هورامان علی توفیق
كاتب
حكومة إقليم كوردستان ؛ مواصلة الإعمار وسط التحديات وبناء البنية التحتية الاقتصادية لكوردستان
منذ بدء أعمالها، وضعت الحكومة التاسعة لإقليم كوردستان بناء البنية التحتية الاقتصادية، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع دور القطاع الخاص، والانتقال نحو حكومة إلكترونية حديثة ومتطورة، ضمن أبرز أهداف برنامجها الحكومي.
ولم يقتصر هذا التوجه على إنشاء الطرق والجسور والمباني فحسب، بل شمل قطاعات النفط والغاز والطاقة والكهرباء والمياه والسياحة والبيئة والتكنولوجيا والاستثمار ودعم القطاع الخاص، بهدف امتلاك إقليم كوردستان بنية تحتية أكثر قوة واقتصاداً أقل اعتماداً على عائدات النفط وحدها.
النفط والطاقة: من مصدر للدخل إلى ركيزة للاقتصاد
لا يزال قطاع النفط والغاز من أهم ركائز اقتصاد إقليم كوردستان والعراق، إلا أن استراتيجية تطوير هذا القطاع لا ينبغي أن تقتصر على استخراج النفط وبيعه فقط، بل تشمل الاستفادة من الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، وتطوير الصناعات المرتبطة بالنفط، وجذب الشركات العالمية، وخلق فرص العمل، بما يجعل قطاع الطاقة أساساً للتنمية المستدامة.
وقد أثرت التحديات المتمثلة في توقف تصدير النفط والخلافات المالية والدستورية بين أربيل وبغداد، إضافة إلى التوترات الإقليمية والحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بشكل مباشر على الإيرادات والقدرة على تنفيذ المشاريع. ومع ذلك، استمرت الجهود للحفاظ على البنية التحتية للطاقة وإيجاد حلول قانونية وسياسية لاستئناف الإنتاج والتصدير.
مشروع "روناكي": خطوة نحو كهرباء على مدار الساعة
يُعد مشروع "روناكي" من أبرز مشاريع الحكومة إقليم كوردستان ، ويهدف إلى توفير الكهرباء لمدة 24 ساعة يومياً للمنازل والمحلات التجارية والمؤسسات.
ولا تقتصر أهمية المشروع على زيادة ساعات التجهيز بالكهرباء، بل تمتد إلى تقليل الاعتماد على المولدات الأهلية، والحد من الضوضاء والتلوث البيئي، وتنظيم الاستهلاك من خلال العدادات الذكية.
كما أن توفير الكهرباء بشكل مستمر ينعكس إيجاباً على القطاعين الصناعي والتجاري، إذ تحتاج المصانع والمستشفيات والفنادق والمطاعم والمؤسسات التكنولوجية إلى مصدر طاقة مستقر لمواصلة أعمالها، ما يجعل مشروع "روناكي" جزءاً أساسياً من البنية التحتية للتنمية الاقتصادية، وليس مجرد مشروع خدمي.
المياه والأمن المائي
في ظل التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار وانخفاض مستويات المياه الجوفية، أصبح الأمن المائي من أهم القضايا الاستراتيجية في كوردستان.
وتُعد مشاريع بناء السدود والخزانات ومحطات تنقية المياه، وإغلاق الآبار غير القانونية، وتنفيذ مشاريع مياه الشرب الكبرى، خطوات مهمة لحماية الموارد المائية. ومن أبرز هذه المشاريع: مشروع إنقاذ مياه أربيل، ومشروع مياه قوشتبة، ومشاريع جمجمال وعقرة ودربنديخان، والتي تهدف إلى معالجة أزمة المياه على المدى الطويل.
غير أن حماية المياه لا تتحقق بالمشاريع الإنشائية وحدها، بل تتطلب أيضاً تقليل الهدر، وتأهيل الشبكات القديمة، وتنظيم الاستهلاك، وإعادة استخدام المياه المعالجة في التشجير والزراعة.
الطرق والمواصلات: ربط المدن والأسواق
يمثل تطوير شبكة الطرق أحد الشروط الأساسية للنمو الاقتصادي، فالطرق الجيدة لا تختصر زمن التنقل فحسب، بل تسهم في تسريع نقل البضائع، وتقليل تكاليف التجارة، وتعزيز الترابط بين المدن والبلدات والقرى.
ويُعد مشروع الطريق السريع بين أربيل وكوية من المشاريع الاستراتيجية المهمة، حيث تم إنجاز أجزاء واسعة منه وتستمر الأعمال فيه ليلاً ونهاراً. ويُنفذ المشروع بطريق مزدوج متعدد المسارات مع جسور وأنفاق، ومن المتوقع أن يساهم عند اكتماله في تقليص زمن السفر بين أربيل وكوية بشكل ملحوظ.
كما وُضعت حجر الأساس لعدد من مشاريع الطرق والجسور وشبكات تصريف المياه في مناطق مختلفة، ما يؤكد أن التنمية لا ينبغي أن تتركز في المدن الكبرى فقط، بل يجب أن تشمل الأقضية والنواحي والقرى والمناطق الحدودية أيضاً.
