوش الشاسع خلف الباب الأخضر، رائحة عفنٍ قوية وثقيلة تفوح شيئاً فشيئاً وتزكم أنوف المارة في الزقاق، رائحةٌ يعرف الجميع أصلها وجثتها، لكنهم يتظاهرون بالجهل أمام دوريات الأمن.
وفي المساء، ومع هبوط خيوط العتمة، انفتح الباب الأخضر قليلاً، وإذا برجلين من كبار الحي وشبانه يقفان عند العتبة. تقدم أحدهم، ووضع يده على كتف جوانمێر الممشوق، ونظر في عينيه الصقريتين بثبات، وقال بلغة تجمع بين العتاب القومي الشجاع والدعم المطلق: "يا أسطى جوانمێر... الحي كله يختنق. أنت رجلٌ نظيف، وبيتك مشهور بالبركة، فلماذا لا ترمي تلك الأشياء العفنة المتبقية في حوشك؟ ارمِ هذا العفن ارمه بعيداً.. فرائحته كادت تصِل إلى مناخر الذئاب في المقر".
اقترب الرجل الآخر، وهمس بنبرة حاسمة هزت أركان الصمت: "اسمعنا جيداً يا أخي... نحن جميعاً في طريقٍ واحد، ومصيرنا معقود خلف هذا الباب الأخضر. نحن معك ولن نتركك لوحدك تواجه هذا الصقيع، حتى لو كلفنا ذلك أرواحنا. لكن الكبرياء لا يحمي الجدران من التفتيش.. اخرج هذا العفن من بيتك فوراً، فنحن رجال الحي، ولدينا أماكن سرية وعميقة في أطراف المنطقة تليق بمثل هذه الأعفان الميتة لتدفن فيها إلى الأبد دون أن يلمحها مخبر واحد".
توقفت الكلمات في الهواء البارد، والتمعت عينا جوانمێر بنظرة صقرية استعادت بريق البطولة، فالرجل الذي كان يظن أنه يقاتل بمفرده في غرفته الخشبية، وجد خلف بابه الأخضر جيشاً من القلوب الكردية تحميه وتسانده.
في تلك اللحظة الحابسة للأنفاس عند العتبة، التقت نظرة جوانمێر الصقرية بنظرات الرجال الشجاعة تشرّب كلماتهم الواعية، وأدراك بيقينٍ جنائي أن بقاءه في حي النسيج غدا خطراً حتمياً، ليس عليه فحسب، بل على هذه القلوب الدافئة التي قررت حمايته. وجود الجثة ورائحتها المتصاعدة سيجلب محرقة البعث إلى الزقاق بأكمله. في تلك الدقيقة، اتخذ القرار الحاسم: سيرحل، ويختفي كالشبح، ويأخذ معه عفن الطاغية ليدفنه بيده بعيداً عن أرواحهم.
مرت تلك الليلة في صمتٍ مريب. وفي الصباح التالي، عند السابعة تماماً، تخفّف حي النسيج من وطأة البرد الشتوي، وخرجت النساء إلى الزوايا، ووقف الشبان عند أطراف الشارع الثاني، والجميع يترقب إطلالة القامة الممشوقة والزي الكردي الأسمر.
كانوا ينتظرون سماع نداء موعدهم المقدس، النغمة الشجية التي تلفح أزقتهم بالطمأنينة:
"هەرشتەی تازە... هەرشتەی کۆڵان... هەرشتەی بەکره هەرشتە.. هەرشتە.. هەرشتەی تازە"
لكن السابعة مضت، ثم الثامنة، وتوسطت الشمس كبد السماء، ولم ينداح الصوت الرخيم في الأرجاء. ساد صمتٌ قاحل لم يعهده الحي من قبل. استغرب الأهالي، وتبادلوا نظرات واجفة، فالأسطى جوانمێر لم يتأخر يوماً عن حِرفته. بحلول المساء، تحول الاستغراب إلى رعبٍ عارم، ساد ظنٌّ كئيب بين البيوت أن عساكر المخابرات قد داهموا (حوش الباب الأخضر) في عتمة الليل واعتقلوه سراً.
في صبيحة اليوم الثاني، تكرر الصمت المرعب. لا نداء، لا حركة، ولا أثر لعربته التراثية. لكن ثمة شيء آخر تبدل، انتبه جيران الحوش أن رائحة العفن الثقيلة التي كانت تزكم الأنوف قد تلاشت تماماً واختفت كأنها لم تكن.
لم يطق رجال الحي وبناته صبراً. توجّهت مجموعة من الوجهاء والشبان بخطوات حذرة نحو الباب الأخضر. طرقوا الحديد الثقيل عدة مرات، فارتد الصدى جافاً وموحشاً من الداخل دون أي مجيب. بدافع الخوف عليه، وظناً منهم أنه قد يكون مصاباً أو مقتولاً داخل بيته، اتخذوا قراراً سريعاً: كسر الباب خفية بعيداً عن أعين المخبرين.
بضغطة قوية وعتلة حديدية، انكسر قفل الباب الأخضر وانفتح على مصراعيه، ليتراجع الجميع خطوة إلى الوراء من هول الصدمة التي جمدت الدماء في عروقهم!
