ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
المشيح والمهدي المنتظر: انعكاسات عقائد الخلاص على الصراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني المعاصر(7)
يعد المؤرخ والفيلسوف اليهودي الالماني المولد "غيرشوم شولم Gershom Scholem"(1897–1982م) أحد مؤسسي الحركات المسيحانية والافكار الخلاصية في الفكر والتراث اليهودي، ويُعد المؤسس الفعلي للدراسة الأكاديمية الحديثة للتصوف اليهودي (القبّالة). هاجر إلى فلسطين في عشرينيات القرن العشرين وعمل أستاذاً في الجامعة العبرية في القدس Hebrew University of Jerusalem ، ركَزشولم على دراسة الحركات المسيحانية والأفكار الأخروية في التراث اليهودي، ولا سيما المعتقدات المتعلقة بالمسيح المنتظر ونهاية الزمان والخلاص القومي والديني. ومن أشهر مؤلفاته: الاتجاهات الرئيسية في التصوف اليهودي Major Trends in Jewish Mysticism ، والفكرة الخلاصية (أو الفكرة المهدوية / الميسيانيكية) في اليهودية. The Messianic Idea in Judaism ، وقد بيّن في أبحاثه أن التصورات اليهودية عن نهاية التاريخ وتحقق الخلاص مرت بمراحل طويلة من التطور، وأن كثيراً من النصوص الأخروية تعكس ظروفاً سياسية واجتماعية عاشتها الجماعات اليهودية في عصور مختلفة أكثر مما تمثل نبوءات تفصيلية عن أحداث مستقبلية محددة.
أما رافائيل باتاي Raphael Patai (1910–1996م) فهو باحث ومؤرخ يهودي مجري الأصل، اشتهر بدراساته في الأنثروبولوجيا والتاريخ الديني اليهودي. ومن أهم كتبه :"نصوص المسيح المنتظر" أو" نصوص الماشيح (المسيحانية)". The Messiah Texts وهو كتاب جمع فيه الباحث باتاي نصوصاً من التراث اليهودي تتعلق بفكرة المسيح المنتظر (الماشيح) وأحداث آخر الزمان، بما في ذلك النصوص الواردة في الأدب الحاخامي مثل: المشناة والتلمود البابلي والمدراش والقبالة Mishnah وBabylonian Talmud و MidrashوKabbalah.
والفكرة الأساسية في الكتاب هي تقديم مجموعة من النصوص الأصلية مترجمة ومشروحة، تُظهر كيف تطورت التصورات اليهودية عن الخلاص، والحروب الأخروية، وظهور المخلّص في نهاية التاريخ، عبر العصور المختلفة. الذي جمع فيه طائفة واسعة من النصوص اليهودية المتعلقة بالمسيح المنتظر وأحداث آخر الزمان والحروب الأخروية وعلامات الخلاص. ويتميز هذا الكتاب بأنه لا يقتصر على التلمود، بل يجمع نصوصاً من المدراش والقبّالة والأدب اليهودي اللاحق، مع تقديم شروح تاريخية تساعد الباحث على فهم سياقها الأصلي.
وقد أظهرت الدراسات التي أنجزها شولم وباتاي وغيرهما من الباحثين أن الأدب الأخروي اليهودي نتاج تراكم تاريخي طويل ارتبط بتجارب اليهود السياسية والدينية عبر القرون، مثل السبي البابلي والحكم الفارسي واليوناني والروماني والبيزنطي. ولذلك فإن الشخصيات والأمم المذكورة في هذه النصوص كانت في الأصل تشير إلى قوى سياسية معروفة في زمن المؤلفين أو إلى رموز دينية ذات دلالات خاصة في الثقافة اليهودية القديمة.
ومن هذا المنطلق يرى معظم الباحثين الأكاديميين أن النصوص المتعلقة بفارس أو أدوم أو حروب آخر الزمان لا تتحدث بصورة مباشرة عن الولايات المتحدة أو دولة إسرائيل الحديثة أو الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فهذه الكيانات السياسية لم تكن موجودة أصلاً عند تدوين التلمود والمدراشات القديمة. لكن بعض الحاخامات والمفسرين المعاصرين أعادوا قراءة تلك النصوص وربطوها بالأحداث الراهنة، فاعتبر بعضهم إيران امتداداً لفارس القديمة، وربط آخرون قوى غربية أو دولاً حديثة برموز مثل أدوم أو جوج وماجوج. ويُنظر إلى هذه التفسيرات في الأوساط الأكاديمية بوصفها تأويلات حديثة تعكس اهتمامات العصر الذي ظهرت فيه أكثر مما تعكس المعنى التاريخي الأصلي للنصوص.
