سعيد خان كوردستاني: من طالب علوم دينية كوردي إلى طبيب ومبشر بروتستانتي

سعيد خان كوردستاني: من طالب علوم دينية كوردي إلى طبيب ومبشر بروتستانتي
سعيد خان كوردستاني: من طالب علوم دينية كوردي إلى طبيب ومبشر بروتستانتي

وُلد سعيد خان الكوردستاني سنة 1863م في مدينة سنه (سنندج)، عاصمة إقليم كوردستان الإيراني، في أسرة دينية سنية عُرفت بالعلم والاشتغال بالعلوم الشرعية. وكان والده من رجال 

الدين في المدينة، فنشأ سعيد في بيئة إسلامية محافظة، وتلقى في طفولته وشبابه تعليمًا دينيًا تقليديًا، شمل حفظ القرآن الكريم ودراسة اللغة العربية والفارسية والعلوم الشرعية. وتذكر الروايات التبشيرية أنه أظهر منذ صغره اهتمامًا بالقراءة، وأنه كان قريبًا من الوسط الديني، حتى بدا أن مستقبله سيكون في سلك العلماء والملالي، غير أن مسار حياته اتخذ اتجاهًا مختلفًا نتيجة احتكاكه بالمسيحية والإرساليات البروتستانتية. وتثبت الدراسات الحديثة أن سعيد خان (1863–1942م) أصبح لاحقًا من أبرز الشخصيات الكوردية المسيحية في تاريخ القرن العشرين، وأن تجربته ارتبطت بصورة وثيقة بالتفاعل بين الدين والثقافة واللغة والتعليم.

بدأ احتكاكه بالمسيحية في بيئة سنندج، حيث كان للمسيحيين الآشوريين حضور محدود، وكانت المدينة تضم كذلك جماعة يهودية. وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة؛ لأن تأثير الإرساليات في سعيد خان لم يبدأ من لحظة اعتناقه المسيحية، وإنما تشكل تدريجيًا من خلال الكتب واللغات والعلاقات الشخصية. فقد قدم مبشر آشوري يدعى يحيى/يحنان (Yahannan) إلى سنندج لتعلم اللغة الفارسية، وتولى سعيد خان تعليمه الفارسية، في حين بدأ مبشر آخر هو هوكس (Hawks) بتعليمه اللغة الإنكليزية. وأتاح هذا الاتصال اللغوي والثقافي لسعيد خان الاقتراب من الوسط المسيحي والتعرف إلى أفكاره وكتبه. كما حصل على كتاب «ميزان الحق» (Mīzān         al-Haqq) للمبشر الألماني البروتستانتي كارل غوتليب بفاندر، عن طريق مبشر آشوري في أردبيل، وهو كتاب جدلي مسيحي وضع أساسًا لمناقشة الإسلام والمسيحية من منظور إنجيلي. وتشير دراسة "مارسين رزيبكا" إلى أن الكتاب واللغة كانا عنصرين أساسيين في تشكيل تجربته التحولية؛ فالكتب نقلت إليه الأفكار المسيحية، في حين جعلته اللغات في اتصال مباشر مع حاملي تلك الأفكار.

ومع مرور الوقت تطور اهتمام سعيد خان بالمسيحية من مجرد الاطلاع والجدل الديني إلى قناعة دينية انتهت باعتناقه المسيحية. وتذكر المصادر أن تعميده تم علنًا في 10 نيسان/أبريل 1887م، وهو التاريخ الذي يمثل نقطة التحول الأساسية في حياته. وبعد ذلك تزوج من امرأة آشورية هي ابنة القس الآشوري كاشا شمعون (Kasha Shimon)، المرتبط بمنطقة جوقتاباGeogtapa، القريبة من أورمية، ثم انتقل الزوجان إلى همدان، حيث عاشا في الحي اليهودي؛ وكانت زوجته تعمل في مدرسة يهودية، بينما بدأ سعيد خان ممارسة الطب.

