"جامع بارزاني الكبير" مانيفیستو العمارة الدينية وتجسيد الهُويّة الثقافيّة والحضاريّة لكوردستان

"جامع بارزاني الكبير" مانيفیستو العمارة الدينية وتجسيد الهُويّة الثقافيّة والحضاريّة لكوردستان
"جامع بارزاني الكبير" مانيفیستو العمارة الدينية وتجسيد الهُويّة الثقافيّة والحضاريّة لكوردستان

حين يتأمّلُ المرءُ في سجلّ الحضارات والتاريخ الإنساني، تبرز العمارة الدينية دائمًا باعتبارها الانعكاس الأعمق للمكنونات الروحيّة، الفكرية، والسياسية للمجتمعات. واليوم، تقف مدينة أربيل - بوصفها واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في التاريخ - مشارف منعطف تاريخي حاسم في مسار التعبير عن هُويتِها الأصيلة. 

إنّ قرار تشييد هذا الصرح العظيم، لا يقتصر على كونه بناءً للعبادة وإقامة الشعائر فحسب، بل هو إرساء لمانيفیستو (بيانٍ) هندسيّ دينيّ يتّجه نحو أبعاد الهُويّة الوطنية، ويشكّل تحولاً حضاريًا مشهودًا في إقليم كوردستان. 
إن مشروع "جامع بارزاني الكبير"، الذي رسم ملامحه واستراتيجيته دولة رئيس مجلس الوزراء، السيد مسرور بارزاني، يُمثِل المُحرّك لمركز حضاري دَوْلي، ومجمع متكامل يجمع بين الأبعاد الدينية، الفكرية، الثقافية، الفنيّة، والسياحية... إنه شُرفة حداثيّة فريدة ومَعلمٌ حضاريّ يُعيد رَسم المكانة التاريخية لكوردستان على خريطة الثقافة الدينية والحضارية العالَمية.

المسجد، هُويّة حضاريّة وحاضِنة فكريّة وعِلميّة

لقد أضفىٰ خطاب رئيس حكومة إقليم كوردستان إطارًا فكريًا متجددًا على هذا المشروع المهيب العملاق. فهذا الجامع لن يقتصر على كونه مَعْلمًا دينيًا مباركًا ومتميزًا على المستويين الإقليمي والدَّوْلي فحسب، بل سيكون - على غرار الصروح والشواهد التاريخية الكبرى كجامعي "السلطان أحمد" و"آيا صوفيا" في إسطنبول، وجامع "الحسن الثاني" في المغرب، وجامع "الشيخ زايد" في الإمارات، و"المسجد الأزرق" في كوالالمبور بماليزيا - مزيجًا متسقًا يربط بين روحانية العبادة، وأصالة الهندسة المعمارية التليدة، فضلا عن كونه نموذجًا ملهمًا لدمج فنون البناء المعاصر بالتقاليد الإسلامية العريقة والمَوروث الثقافيّ المحلّي.

إنّ احتضانَ هذا الصرح لمكتبة ضخمة وثريّة، وزاخرة بالمعارف، وقاعات للبحوث العلمية، ومراكز للمؤتمرات الدولية، من شأنه أن يُخرج هذه البقعة الجغرافية من طابعها المحلّي المحدود، ليرتقيَ بها إلى مصاف القِبلة الأكاديمية والمركز الاستراتيجي العالمي للعُلماء، والأساتذة، والمفكرين، والأكاديميين، والمستشرقين، والباحثين في الشؤون الإسلامية من شتّىٰ أرجاء المعمورة. وهذا بدوره يحوّلُ الخطاب الديني في كوردستان من حالة الرّكود والجمود والانغلاق، والانكفاء الوَعظيّ إلى فضاء خطابٍ حيوي، مُحفّز، وعلميٍّ رصين، قادر على المشاركة الفعالة في حوار الأديان والحضارات.

البُعد الثّقافي ونموّ السيّاحة "الدينيّة"

لقد عُرفت كوردستان عبر أطوار تاريخها بقيَم التسامح والوئام المجتمعي، والتعايش الديني المشترك؛ بيد أن هذا المشروع سيغدو "أيقونة معمارية" آسرة أخّاذة تُعيد رسم صياغة المظهر الحضاري لمدينة أربيل وتُحدّد هويتها الخارجية. وكما تُعرف وتتمايز الحواضر العالمية الكُبرىٰ بمعالمها الدينية والثقافية الشامخة، فإنّ جامع بارزاني الكبير سيكون بصمة عرفانية، علمية، ثقافية، وسياحية، تجسّد الهويّة والتعريف الأصيل لكوردستان في المحافل الدَّولية. إن الاستثمار في الأبعاد الثقافية والفكرية، والمعالم الحضارية من خلال هذه المؤسسات الكبرى، لن يُساهم في تنمية العائدات الاقتصادية والتدفقات السياحية فحسب، بل سيعمل كأداة دبلوماسيّة، ودعويّة ناعمة، وقوة فكرية حكيمة، لتقديم صورة حيّة، حقيقية، معاصرة، ومتعددة المكونات والأبعاد لإقليم كوردستان أمام المجتمع الدَّولي.

إحياء الإرث القيادي ومكانة الدِّين لدىٰ البارزاني الخالد

إنّ اقتران اسم هذا المركز والجامع باسم "جامع بارزاني الكبير"، يحمل في طَيّاتِه دلالات تاريخية عميقة، تعكس قيَم الوفاء الوطني الأصيل. فتاريخ الحركة التّحرُّريّة للشعب الكوردي بقيادة الملا مصطفى بارزاني، كان دائمًا وثيق الارتباط بقيَم الدين، والإنسانية، والعدالة، وصون الكرامة البشرية، وتقديس الرسائل السماوية المنبثقة من معرفة الله. لقد كان تبنّي الدِّين كمصدر للسلام، وينبوع للوئام والتآخي والطمأنينة، والذود عن حقوق المظلومين والمستضعفين، ركيزة بنيويّة أساسيّة في فكر البارزاني الخالد الاستراتيجي. 

ومن هذا المنطلق، فإن تشييد هذا الصّرح والمجمع الوطني الكبير في هذه المرحلة بالذات، هو تجسيدٌ حيٌّ وإعلاءٌ لإرث ذلك القائد القومي الذي رأىٰ في الدين والوطن توأَمَيْن لا ينفصلان لتحقيق العدالة الكونيّة وصَون حُريّة الإنسانِ وكرامتِه.

عليه، فإنّ الرؤية السديدة لسيادة رئيس الوزراء مسرور بارزاني، تضع أمامَنا خريطة طريق واضحة المعالم، تضمن ألّا يكون جامع بارزاني الكبير، مُجرّد كُتل خرسانية وقواعد إسمنتية صامتة، بل روحًا نابضة تدُبّ في جسد الهُوية الحضارية الجديدة. 

إنّ هذا المركز الفريد سيكون جسرًا وثيقًا يربط بين ماضٍ مجيد حافل بالنضال والتضحيات، ومستقبل مشرق تزدَهِر وتتألّق فيه أربيل كعاصمة للثقافة، والعلوم، والتعايش الديني الرصين في المنطقة. 
لقد كان هذا المشروع ضرورة تاريخية واستراتيجية حتميّة لإثبات أن كوردستان، إلى جانب هُويتِها القوميّة الراسِخة، تحملُ رسالة إنسانيّة ودينيّة عميقة قوامها السموّ والرّفعة لخدمة البشريّة قاطبة.