صيام عاشوراء ويوم الغفران اليهودي (كيبور): دراسة تاريخية في العلاقة بين المسلمين ويهود يثرب في صدر الإسلام

صيام عاشوراء ويوم الغفران اليهودي (كيبور): دراسة تاريخية في العلاقة بين المسلمين ويهود يثرب في صدر الإسلام
صيام عاشوراء ويوم الغفران اليهودي (كيبور): دراسة تاريخية في العلاقة بين المسلمين ويهود يثرب في صدر الإسلام

عندما هاجر النبي محمد ﷺ من مكة إلى يثرب سنة 1هـ/622م انتقل المسلمون من مرحلة الاستضعاف في مكة إلى مرحلة تأسيس مجتمع جديد متعدد الأديان والأعراق. وكانت يثرب تضم إلى جانب الأوس والخزرج جماعات يهودية استقرت في المنطقة منذ قرون، أبرزها: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. وقد شكّل هذا التنوع الديني أحد أهم العوامل التي أسهمت في رسم ملامح المجتمع المدني الأول في الإسلام، كما أوجد مساحة واسعة للتفاعل بين المسلمين واليهود في القضايا الدينية والاجتماعية والسياسية.

ومن بين الروايات التي استوقفت المؤرخين والمحدثين والباحثين منذ القرون الإسلامية الأولى، ما رواه عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صيامهم له، فقالوا: «هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً لله»، فقال النبي ﷺ: [نحن أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه]. وقد أخرج هذا الحديث البخاري (194-256هـ/810-870م) ومسلم بن الحجاج (206-261هـ/821-875م) في صحيحيهما، وهو من أصح الأحاديث الواردة في فضل صيام عاشوراء.

وقد أثارت هذه الرواية منذ وقت مبكر سؤالاً تاريخياً مهماً: ما هو اليوم الذي كان يصومه يهود المدينة؟ وهل كان هو نفسه يوم الغفران اليهودي المعروف في التراث العبري باسم "يوم كيبور (Yom Kippur)"، أم أن الأمر يتعلق بمناسبة يهودية أخرى اندثرت مع الزمن أو لم تصل تفاصيلها كاملة إلى المصادر الإسلامية؟

وقد تناول علماء المسلمين الأوائل هذه الرواية في إطارها الديني أكثر من إطارها التاريخي. فالمحدث والمؤرخ محمد بن جرير الطبري (224-310هـ/839-923م) رأى أن صيام عاشوراء كان مرتبطاً بذكرى نجاة موسى (عليه السلام)، وأن النبي محمد ﷺ أقر هذا المعنى لأنه يتفق مع مبدأ وحدة الرسالات السماوية. كما أشار الفقيه والمفسر الحنفي أبو جعفر الطحاوي (239-321هـ/853-933م) إلى أن موافقة النبي ﷺ لليهود في بداية الأمر كانت جزءاً من سياسة التقارب مع أهل الكتاب قبل أن يكتمل التشريع الإسلامي المستقل. أما القاضي عياض (476-544هـ/1083-1149م) والنووي (631-676هـ/1233-1277م) فقد ركزا على الجانب التعبدي والفقهي للرواية، مؤكدين أن فضل عاشوراء ثابت بالسنة النبوية بغض النظر عن تفاصيل المناسبة اليهودية.

ومع تطور الدراسات التاريخية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين ازداد الجدل حول العلاقة بين عاشوراء وكيبور، حين أصبح البحث في أصول الشعائر الإسلامية من الموضوعات الرئيسة لدى الباحثين الغربيين. وكان المستشرق الألماني البروتستانتي يوليوس فلهاوزن (1844-1918م) من أبرز من تناول هذه القضية، حيث طرح فكرة وجود صلة مباشرة بين عاشوراء الإسلامي ويوم الغفران اليهودي. إذ رأى أن رواية صيام عاشوراء تعكس مرحلة مبكرة من التفاعل بين المسلمين واليهود في المدينة. وانطلق فلهاوزن من فرضية عامة مؤداها أن الإسلام في سنواته الأولى تأثر بالبيئة الدينية المحيطة به، ولا سيما اليهودية؛ ولذلك اعتقد أن الصيام الذي شاهده النبي ﷺ عند يهود يثرب كان على الأرجح يوم الغفران اليهودي، وأن المسلمين شاركوا فيه قبل أن يكتسب الصيام الإسلامي هويته المستقلة بفرض رمضان في السنة الثانية للهجرة. غير أن هذا الرأي تعرض لانتقادات عديدة بسبب اعتماده على التشابه الزمني بين اليومين أكثر من اعتماده على أدلة تاريخية مباشرة.

