صادق سيريني
كاتب كوردي
حين تُستهدف الذاكرة الكوردية.. الرئيس بارزاني سليل المجد وامتداد العهد
إن السادس عشر من آب ليس يوما عابرا في روزنامة الذاكرة الكوردية؛ فهو يوم ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، ويتزامن مع الذكرى السنوية لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فيلتقي في هذا اليوم معلمان بارزان من معالم الذاكرة السياسية والقومية الكوردية: ميلاد رجل ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ الأمة، وذكرى تأسيس حركة تركت أثرا عميقا في مسارها السياسي الحديث.
ولهذا، فإن استحضار هذه المناسبة لا يقتصر على الاحتفاء بتاريخ ميلاد، ولا ينحصر في استذكار حدث سياسي؛ وإنما هو استدعاء لمعاني الوفاء والأصالة والانتماء، وتجديد للصلة بذلك الإرث القومي الذي انتقل من جيل إلى جيل، وظل حاضرا في وجدان الأمة رغم تعاقب المحن وتقلبات الأزمنة.
وفي زمن تتكاثر فيه الروايات المتصارعة، وتتسع فيه محاولات طمس الهوية وتشويه الرموز وإعادة تشكيل الذاكرة وفق أهواء اللحظة، تصبح العودة إلى الجذور الحقيقية للنضال، واستحضار سير الآباء والأجداد، وصون ما تركوه من قيم ومواقف، واجبا وجدانيا ووطنيا؛ إذ إن الأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءا من قدرتها على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.
وفي هذا السياق، يبرز الرئيس مسعود بارزاني، في الوعي الكوردي، بوصفه امتدادا متأخرا لسلسلة طويلة من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات بارزة في تاريخ الأمة، وخاتمة جيل من رجالاتها الذين حملوا أعباء النضال، ودفعوا أثمانه، وحفظوا شعلة الهوية متقدة في أكثر الأزمنة قسوة.
ومن هنا، فإن الوفاء لهذه السيرة لا ينبغي أن يكون عاطفة موسمية تستحضرها المناسبات ثم تنطفئ بانطفائها؛ بل هو وفاء لذاكرة حية، ولإرث متراكم، ولتاريخ صاغته التضحيات والمواقف، وأثبتت أحداثه أن الكرامة لا تورث بالكلمات، وإنما تصان بالصبر والثبات، وتدفع أثمانها الأجيال جيلا بعد جيل.
أبو مسرور هو امتداد لتلك المدرسة التي تتصل في الذاكرة الكوردية بسلسلة بعيدة الجذور؛ من دياكو في صفحات التاريخ القديم، إلى صلاح الدين الأيوبي، فاتح القلوب قبل الحصون، مرورا بأجيال من العلماء والشعراء والعارفين والقادة والمصلحين والثائرين، الذين حمل كل منهم، في زمانه، نصيبا من هموم الأمة، وأسهم بقدر ما استطاع في صون وجودها وكرامتها.
وليس المقصود من استحضار هذه السلسلة أن تتساوى الشخصيات أو تتطابق أدوارها أو تتشابه ظروفها؛ وإنما المقصود هو استجلاء روح الاستمرار التاريخي في قيم الشجاعة، والصمود، والتضحية، والتمسك بالهوية، والإيمان بحق الأمة في أن تكون حاضرة في التاريخ لا هامشا عليه.
ثم جاء البارزاني الخالد، فكان حضوره في تاريخ الحركة القومية الكوردية الحديثة علامة فارقة؛ إذ انتقلت على يديه قضية الحقوق القومية من مجرد تطلع تتداوله الأجيال إلى مشروع سياسي واضح المعالم، ومن مشروع إلى مسار نضالي وسياسي راسخ، فتح آفاقا جديدة أمام القضية الكوردية، ورسخ مكانتها في الوعي السياسي الحديث.
ثم امتدت الراية إلى الرئيس مسعود بارزاني، الذي حمل إرثا ثقيلا من التاريخ والتضحيات، ووجد نفسه أمام مرحلة مختلفة في ظروفها الإقليمية والدولية، لكنها لم تكن أقل تعقيدا ولا أقل حاجة إلى الحكمة والثبات.
غير أن الأمة اليوم تواجه، إلى جانب تحديات السياسة والجغرافيا والمصالح الدولية، تحديا لا يقل خطرا: معركة الوعي والذاكرة والهوية.