وقد كان التحول الديني لسعيد خان ذا تبعات اجتماعية كبيرة؛ إذ لم يكن انتقاله من الإسلام إلى المسيحية مجرد تغيير في الانتماء الديني، وإنما أدى إلى انفصاله عن جزء من بيئته الاجتماعية والدينية التي نشأ فيها. وتقدم الأدبيات التبشيرية قصته باعتبارها نموذجًا لاعتناق مسلم من خلفية دينية علمية للمسيحية، ولذلك بالغت في إبراز صراعه مع أسرته والمجتمع المحيط به، وجعلت من تحوله دليلًا على نجاح العمل الإنجيلي في إيران. ولهذا ينبغي التعامل مع هذه الروايات بحذر نقدي، ولا سيما أن الدراسة الأكاديمية الحديثة تؤكد أن قصة سعيد خان ينبغي قراءتها كذلك باعتبارها تجربة تفاعل ثقافي وديني، وليس فقط قصة «نجاح تبشيري».

وكانت الإرسالية المشيخية الأمريكية في همدان ذات أهمية أساسية في المرحلة التالية من حياته. فقد كانت الإرساليات البروتستانتية قد رسخت حضورها في إيران خلال القرن التاسع عشر، وامتد نشاطها إلى همدان منذ نحو 1880م، حيث أنشأت مؤسسات تعليمية وطبية. وكانت المستشفيات الإرسالية تؤدي دورًا مزدوجًا؛ فهي تقدم العلاج الحديث للسكان، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام المبشرين للتواصل مع المسلمين. وقد أصبح الطب بصورة خاصة وسيلة مهمة للتقارب مع المجتمع الإيراني، ولا سيما أن الخدمات الطبية الحديثة كانت محدودة في ذلك الوقت.

وفي هذه البيئة بدأ سعيد خان تكوينه الطبي. وتشير الروايات التبشيرية إلى أنه درس الطب بصورة عملية على أيدي الأطباء العاملين في الإرسالية، ثم مارس العمل الطبي واكتسب خبرة تدريجية. ولم يكن تكوينه الطبي في بدايته مماثلًا لمسار الدراسة الطبية الجامعية الحديثة، بل كان يعتمد بدرجة كبيرة على التدريب العملي والتعلم لدى الأطباء الغربيين والإرساليين. وتؤكد دراسة تاريخية في الطب أنه تلقى تدريبًا غير رسمي في الطب الغربي على أيدي المبشرين الطبيين، ثم أقام في إنكلترا في مناسبتين من أجل تطوير معارفه الطبية والتدرب في مجال طب العيون.

وقد ساعدته رحلاته إلى إنكلترا على توسيع خبرته الطبية والاحتكاك بالأطباء البريطانيين. وتذكر روايات تبشيرية أنه درس الطب في مستشفيات إنكليزية خلال إحدى إقاماته، ثم عاد إلى إيران لممارسة المهنة، قبل أن يرجع مرة أخرى إلى إنكلترا لاستكمال تدريبه في المجالات التي شعر بالحاجة إلى تطويرها. وتورد بعض الروايات التبشيرية أنه حصل لاحقًا على درجة M.D.، إلا أن هذه الجزئية ينبغي توثيقها من سجل طبي أو جامعي مستقل قبل اعتمادها بصيغة قطعية في البحث الأكاديمي.

بعد عودته إلى إيران، مارس سعيد خان الطب في همدان وطهران، وأصبح معروفًا بمهارته الطبية، ولا سيما في علاج أمراض العيون. وتكشف المصادر التبشيرية أنه لم يحصر نشاطه في المدن الكبرى، بل تنقل في مناطق مختلفة من إيران، ووصل إلى مناطق القبائل والرحل، حيث عالج الزعماء وأفراد القبائل والناس العاديين. وكان يرى في مهنته الطبية وسيلة لخدمة مختلف طبقات المجتمع، ولذلك رفض، بحسب الروايات التبشيرية، أن يحصر نشاطه في خدمة النخب أو أن يصبح طبيبًا خاصًا للبلاط. وقد اشتهر في الأدبيات الإنجيلية بلقب «الطبيب المحبوب في طهران» (The Beloved Physician of Tehran) ، وهو عنوان الكتاب الذي نشره إسحاق مالك يونان سنة 1934م عن حياته وتحوله إلى المسيحية.