ولهذا السبب يحرص الباحثون في الدراسات اليهودية، ومنهم نيوسنر وشولم وباتاي، على التمييز بين «النص الأصلي» و«التفسير اللاحق»، وبين ما قصده مؤلفو المصادر القديمة وما أضافته الأجيال اللاحقة من قراءات دينية وسياسية مرتبطة بظروفها التاريخية الخاصة. وهذا التمييز يُعد من المبادئ الأساسية في دراسة الأدب التلمودي والأخروي اليهودي دراسةً علميةً نقدية. أي بعبارة أخرى أن النصوص القديمة لا تتحدث عن الولايات المتحدة أو إسرائيل الحديثة أو إيران المعاصرة بصورة مباشرة، وإنما جرى توظيفها وإعادة تفسيرها في الخطاب الديني والسياسي الحديث لتفسير الصراعات الراهنة وإضفاء أبعاد نبوئية عليها.
هذا التصور العقائدي يجعل حقوق الفلسطينيين، في نظر هذه التيارات، قضية ثانوية أمام ما تعتبره “حقًا توراتيًا” أو “مشروع خلاص قومي”. ولهذا السبب يظهر قدر كبير من اللامبالاة تجاه الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان أو القانون الدولي، إذ تعتقد هذه الجماعات أن الشرعية الحقيقية لا تأتي من المؤسسات الدولية، بل من “الوعد الإلهي” ومن ميزان القوة على الأرض. كما أن عقودًا من الدعم الأمريكي السياسي والعسكري لإسرائيل عززت شعور اليمين الإسرائيلي بأن المجتمع الدولي، رغم انتقاداته، غير قادر فعليًا على فرض عقوبات حقيقية أو تغيير السياسات الإسرائيلية.
إضافة إلى ذلك، فإن الانقسامات الدولية، خاصة الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل داخل مجلس الأمن، ساهمت في تقليل تأثير الضغوط الدولية. ورغم أن الاتحاد الاوروبي European Union يعلن رسميًا رفضه للاستيطان واعتباره مخالفًا للقانون الدولي، ويدعو إلى حل الدولتين، فإن الموقف الأوروبي بقي في الغالب ضمن حدود الإدانات الدبلوماسية والعقوبات المحدودة، دون الانتقال إلى ضغوط اقتصادية أو سياسية حاسمة يمكن أن تؤثر جذريًا في السياسات الإسرائيلية.
كما يرى اليمين الإسرائيلي المتطرف أن أوروبا تعيش حالة ضعف سياسي وأزمة هوية داخلية، ما يجعل قدرتها على فرض مواقف موحدة تجاه إسرائيل محدودة. ولذلك تتعامل حكومة اليمين مع الانتقادات الأوروبية باعتبارها جزءًا من خلاف سياسي يمكن احتواؤه، لا تهديدًا وجوديًا حقيقيًا. وفي المقابل، يزداد اعتماد هذه التيارات على التحالف مع القوى الإنجيلية والمحافظة في الولايات المتحدة، التي توفر لها دعمًا أيديولوجيًا وسياسيًا يعزز ثقتها بإمكانية مواصلة مشروع الاستيطان وتهويد الضفة الغربية دون خوف كبير من العزلة الدولية.
في هذا السياق، تأخذ إيران موقع “العدو المركزي” في الخطاب الإسرائيلي والإنجيلي الأمريكي على حد سواء. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979م، تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا بسبب برنامجها النووي ودعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين. لكن هذا الصراع لا يقتصر على الحسابات العسكرية والجيوسياسية، بل يحمل أيضًا أبعادًا دينية ورمزية. فاليمين الإسرائيلي وبعض التيارات الإنجيلية الأمريكية ينظرون إلى المواجهة مع إيران ضمن إطار “الصراع النهائي” بين قوى الخير والشر، وتظهر في بعض الخطابات الإنجيلية إشارات إلى نبوءات توراتية تتحدث عن معارك كبرى في الشرق الأوسط تسبق نهاية الأزمنة.
ومن بين المؤشرات التي تعكس تصاعد الخطاب الديني–الأيديولوجي المرتبط بفكرة “إسرائيل الكبرى”، الجدل الذي أثير حول تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي Mike Huckabee، المعروف بقربه الشديد من التيارات الإنجيلية والصهيونية الدينية، وعلاقته الخاصة مع الرئيس ترامب. فقد ارتبط اسمه مرارًا بخطابات تؤيد الرواية التوراتية بشأن “أرض إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات”، دون خوف أو خجل من الانظمة العربية المتحالفة مع أمريكا؛ كما عبّر في مناسبات مختلفة عن رفضه لفكرة الدولة الفلسطينية، واستخدم توصيفات دينية للضفة الغربية باعتبارها “يهودا والسامرة”. وقد أثارت مواقفه مخاوف واسعة لدى الفلسطينيين والعديد من المراقبين، لأنها تعكس تنامي النفوذ الإنجيلي المتشدد داخل دوائر صنع القرار الأمريكية المرتبطة بإسرائيل.
ويستند خطاب “إسرائيل الكبرى” لدى بعض التيارات الصهيونية الدينية إلى تفسيرات توراتية تعتبر أن حدود الدولة اليهودية الموعودة تمتد “من النيل إلى الفرات”، وهي فكرة تُستخدم رمزيًا لدى الجماعات القومية والدينية المتطرفة لتبرير التوسع الاستيطاني ورفض الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ورغم أن هذا الطرح لا يمثل السياسة الرسمية المعلنة للولايات المتحدة أو حتى لجميع التيارات الإسرائيلية، فإن تكرار الإشارات الدينية والتوراتية في الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي يعكس حجم التداخل بين العقيدة والسياسة في الصراع الحالي.