ولجوا إلى الحوش الشاسع، فاستقبلهم فراغٌ مطلق وبارد. لم تكن هناك جثة، ولم يكن هناك أثر لـعساكر أو مداهمة. تقدموا نحو الزاوية، فإذا بالغرفة الخشبية الغامضة مفتوحة الأبواب، خالية تماماً؛ فآلة الهرشتة الحديدية ببرغيها ومكابسها اختفت، السلال، أكياس الطحين، جفان الفخار، حتى الأثاث البسيط وأغراض أمه المقعدة... كل شيء رُفع ونُقِل بدقة وإتقان شديدين.
لم يترك جوانمێر وراءه حتى قشة واحدة أو ذرة دقيق تائهة في الهواء. كانت الجدران الآجرية صامتة، تنظر إليهم بوجوم كأنما لم تكن هناك يوماً حياة، أو حِرفة، أو أنفاس بشرية عاشت في هذا البيت.
لقد رحل الأسطى بطل الليل والنهار، مقتلعاً جذوره بالكامل ليحمي جيرانه، تاركاً لحي النسيج قصة تُروى للأجيال عن بائع هرشتة حوّل غرفته الخشبية إلى مقصلة للعدالة، واختفى في ضباب التاريخ ليصبح أسطورة (الباب الأخضر) التي لا تموت.
وقف رجال الحي ونساءه في حوش البيت غارقين في لُجّة من الوجوم والذهول الإنساني الصرف. كانت عيونهم تتسع وهم يتأملون الجدران الطينية والآجرية العارية، لم يكن هناك سحرٌ ولا خيال، بل تجلّت أمامهم عبقرية رجلٍ ذي لياقة بدنية أسطورية وبصيرة هندسية حادة. لقد فكك الأسطى جوانمێر صومعته الخشبية بالكامل، قطعةً قطعة، وحمل آلة الهرشتة الحديدية الثقيلة بمكابسها وبراغيها، ونقل أكياس الطحين والجفان، بل وحتى سرير أمه الغائبة عن الوعي. فعل كل ذلك بمفرده، في غسق ليلة واحدة استثمر عتمتها وبردها القارس، دون أن يترك خلفه صوتاً أو أثراً لعجلة، أو حبل، أو ذرة دقيق تائهة.
كان الاندهاش يقرأ نفسه في صمت الجارات ولحى الشيوخ؛ نظروا إلى المكان الذي بدا من فرط نظافته وجفافه المطبق كأنه متروكٌ مهجور منذ سنة كاملة وليس منذ بضع ساعات. انمحت آثار الحياة فجأة، تاركةً خلفها عتبة (الباب الأخضر) تواجه ريح الشتاء العاصفة وحدها.
أدرك أهالي حي النسيج بيقينٍ قاطع أن جوانمێر رحل عن منطقتهم إلى غير رجعة، واختفى في غياهب المجهول دون أن يعلم بشرٌ على وجه الأرض أين ذهبت به خطاه ولا إلى أي بقاعٍ قادته الدروب. لقد خلع جذوره بالكامل ليرحل في صمتٍ مطبقٍ، آخذاً معه "عفن" الملازم الأول جاسم ليدفنه في مكان سحيق لا تطاله أيدي الأمن، حامياً بيوت الحي من بطش التحقيقات التي كانت ستعصف بهم لو بقي يوماً آخر.
غاب جسد جوانمێر، وانقطع صوته الرخيم الشجي الذي كان يوقظ النيام نهاراً: "هەرشتەی تازە... هەرشتەی کۆڵان..."، لكن (الهرشتة) لم تغادر الحي أبداً. تحولت من مجرد وجبة شتوية إلى عادة عادة قومية مقدسة تسكن كل بيت كوردي، يطهونها في ليالي الصقيع، ومع كل خيط دافئ يتذوقونه، يستحضرون سيرة بطلهم الذي غادرهم دون عنوان.
إن نهاية حكاية جوانمێر بهذه الطريقة لم تكن محض صدفة، بل كانت الجواب الحتمي والشرعي لقضية قومية معقدة. ففي تلك الحقبة، عندما تحول الضابط جاسم وأمثاله من رجال الأمن إلى جلادين يستبيحون الحرمات، ويقتحمون البيوت في عتمة الليل ليقتلوا شاباً أو يكسروا كبرياء شيخ عاجز وينتهكوا كرامة العوائل دون رادع، سقطت القوانين الوضعية كلها.
في تلك اللحظة التاريخية، كان لا بد للعدالة أن تصنع باليد، فالشعب الذي يُهدد في وجوده ويسام العذاب، يملك الحق المطلق في الدفاع النفسي والقومي. لم يكن جوانمێر قاتلاً متعطشاً للدماء، بل كان ذراع الأرض التي ثارت لتقتص من الطغيان وتغسل عار الانتهاك.
رحيله الغامض والنهائي أثبت للجميع أن المقاومة لا تحتاج إلى عنوان، وأن الجلادين - مهما بلغت سطوتهم ودباباتهم - سيظلون يرتجفون خوفاً من أشباح الليل، وأن القصاص قد ينبت لهم في أي لحظة ومن حيث لا يحتسبون... حتى لو كان قادماً من يدِ بائعٍ بسيط، يعجن الخبز نهاراً ويقود الجلادين إلى مسلختهم ليلاً خلف بابٍ أخضر.