ومع ممارسته الطب استمر سعيد خان في نشاطه المسيحي، فكان يستثمر علاقته بالمرضى ووجهاء المجتمع في الحديث عن المسيحية وتوزيع الكتب الدينية. وتذكر الروايات التبشيرية أنه كان يجمع بين العمل الطبي والشهادة الدينية، وأن شهرته المهنية أتاحت له الوصول إلى أشخاص وطبقات اجتماعية لم يكن من السهل على المبشرين الأجانب الوصول إليها. ومن هنا أصبح بالنسبة إلى الإرساليات نموذجًا للمسيحي المحلي الذي يمتلك المعرفة باللغة والثقافة والدين الإسلامي، ويستطيع أن يؤدي وظيفة الوسيط بين المبشرين الغربيين والمجتمع الإيراني. ومع ذلك، فإن نجاحه الفردي لا يعني نجاحًا جماعيًا للإرساليات في تحويل الكورد؛ إذ ظلت تجربة سعيد خان استثنائية إلى حد كبير، ولم تتحول إلى حركة تنصير واسعة بين المسلمين الكورد.

ومن الجوانب المهمة في حياته علاقته بالباحثين والأطباء والمستشرقين الغربيين، إذ لم يكن سعيد خان طبيبًا ومبشرًا فحسب، بل أصبح كذلك وسيطًا معرفيًا بين الباحثين الغربيين والمصادر الإيرانية. ومن أبرز علاقاته العلمية علاقته بالطبيب الكندي-البريطاني الشهير السير وليام أوسلر (William Osler)، الذي كان مهتمًا بتاريخ الطب والمخطوطات الطبية العربية والفارسية. وتكشف سجلات مكتبة أوسلر في جامعة ماكغيل عن مراسلات متعددة بين الرجلين منذ سنة 1913م، كان سعيد خان يمد فيها أوسلر بمعلومات عن المخطوطات الطبية العربية النادرة، ولا سيما مؤلفات ابن سينا والرازي، كما أرسل إليه نسخة من القانون في الطب وصورًا لضريح ابن سينا في همدان. وكان أوسلر يطلب منه البحث عن مخطوطات أخرى، بل دعاه إلى أكسفورد للاطلاع على بعض المخطوطات العربية في مكتبة بودليان.

وتكشف هذه المراسلات أن سعيد خان كان يمتلك معرفة واسعة بالمصادر الطبية العربية والإيرانية، وأن علاقته بالباحثين الغربيين لم تكن مجرد علاقة شخصية، بل اتخذت صورة تعاون علمي قائم على البحث عن الكتب والمخطوطات وتوفير المعلومات المتعلقة بها. ففي سنة 1913م كتب إلى أوسلر عن كتب عربية طبية نادرة وعن مؤلفات ابن سينا، ثم استمرت المراسلات بينهما خلال السنوات اللاحقة، بما فيها مراسلات سنة 1917م و1919م. كما كان له دور في تزويد الباحثين بالمعلومات المتعلقة بضريح ابن سينا في همدان والمشروعات الرامية إلى ترميمه.

وكان اهتمام سعيد خان بالمصادر الدينية والتاريخية أوسع من مجال الطب؛ فقد ارتبط كذلك بالباحثين المهتمين بالبابية والأزلية والبهائية، وكان قادرًا بحكم معرفته بالفارسية والعربية والكردية واتصاله بالمجتمع المحلي على الوصول إلى معلومات ومخطوطات يصعب على الباحث الغربي الحصول عليها بصورة مباشرة. وهنا تتضح إحدى أهم وظائفه التاريخية: فقد أصبح حلقة وصل بين المعرفة المحلية والبحث الغربي، إذ ساعد المستشرقين والباحثين على التعرف إلى مصادر إيرانية، وأمدهم بالمعلومات المتعلقة بالشخصيات والمخطوطات والكتب الدينية.

وفي سنواته الأخيرة ظل سعيد خان مرتبطًا بالحياة الطبية والدينية والثقافية في إيران، وتنقل بصورة خاصة بين طهران وهمدان. وقد امتدت حياته إلى العقود الأولى من العصر البهلوي، وشهد خلالها تحولات كبيرة في المجتمع الإيراني وتطور الطب الحديث ونشاط الإرساليات والمؤسسات الغربية. وتوفي سنة 1942م، بعد حياة امتدت نحو ثمانية عقود، ترك خلالها سيرة مركبة جمعت بين العالم الديني السابق، والمسيحي المتحول، والطبيب، والمبشر، والمترجم، والوسيط الثقافي. وتؤكد الدراسات الحديثة تاريخ حياته على النحو 1863–1942م، كما أن الأعمال التبشيرية التي تناولت سيرته جعلته واحدًا من أشهر المتحولين الكورد إلى المسيحية في إيران.