البناء والمشاريع ذات الهوية الحضارية
لا تقتصر حركة البناء في إقليم كوردستان على تلبية احتياجات السكن، بل تشكل جزءاً من بناء الهوية الحضارية والعمرانية للإقليم.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مشروع "جامع بارزاني الكبير"، الذي صُمم مستلهماً شكله من الخيمة الكوردية التقليدية. فالخيمة في التاريخ الكوردي لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت رمزاً للضيافة والاجتماع وحل الخلافات والتعايش.
وقد أكد رئيس الحكومة مسرور بارزاني أن الجامع لا ينبغي أن يكون مكاناً للصلاة فقط، بل مركزاً لتعزيز التعايش الديني والاجتماعي، وهي قيمة يعتز بها جميع مكونات كوردستان.
المساحات الخضراء: من التجميل إلى حماية البيئة
إن زيادة المساحات الخضراء لا تهدف فقط إلى تجميل المدن، بل تسهم في خفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء وتقليل الغبار والتلوث، فضلاً عن توفير أماكن للترفيه والنشاطات العائلية.
ويُعد مشروع "حدائق بابل المعلقة" في عنكاوا نموذجاً لهذا التوجه، إذ أُنشئ على مساحة واسعة تضم آلاف الأشجار والمساحات الخضراء وممرات المشاة والمرافق الرياضية والترفيهية.
وخلال افتتاح المشروع، ربط رئيس الحكومة اسمه بالأصالة والتاريخ والتعايش المشترك بين مكونات كوردستان، مؤكداً أن المدن المتطورة لا تُقاس فقط بالمباني الشاهقة والشوارع الواسعة، بل أيضاً بمستوى جودة الحياة والمساحات الخضراء وقدرتها على جمع الناس بمختلف خلفياتهم.
القطاع الخاص والسياحة وفرص العمل
لا تستطيع الحكومة وحدها توفير جميع فرص العمل وتلبية الاحتياجات الاقتصادية، لذلك شكّل دعم القطاع الخاص وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية جزءاً أساسياً من استراتيجية الحكومة إقليم كوردستان.
ويمتلك إقليم كوردستان مقومات سياحية كبيرة من طبيعة خلابة ومواقع تاريخية وتنوع ثقافي وديني، يمكن أن تجعل السياحة مصدراً مهماً للدخل. إلا أن تطوير هذا القطاع يتطلب طرقاً حديثة وكهرباء مستمرة ومياهاً نظيفة وفنادق بمواصفات عالمية وحدائق وأمناً وخدمات رقمية متطورة.
ومن هذا المنطلق، تتكامل مشاريع الطرق والمياه والكهرباء والتشجير معاً لتشكيل قاعدة متينة لتنمية القطاع السياحي.
التحول الرقمي وتطوير التكنولوجيا
يُعد الانتقال من الإدارة الورقية التقليدية إلى الحكومة الرقمية أحد أبرز خطوات الحكومة إقليم كوردستان ، ومن أبرز المبادرات في هذا المجال: نظام KRD Pass، ومنصة "حسابي"، ومركز الرواتب، وأنظمة إدارة الوثائق، والتسجيل الإلكتروني للشركات، ومنظومة شكاوى المواطنين.
ويسهم التحول الرقمي في تقليل مدة إنجاز المعاملات، والحد من فرص الفساد، وتوحيد البيانات والإحصاءات، وتسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات. كما أن دعم شركات التكنولوجيا الناشئة ومشاريع الشباب يمكن أن يخلق سوق عمل جديدة ومبتكرة في إقليم كوردستان.
التقدم رغم العقبات
واجهت الحكومة إقليم كوردستان خلال فترة عملها تحديات داخلية وخارجية عديدة، من بينها جائحة كورونا، وأزمة الموازنة، وتأخر صرف الرواتب، وتوقف تصدير النفط، والخلافات السياسية، وعدم الاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، فإن استمرار تنفيذ مشاريع الطرق والمياه والكهرباء والتشجير والبناء والتحول الرقمي يدل على أن عملية الإعمار لم تتوقف.
لكن النجاح الحقيقي لهذه المشاريع لا يُقاس بوضع حجر الأساس أو افتتاحها فقط، بل بإنجازها في المواعيد المحددة، والالتزام بمعايير الجودة، وحماية البيئة، وضمان الشفافية في الإنفاق، وتحقيق العدالة في توزيع المشاريع، وقدرتها على خلق فرص عمل مستدامة.
إن كوردستان لا تحتاج إلى مشروع أو مشروعين فقط، بل إلى منظومة تنموية متكاملة ومستدامة؛ منظومة تحول النفط والغاز إلى طاقة وصناعة، وتربط المدن والقرى بشبكات حديثة من الطرق، وتحسن حياة المواطنين من خلال توفير المياه والكهرباء، وتجعل المدن أكثر صحة واستدامة عبر زيادة المساحات الخضراء، وتدفع الحكومة والاقتصاد نحو المستقبل من خلال التكنولوجيا والابتكار.