لنجة دزيي
سياسية كوردية
موسم الحصاد والتمييز في إدارة تسويق المحاصيل الزراعية، إخلالٌ بمبدأ المساواة الدستورية وإجحافٌ بحق مزارعي إقليم كوردستان
إن العدالة في إدارة الثروات والموارد العامة ليست إجراءً إدارياً خاضعاً للاجتهاد، بل هي التزام دستوري وأخلاقي يقع على عاتق مؤسسات الدولة كافة، ولا سيما الجهات المسؤولة عن إدارة القطاع الزراعي والتجاري والتسويقي في العراق.
وفي هذا الإطار، فإن الواقع الذي يواجهه الفلاحون والمزارعون في إقليم كوردستان خلال مواسم تسويق المحاصيل الزراعية بالأخص الحُبوب الزِراعية، يكشف عن وجود تفاوت ملحوظ في آليات الاستلام والتسويق مقارنة بما يُطبق في محافظات أخرى، الأمر الذي يستوجب مراجعة جادة لضمان انسجام هذه الإجراءات مع المبادئ الدستورية التي أكدت المساواة بين جميع العراقيين في الحقوق والواجبات، وقد نصت المادة 14 من الدستور العراقي على أن: “العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي”.
وبناءً على هذا المبدأ الدستوري، فإن أي اختلاف في معاملة المزارعين بسبب موقعهم الجغرافي أو الإداري، بما يؤدي إلى تفاوت في فرص تسويق محاصيلهم أو الحصول على حقوقهم، يستوجب المعالجة بما يضمن تكافؤ الفرص والعدالة بين جميع المنتجين الزراعيين في العراق.
فالفلاح العراقي، سواء كان في إقليم كوردستان أو في أي محافظة أخرى، يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الغذائي الوطني، ويستحق الدعم والحماية والرعاية ذاتها من الدولة. إذ لا يمكن بناء سياسة زراعية عادلة في ظل وجود تفاوت في فرص الاستفادة من برامج التسويق أو استلام المحاصيل بين أبناء الوطن الواحد.
إن استمرار الإشكالات المرتبطة بإدارة المواسم التسويقية خلال السنوات الماضية ولحد الآن ألحق أضراراً اقتصادية كبيرة بالمزارعين في إقليم كوردستان وبقطاع الزراعة فيي الدولة، كما أثر في كفاءة إدارة الموارد الزراعية، وانعكس على ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات الحكومة الاتحادية على تطبيق معايير موحدة وعادلة في التعامل مع جميع المواطنين.
فالعدالة لا تُقاس بالشعارات، وإنما تتجسد في القرارات والإجراءات العملية التي تحفظ حقوق المواطنين وتؤكد وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع أبنائها.
وعليه، فإننا نناشد دولة رئيس مجلس الوزراء (الأستاذ علي الزيدي) التدخل العاجل والمسؤول لمعالجة هذه الإشكالية، وضمان اعتماد معايير موحدة وشفافة وعادلة في استلام وتسويق المحاصيل الزراعية، بما يشمل جميع المزارعين في العراق دون استثناء، وبالتنسيق مع الجهات المختصة في حكومة إقليم كوردستان. إن تعزيز التعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في هذا الملف لا يمثل خدمة لشريحة المزارعين فقط، بل يشكل خطوة مهمة نحو دعم التكامل الوطني، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتحقيق إدارة أكثر كفاءة للقطاع الزراعي.
ونحن نضع ثقتنا بدولة رئيس الوزراء، ولا سيما في ضوء تأكيداته خلال زيارته إلى إقليم كوردستان بشأن معالجة الملفات العالقة وتعزيز التعاون المشترك بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، ونأمل أن تكون قضية إنصاف المزارعين وضمان العدالة في تسويق المحاصيل الزراعية من أولويات المعالجة، لما لها من ارتباط مباشر بمعيشة شريحة واسعة من المواطنين.
إن إنصاف مزارعي إقليم كوردستان ليس مطلباً فئوياً أو إقليمياً، بل هو تطبيق عملي لمبدأ المواطنة الدستورية، وتجسيد لمفهوم الدولة العادلة التي يتمتع فيها جميع العراقيين بحقوق متساوية تحت مظلة الدستور.
فالدولة التي تحمي فلاحها، تحمي أمنها الغذائي والدولة التي تطبق العدالة بين مواطنيها، تبني الثقة والانتماء وتُرسّخ دعائم الوحدة الوطنية والازدهار والرفاه والكرامة للجميع.