وتكشف سيرة سعيد خان الكوردستاني في مجملها عن مسار فردي استثنائي تشكل عند تقاطع الإسلام والتبشير البروتستانتي والطب والاستشراق. فقد نشأ في أسرة دينية في سنندج، ثم دخل عالم المسيحية من خلال الكتب واللغات والعلاقات مع المبشرين، وتُوّج هذا المسار بتعميده سنة 1887م. وبعد ذلك أسهمت الإرسالية في توفير البيئة التي أتاحت له تعلم الطب والإنكليزية والاحتكاك بالطب الغربي، ثم أصبح طبيبًا معروفًا في همدان وطهران ومناطق أخرى من إيران. وفي الوقت نفسه تحول إلى مبشر مسيحي ووسيط ثقافي، ثم نشأت له علاقات علمية مع باحثين غربيين، ومن أبرزهم "وليام أوسلر"، الذي استفاد من معرفته بالمخطوطات الطبية العربية والفارسية. ولذلك فإن أهميته التاريخية لا تكمن في كونه متحولًا دينيًا فحسب، بل في كونه شخصية جمعت بين التحول الديني والتكوين الطبي والعمل التبشيري والوساطة العلمية بين إيران والغرب.

وهكذا امتدت حياة سعيد خان الكوردستاني من سنندج سنة 1863م إلى طهران سنة 1942م، مرورًا بمحطة حاسمة في همدان سنة 1887م، حيث ارتبط بالإرسالية الأمريكية وبدأ تكوينه الطبي والديني الجديد. وقد جمع في شخصيته بين الطبيب والمبشر والمترجم والباحث في الأديان الإيرانية، وأصبح بحكم معرفته باللغات واطلاعه على البيئة الدينية المحلية حلقة وصل بين الإرساليات الغربية والمجتمع الإيراني والكردي. كما أن علاقته بإدوارد براون وويليام ميلر تكشف جانبًا آخر من شخصيته، يتمثل في إمداد الباحثين الغربيين بالمعلومات والمخطوطات والشهادات المتعلقة بالبابية والأزلية والبهائية. ولذلك فإن أهميته التاريخية لا تقتصر على كونه أحد أوائل المتنصرين الأكراد المرتبطين بالإرساليات البروتستانتية، بل تمتد إلى دوره بوصفه وسيطًا معرفيًا نقل إلى الباحثين الغربيين مواد ومعلومات لم يكن الوصول إليها ممكنًا بسهولة من دون علاقاته المحلية ومعرفته العميقة بالبيئة الدينية الإيرانية.

لم يقتصر نشاط سعيد خان الكوردستاني على الحوار مع المسلمين، بل امتد أيضًا إلى أتباع الديانات والحركات الدينية الأخرى التي كانت تنتشر في إيران خلال أواخر العصر القاجاري وبدايات العصر البهلوي، وفي مقدمتها البابية والبهائية. فقد كانت همدان وطهران وقزوين تضم جماعات بهائية نشطة، وكانت الإرساليات البروتستانتية تنظر إليها بوصفها بيئة يمكن استمالتها إلى المسيحية، باعتبار أن البهائيين قد انفصلوا أصلًا عن البيئة الإسلامية التقليدية. وتشير المصادر الإنجيلية إلى أن سعيد خان كان من أكثر المبشرين المحليين قدرة على إجراء الحوارات مع البهائيين، مستفيدًا من إتقانه الفارسية والعربية، ومعرفته السابقة بالعلوم الإسلامية، وإلمامه بكتابات البابيين والبهائيين.

وقد أجرى سعيد خان مناقشات مطولة مع عدد من الشخصيات البهائية، وكان يسعى إلى إقناعهم بأن المسيح هو محور الوحي الإلهي وأن العقيدة المسيحية تمثل الامتداد الصحيح للوحي، مستندًا في ذلك إلى نصوص من الكتاب المقدس وإلى مؤلفات الجدل المسيحي التي اعتمدتها الإرسالية المشيخية الأمريكية. وتذكر بعض المصادر التبشيرية أنه نجح في استمالة عدد من البهائيين إلى المسيحية، غير أن هذه الروايات وردت في مؤلفات دعائية للإرسالية، ولا تؤيدها دائمًا مصادر بهائية مستقلة، الأمر الذي يستوجب التعامل معها بمنهج نقدي.