ففي عصر الإعلام المفتوح والعابر للحدود، لم تعد المعركة تدور حول الأرض وحدها، وإنما امتدت إلى الرواية والتاريخ والصورة والرمز. تتصارع الروايات، وتنتقي الذاكرة ما يناسبها، وتختزل التجارب الكبرى في مشاهد مبتورة، وتتعرض الرموز التاريخية لحملات متباينة من التشويه والتقليل وإعادة التأويل؛ حتى يصبح الخطر الحقيقي أحيانا أن يفقد الإنسان صلته بالسياق الذي صنع وعيه، وبالجذور التي شكلت هويته.
ومن هنا، فإن العودة إلى الذات ليست هروبا إلى الماضي، ولا استنساخا له، وإنما هي استرداد للمعنى؛ عودة إلى القيم التي صنعت الرجال، وإلى التجارب التي صنعت الوعي، وإلى الذاكرة التي منحت الأمة قدرتها على الصمود والاستمرار.
وإنها لضرورة ملحة أن نعود إلى ذواتنا، نصالحها بعد طول اغتراب، ونستعيد أنفاس الأصالة من أعماقنا، لنمضي على خطى الآباء والأجداد؛ على درب القائد الفاتح صلاح الدين، وعلى أنين الحكيم الملهم خاني، الذي جمع في شعره شتاتا من الوجدان الكوردي، وصاغ للهوية لغة وذاكرة؛ وفي أنوار شيوخ الطريقة الذين حفظوا للروح قناديلها في عتمات الأزمنة؛ وعلى وهج نهري، ومشعل پيران، وسمو سمكو، وبسالة الشهيد سەید ڕەزای دێرسيم، ومهابة الحفيد، وقامة القاضي العظيم، وصولا إلى مجد البارزاني الخالد؛ ذلك الذي نقل فكرة الحقوق القومية من حيز الحلم إلى رحاب المشروع، ومن المشروع إلى مسار سياسي راسخ.
ومن هذه السلسلة المجيدة، نصل إلى السليل الأخير، الرئيس مسعود بارزاني؛ الذي يحمل في مسيرته خلاصة مرحلة من التاريخ الكوردي الحديث، ويجسد، في حضوره السياسي والرمزي، امتداد إرث تشكل عبر أجيال من النضال والتضحيات.
لقد حمل بارزاني راية لم تكن خفيفة؛ راية مثقلة بذاكرة الجبال، وأنين المنفى، ودماء الشهداء، وأحلام الأجيال، ووصايا الآباء، وآمال الذين ظلوا يؤمنون بأن للحرية ثمنا، وأن للكرامة ضريبة، وأن الأمم التي تصر على البقاء لا بد أن تمتلك من الإرادة ما يكفي لمواجهة عواصف التاريخ.
وفي حضوره، تستعيد الروح الكوردية شيئا من فتوتها الأولى، ويستنهض الوجدان ضياء أصيلا لا يخبو مهما اشتدت العواصف وتبدلت الأزمنة؛ لأنه ليس ضياء اللحظة العابرة، وإنما ضياء الذاكرة حين تتحول إلى وعي، وضياء التاريخ حين يتحول إلى مسؤولية، وضياء الانتماء حين يتحول إلى فعل.
ذلكم بارزاني.. سليل مجد تليد، وامتداد عهد لا ينكسر؛ وذاكرة حية لمسيرة كتبتها التضحيات، وصانتها المواقف، وأبقتها الأجيال ما بقي في القلب الكوردي نبض للحرية، وما بقي في الوجدان عهد للكرامة.
وهكذا، فإن السادس عشر من آب لا ينبغي أن يبقى مجرد تاريخ في روزنامة الأيام؛ بل يمكن أن يكون وقفة مع الذات، ومع الذاكرة، ومع السؤال الأكبر: ماذا يعني أن تنتمي إلى أمة لها كل هذا الإرث من التضحيات؟
فالأمم لا تحفظ كرامتها بكثرة ما تتحدث عن أمجادها، وإنما بقدرتها على فهم تلك الأمجاد، واستخلاص دروسها، وحمل مسؤوليتها إلى المستقبل. ومن يعرف جذوره لا تقتلعُه عواصف الحاضر، ومن يصون ذاكرته لا يسهل أن يصوغ الآخرون له صورته، ومن يدرك معنى تضحيات آبائه يعرف أن الحرية ليست شعارا، وأن الكرامة ليست ترفا، وأن التاريخ أمانة لا يحق للأحياء أن يفرطوا بها.
فهذا لمن استنار قلبه بالإصغاء، فسكنت الحكمة لبه، واهتدى بالضياء، واستبانت له الحقيقة بنبراس ناصع لا يطويه غشاء.