لذلك، فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل في مواجهة إيران لا يرتبط فقط بالمصالح الاستراتيجية التقليدية، مثل حماية النفوذ الأمريكي أو ضمان أمن إسرائيل، أو السيطرة على منابع النفط بل يتداخل أيضًا مع الخلفيات العقائدية للتيارات الإنجيلية المؤثرة في السياسة الأمريكية. وقد أصبح هذا التأثير أكثر وضوحًا مع تصاعد نفوذ المحافظين الدينيين داخل الولايات المتحدة، حيث يجري تصوير إيران باعتبارها تهديدًا حضاريًا ودينيًا لإسرائيل والغرب معًا.
ومن المظاهر التي تعكس عمق التأثير الإنجيلي في الحياة السياسية الأمريكية، الصور والمشاهد التي ظهرت في أكثر من مناسبة لرؤساء أمريكيين، وعلى رأسهم ترامب، وهم يجلسون داخل البيت الأبيض أو في اجتماعات رسمية محاطين بعدد من الوزراء والمستشارين والقساوسة الإنجيليين الذين يضعون أيديهم عليه ويتلون الصلوات والدعوات الدينية الخاصة به. وقد أصبحت هذه المشاهد ذات دلالة رمزية قوية في الثقافة السياسية الأمريكية، لأنها تعكس التداخل بين السلطة السياسية والخطاب الديني الإنجيلي، خاصة داخل التيار المحافظ.
بالنسبة للتيارات الإنجيلية البروتستانتية، لا يُنظر إلى الرئيس الأمريكي فقط باعتباره قائدًا سياسيًا، بل باعتباره أداة ضمن “الخطة الإلهية” لحماية القيم المسيحية ودعم إسرائيل وتحقيق ما يعتقدون أنه مرتبط بالنبوءات التوراتية. ولذلك يحظى بعض الرؤساء، خاصة أولئك الذين يتبنون مواقف داعمة بقوة لإسرائيل، بمكانة شبه دينية داخل الأوساط الإنجيلية المحافظة.
وقد ارتبطت هذه الطقوس الدينية السياسية بشكل واضح بفترة حكم ترامب، حيث لعب القساوسة الإنجيليون دورًا بارزًا في دعمه سياسيًا وروحيًا، واعتبر كثير منهم أن قراراته المتعلقة بإسرائيل، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ودعم الاستيطان، تمثل تنفيذًا لإرادة إلهية. ولهذا كانت صور الصلاة الجماعية حوله تُستخدم لتأكيد فكرة أن القيادة السياسية الأمريكية تتحرك، في نظر هذه الجماعات، ضمن إطار ديني ورسالي، وليس فقط ضمن الحسابات السياسية التقليدية.
وتكشف هذه المشاهد أيضًا عن طبيعة التحالف العميق بين اليمين الإنجيلي الأمريكي واليمين القومي الديني في إسرائيل، إذ يلتقي الطرفان حول تصور مشترك يعتبر إسرائيل محورًا مركزيًا في التاريخ المقدس وفي أحداث “نهاية الأزمنة”. ولذلك لا يُفهم الدعم الأمريكي لإسرائيل، في بعض الأوساط المحافظة، باعتباره مجرد تحالف استراتيجي، بل باعتباره التزامًا عقائديًا مرتبطًا بالإيمان الديني والتفسير الحرفي للنبوءات التوراتية.
إن أخطر ما في هذا التداخل بين العقيدة والسياسة هو أنه يمنح الصراع طابعًا مطلقًا يصعب احتواؤه أو تسويته. فعندما تتحول الأرض إلى “وعد إلهي”، وعندما تُفسَّر الحروب باعتبارها جزءًا من نبوءات مقدسة، يصبح التفاوض السياسي أكثر تعقيدًا، لأن الأطراف لا تتعامل مع المصالح فقط، بل مع قناعات دينية تعتبر نفسها فوق التاريخ والسياسة. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي المتزايد على تهويد الضفة الغربية، والدعم الأمريكي الواسع لهذه السياسات، والتشدد المتصاعد تجاه إيران، بوصفها جميعًا عناصر داخل رؤية أوسع ترى الشرق الأوسط ساحة لتحقيق تصورات دينية وتاريخية مرتبطة بفكرة الخلاص ونهاية الأزمنة.
وفي ظل استمرار صعود اليمين الديني في إسرائيل، وتزايد نفوذ الإنجيليين المحافظين في الولايات المتحدة، يبدو أن الصراع في المنطقة يتجه أكثر فأكثر نحو التديين والأدلجة العقائدية، وهو ما يهدد بتحويل النزاعات السياسية التقليدية إلى مواجهات دينية مفتوحة يصعب احتواؤها ضمن الأطر الدبلوماسية المعتادة.