وتبرز أهمية سعيد خان في هذا الجانب من خلال صلاته الفكرية ببعض الباحثين والمهتمين بالشأن الديني الإيراني، إذ كان يتبادل الآراء والرسائل مع عدد من المستشرقين والباحثين الأوروبيين، كما كان يتابع ما يصدر من مؤلفات حول البابية والبهائية، وهو ما أهله للمشاركة في النقاشات الفكرية التي شهدتها إيران في النصف الأول من القرن العشرين. ومن اللافت أن بعض الشخصيات البهائية التي عرفته شخصيًا، ومنهم "حسن موقر باليوزي (Hasan M. Balyuzi) ،" أشاروا في مذكراتهم إلى كفاءته الطبية ومكانته المهنية، وإن اختلفوا معه في توجهه الديني، وهو ما يدل على أن شهرته بوصفه طبيبًا تجاوزت حدود الانتماءات الدينية.

وتشير بعض المصادر إلى أن سعيد خان أقام علاقات فكرية مع عدد من المستشرقين الأوروبيين المهتمين بتاريخ الكورد ولغتهم، ومن أبرزهم المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي (Vladimir Minorsky)، (1878 -1966م) الذي تبادل معه المراسلات، واستفاد من معرفته باللهجات الكوردية والتراث المحلي، ولا سيما فيما يتعلق بمنطقة هاورامان والوثائق القديمة التي اشتهرت لاحقًا باسم رقوق هاورامان. وقد أسهمت هذه العلاقة في تعريف الدوائر العلمية الأوروبية ببعض الجوانب الثقافية والتاريخية لكردستان، وإن كانت دوافع سعيد خان في هذا المجال قد اختلطت أحيانًا بنشاطه الديني وعلاقاته الوثيقة بالإرسالية الأمريكية.

كما تكشف المصادر عن اطلاعه الواسع على الأدبيات الجدلية التي كانت تصدرها الإرساليات البروتستانتية في الهند وإيران. ويبدو أنه تأثر على وجه الخصوص بكتابات المبشر الشهير كارل غوتليب فاندر (Karl Gottlieb Pfander)، ولا سيما كتابه «ميزان الحق« (Mīzān al-Haqq)، الذي يعد أشهر مؤلفات الجدل التنصيري في القرن التاسع عشر، وقد استند إليه سعيد خان في عدد من مناقشاته مع علماء المسلمين. وكان هذا الكتاب قد أثار جدلًا واسعًا في شبه القارة الهندية، ودفع العالم المسلم رحمة الله الكيرانوي (1818–1891م) إلى تأليف كتابه الشهير «إظهار الحق» ردًا على فاندر، بعد المناظرة المعروفة التي جرت بينهما في مدينة آكرة سنة 1854م، وأصبحت من أشهر المناظرات الإسلامية–المسيحية في العصر الحديث. ومن المرجح أن سعيد خان استفاد من هذا التراث الجدلي في صياغة كثير من حواراته الدينية، سواء مع المسلمين أو مع المهتمين بالمسيحية في إيران وكوردستان.

كان للدكتور سعيد خان الكوردستاني أثر بالغ في نجاح المشروع التبشيري البروتستانتي بين الكُرد المسلمين في إيران، إلا أن هذا النجاح لم يكن وليد جهوده الفردية، بل جاء نتيجة ارتباطه بعدد من كبار رجال الإرسالية الأمريكية والإنكليزية الذين تولوا رعايته العلمية والروحية منذ السنوات الأولى لتنصره. ويأتي في مقدمتهم المبشر الأمريكي جيمس وليم هوكس (James W. Hawkes) ، الذي كان يعمل في الإرسالية المشيخية الأمريكية في همدان، إذ تشير المصادر التبشيرية إلى أن هوكس احتضن سعيد خان بعد مغادرته سنندج إثر اعتناقه المسيحية، وهيأ له الإقامة والدراسة، وأسهم في تعليمه اللغة الإنكليزية وإلحاقه بمؤسسات الإرسالية الطبية. وقد صحح المبشر "فريدريك كوان" لاحقًا روايات نشرت في بعض الدوريات التبشيرية، مؤكدًا أن هوكس كان صاحب الفضل الأكبر في رعاية سعيد خان في بداياته، الأمر الذي مهد الطريق أمامه ليصبح طبيبًا ومبشرًا محليًا يخدم أهداف الإرسالية بين المسلمين والكورد.

كما ارتبط سعيد خان بعلاقة وثيقة بالقس صموئيل جراهام ويلسون (Samuel G. Wilson) ، أحد أبرز قادة الإرسالية المشيخية في تبريز، الذي كان يشرف على المدارس والمؤسسات التبشيرية في شمال غرب إيران. وقد استفاد سعيد خان من خبرة ويلسون في الجمع بين العمل الطبي والتعليم والتبشير، وأصبح جزءًا من الشبكة التي أسسها الأخير لنشر المسيحية بين المسلمين والآشوريين والأرمن والكرد. وتشير المصادر إلى أن ويلسون أولى اهتمامًا خاصًا بإعداد المبشرين الوطنيين، وكان يرى في سعيد خان نموذجًا ناجحًا للمبشر المحلي القادر على مخاطبة أبناء بلده بلغتهم وثقافتهم، ولذلك حظي بمكانة متميزة داخل الإرسالية الأمريكية.

أما القس الدكتور وليام سانت كلير تيسدال (William St. Clair Tisdall (1859 -1928م) ، المبشر البروتستانتي الإنكليزي والمستشرق واللغوي، وأحد أبرز منظري الإرساليات التبشيرية البريطانية في إيران والهند، ومن أشهر مؤلفي الأدبيات الجدلية الموجهة إلى المسلمين في مطلع القرن العشرين ، فقد كانت علاقته بسعيد خان ذات طابع فكري وعلمي أكثر منها علاقة إدارية مباشرة. فقد عُرف تيسدال بكونه من أبرز المنظرين البروتستانت في الحوار مع المسلمين، وبإتقانه الفارسية والعربية ومشاركته في مراجعة الترجمة الفارسية للكتاب المقدس، كما ألف عددًا من الكتب الجدلية التي أصبحت مراجع أساسية للمبشرين العاملين في إيران والهند. ويبدو أن سعيد خان اطلع على مؤلفات تيسدال واستفاد من منهجه في مناقشة المسلمين والبهائيين، كما أن وجودهما ضمن الشبكة نفسها للإرساليات البروتستانتية أتاح تبادل الخبرات والأفكار بينهما. ومن ثم يمكن القول إن "هوكس" أسهم في احتضان سعيد خان وتأهيله الأول، بينما كان "ويلسون" المشرف على تطوره داخل الإرسالية، في حين مثل "تيسدال" المرجعية الفكرية والجدلية التي أثرت في أسلوبه في الحوار الديني والدفاع عن العقيدة المسيحية.

كانت علاقة الدكتور سعيد خان الكوردستاني بالمستشرق البريطاني إدوارد غرانفيل براون (Edward Granville Browne، (1862 – 1930م) من أهم علاقاته العلمية مع المستشرقين الأوروبيين، وهي علاقة تكاد تكون مجهولة في الدراسات العربية، على الرغم من أهميتها في فهم نشاط سعيد خان العلمي والثقافي إلى جانب نشاطه التبشيري.

كان براون أستاذًا للغة الفارسية في جامعة كامبردج، وأحد أشهر المستشرقين المتخصصين في تاريخ إيران والأدب الفارسي والبابية والبهائية، كما اهتم اهتمامًا كبيرًا بالشعوب الإيرانية غير الفارسية، ومن بينها الأكراد. وقد جمعته بسعيد خان معرفة شخصية ومراسلات علمية خلال السنوات الأولى من القرن العشرين، عندما أصبح سعيد طبيبًا معروفًا في طهران، يتمتع بعلاقات واسعة مع الأوساط العلمية والدينية.

وقد وجد براون في سعيد خان مصدرًا مهمًا للمعلومات عن المجتمع الكردي في غرب إيران، وعن اللهجات الكردية والعادات الاجتماعية، فضلًا عن اطلاعه على المخطوطات والوثائق المحلية. وفي المقابل، استفاد سعيد خان من مكانة براون العلمية في الأوساط الأكاديمية الأوروبية، إذ ساعدت هذه الصلة على تعريف الباحثين الغربيين ببعض جوانب التراث الكردي، ولا سيما ما يتعلق بمنطقة هورامان.

وتبرز هذه العلاقة بصورة أوضح في قضية رقوق) التي اكتشفت سنة 1909م في إحدى الكهوف بمنطقة هاورامان). فقد اهتم براون بهذه الوثائق منذ الإعلان عنها، وتابع الدراسات المتعلقة بها، وكان سعيد خان من الشخصيات المحلية التي نقلت معلومات عن المنطقة ولغتها وتقاليدها. كما ارتبط اسمه بالروايات التي تناولت القصيدة الكوردية المعروفة باسم «هورمزگان»، والتي زُعم أنها تعود إلى صدر الإسلام، إذ أبدى اهتمامًا بإبرازها بوصفها أثرًا أدبيًا كورديًا قديمًا. إلا أن عددًا من الباحثين الكورد والمستشرقين المتأخرين شككوا في نسبة هذه القصيدة إلى القرن السابع الميلادي، ورأوا أنها لا تستند إلى دليل مخطوط معاصر، وأن تاريخها يحتاج إلى مراجعة نقدية.

كما جمع الرجلين اهتمام مشترك بالحركة البابية والازلية والبهائية. فقد كان براون أشهر المستشرقين الغربيين الذين درسوا هاتين الحركتين دراسة أكاديمية، ونشر نصوصًا ووثائق كثيرة عنهما، بينما كان سعيد خان يتعامل مع البهائيين من منظور تبشيري بروتستانتي، محاولًا دعوتهم إلى المسيحية. ومن ثم كانت لقاءاتهما ومراسلاتهما تدور حول الأوضاع الدينية في إيران، والتنوع المذهبي، واللغة الكردية، أكثر مما كانت تدور حول النشاط الطبي.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن العلاقة بين براون وسعيد خان كانت علاقة علمية وفكرية، وليست علاقة إشراف أو توجيه كما كانت علاقة سعيد خان بالمبشرين جيمس وليم هوكس وصموئيل جراهام ويلسون. فلم يكن براون مبشرًا، بل كان مستشرقًا وأستاذًا جامعيًا، وكانت اهتماماته الرئيسة تنصب على البحث العلمي وجمع المخطوطات ودراسة تاريخ إيران وأديانها، في حين ظل سعيد خان مرتبطًا تنظيميًا بالإرسالية المشيخية الأمريكية.

ومن الناحية المنهجية، لا توجد أدلة منشورة تثبت أن براون كان له دور مباشر في تنصير سعيد خان أو في إدارته للعمل التبشيري، وإنما تشير المصادر إلى صلة علمية ومراسلات وتبادل للمعلومات حول كردستان وإيران والتراث الكردي، وهو ما جعل سعيد خان واحدًا من الشخصيات الكوردية التي استفاد منها براون في دراساته عن إيران والمجتمع الكوردي، كما استفاد سعيد خان من شهرة براون وعلاقاته الواسعة في الأوساط الاستشراقية الأوروبية.

وتتصل بقضية رقوق هورامان (Awraman Parchments مسألة أخرى أكثر إثارة للجدل، هي ما عُرف لاحقًا بقصيدة «هورمزگان»، التي جرى تداولها في عدد من الكتابات الفارسية والكوردية بوصفها أقدم نص شعري كوردي، وقيل إنها تعود إلى زمن الفتح الإسلامي لبلاد الكورد في القرن السابع الميلادي، وأنها تصور انهيار المعابد الزرادشتية وسقوط المدن على يد العرب. غير أن هذه الرواية لا تستند إلى مخطوط أصلي محفوظ يمكن فحصه، ولم يُعثر على الرقعة الجلدية التي قيل إن القصيدة كانت مكتوبة عليها، كما لم يقدم ناشرو النص الأول صورة أصلية أو وصفًا علميًا كافيًا للوثيقة المزعومة. وقد أدى ذلك منذ وقت مبكر إلى إثارة الشكوك حول أصالتها؛ فحتى "ملك الشعراء بهار" أبدى تحفظًا واضحًا على صحة الوثيقة، وطرح احتمال أن تكون القصيدة مصطنعة، قبل أن تتطور لاحقًا الدراسات النقدية التي شككت في أصلها وتاريخها.

وتزداد الشبهة قوة عند مقارنة هذه الرواية بالوثائق الحقيقية التي اكتُشفت في هاورمان؛ إذ إن رقوق هاورمان الأصلية ثلاثة وثائق قديمة عُثر عليها سنة 1909م في كهف بمنطقة كوه سالان، وقد حملها الدكتور سعيد خان الكوردستاني إلى لندن سنة 1913م، ثم وصلت إلى المتحف البريطاني. وتثبت الدراسات المتخصصة أن اثنتين منها مكتوبتان باليونانية وتؤرخان إلى 88–87 ق.م. و22–21 ق.م.، في حين أن الثالثة مكتوبة باللغة الفرثية وتعود إلى نحو 33م، أي إلى العصر الفرثي/الأرشكي، وهي وثائق قانونية تتعلق ببيع الأراضي وكروم العنب، ولا علاقة لها بقصيدة «هورمزگان» أو بتاريخ الفتح الإسلامي.

ومن هنا نشأت، على ما يبدو، مفارقة تاريخية مهمة؛ فقد أدى اكتشاف رقوق هورامان الحقيقية، وهي وثائق تسبق الإسلام بعدة قرون، إلى ظهور رواية حديثة عن «رقعة كوردية» تعود إلى عصر الفتح الإسلامي، ثم نُسب إليها نص شعري يصور الصراع بين العرب والزرادشتية. وقد وصفت دائرة المعارف الايرانية Encyclopaedia Iranica هذه الرواية صراحة بأنها أسهمت في نشوء أسطورة حديثة عن اكتشاف رقعة كوردية تعود إلى زمن الغزو الإسلامي، وقررت أن النص المنشور بوصفه «كورديًا مبكرًا» زائف تمامًا ولا يمثل وثيقة أثرية حقيقية.

أما فيما يتعلق بسعيد خان الكوردستاني، فإن المسألة تحتاج إلى تمييز دقيق بين ثبوت صلته برقوق هاورمان الحقيقية وبين اتهامه باختلاق قصيدة «هورمزگان». فالثابت تاريخيًا أن سعيد خان اهتم بالرقوق الأصلية، وسعى للحصول عليها، ثم نقلها إلى إنكلترا، حيث عرضت للبيع واقتناها المتحف البريطاني؛ وقد وثق المستشرق C. J. Edmonds هذه الصلة بصورة صريحة. أما نسبة قصيدة «هورمزگان» إليه شخصيًا، فقد ذهب إليها بعض الكتاب والباحثين المتأخرين اعتمادًا على مجموعة من القرائن، منها عدم وجود الأصل المزعوم، وتباين النصوص التي نقلت عنه، ومعرفة سعيد خان باللغة الهورامية واشتغاله بالأدب الكوردي، واتصاله الوثيق بالمستشرقين. لكن هذه القرائن، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات مسؤوليته عن اختلاق النص بصورة قطعية.

ولذلك فإن الأصح علميًا أن يقال إن «هورمزگان» نص منحول أو زائف لا تثبت نسبته إلى القرن السابع الميلادي، وأن نسبة اختلاقه إلى سعيد خان تبقى فرضية تاريخية قوية تحتاج إلى مزيد من الأدلة المباشرة، لا حقيقة نهائية محسومة. وتزداد أهمية هذه النتيجة في دراسة شخصية سعيد خان؛ لأن الرجل كان على اتصال وثيق بالمصادر الكوردية والهورامية وبالمستشرقين الغربيين، وقد نقل بالفعل رقوق هورامان الحقيقية إلى لندن، إلا أن الخلط بين تلك الوثائق القديمة وبين الرقعة المزعومة التي حملت «هورمزگان» أدى إلى بناء رواية تاريخية غير صحيحة. فالوثائق الأصلية تثبت وجود كتابة يونانية وفرثية في هورامان قبل الإسلام بقرون، لكنها لا تثبت وجود نص كوردي شعري يعود إلى زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وتكشف هذه الجوانب مجتمعة أن سعيد خان لم يكن مجرد طبيب أو مبشر محلي، بل كان شخصية متعددة الأبعاد، جمعت بين التكوين الديني الإسلامي، والتعليم الطبي الحديث، والعمل التبشيري، والاهتمام بالتراث الكوردي، والعلاقات مع المستشرقين الأوروبيين، وهو ما جعل سيرته تحظى باهتمام واسع في الأدبيات الإنجيلية خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومع ذلك، فإن دراسة حياته تظل بحاجة إلى قراءة نقدية تستند إلى مقارنة المصادر التبشيرية بالمصادر الكوردية والإيرانية المعاصرة، بعيدًا عن النزعة الدعائية التي طبعت كثيرًا من الكتابات التي تناولت سيرته.