كما أن فلهاوزن لاحظ أن يوم كيبور يقع في اليوم العاشر من شهر تشري العبري، وأن عاشوراء يقع في اليوم العاشر من شهر محر الاسلامي، فرأى أن هذا التشابه العددي ليس مصادفة. وذهب إلى أن النبي ﷺ وجد يهود المدينة يحتفلون بيوم الغفران فتبنى الصيام في بداية المرحلة المدنية، ثم أعاد الإسلام تفسير المناسبة في إطار قصة موسى والخروج من مصر.

أما المستشرق اليهودي المجري إغناس غولدتسيهر (1850-1921م) فقد تناول المسألة ضمن دراسته الأوسع للعلاقات بين الإسلام واليهودية. ورأى أن كثيراً من الممارسات الدينية في الشرق الأدنى القديم كانت تتشابه في بعض عناصرها، ورأى أن كثيراً من الشعائر الإسلامية المبكرة نشأت في بيئة شهدت تفاعلاً مع اليهودية والمسيحية، وأن عاشوراء يمكن فهمه ضمن هذا السياق العام، وأن الصيام كان عبادة مشتركة بين أتباع الديانات الإبراهيمية؛ ولذلك لم يكن غريباً في نظره أن يظهر نوع من التقارب بين عاشوراء وكيبور. لكنه لم يذهب إلى حد القول بوجود تطابق كامل بين المناسبتين، بل رأى أن الإسلام أعاد صياغة كثير من العناصر المشتركة ضمن رؤيته العقائدية الخاصة.

وفي النصف الأول من القرن العشرين تناول المستشرق البريطاني ألفرد غيوم (1888-1965م) القضية من منظور السيرة النبوية، فرأى أن الروايات الإسلامية المبكرة تشير إلى وجود حوار ديني حقيقي بين النبي ﷺ واليهود حول مكانة موسى عليه السلام. واعتبر أن أهمية الحديث لا تكمن في إثبات التأثر بقدر ما تكمن في إظهار الطريقة التي كان الإسلام يعرّف بها نفسه بوصفه امتداداً لتراث الأنبياء السابقين. واعتبر أن وجود تشابه بين الصيامين أمر يصعب تجاهله، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات الاقتباس المباشر.

ثم جاء المستشرق البريطاني وليم مونتغمري وات (1909-2006م)، الذي يُعد من أكثر الباحثين الغربيين اعتدالاً في دراسة الإسلام المبكر، اتخذ موقفاً أكثر حذراً . فقد رفض التفسيرات الاختزالية التي تُرجع كل ظاهرة إسلامية إلى أصل يهودي أو مسيحي،. ورأى أن البيئة الدينية في المدينة سمحت بوجود نقاط التقاء بين الإسلام واليهودية، لكنه رفض تفسير كل تشابه على أنه اقتباس أو تأثر مباشر. وأكد أن النبي ﷺ كان يرى نفسه امتداداً لتقليد الأنبياء السابقين، ولذلك فإن إقرار صيام يرتبط بموسى لا يعني بالضرورة استعارته من اليهودية، بل يمكن فهمه في إطار الإيمان المشترك بالأنبياء والوحي. ورأى أن النبي ﷺ كان ينظر إلى نفسه باعتباره وارثاً للرسالة الإبراهيمية الجامعة. ولذلك فإن قوله: "نحن أحق بموسى منكم" لا يدل على التبعية لليهودية، بل يدل على اعتقاد إسلامي راسخ بأن الأنبياء جميعاً ينتمون إلى رسالة إلهية واحدة. ولهذا اعتبر "وات" أن وجود تشابه بين عاشوراء وكيبور لا يكفي وحده للقول بوجود اقتباس مباشر.

أما المؤرخ اليهودي المصري إسرائيل ولفنسون (1899-1980م)، المعروف أيضاً باسم إسرائيل ولفنسون البحيري، فيُعد من أهم الباحثين اليهود العرب الذين درسوا تاريخ يهود الجزيرة العربية وعلاقاتهم بالإسلام. ومن أشهر كتبه "تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام"، وفيما يتعلق بصيام عاشوراء، فإن موقف ولفنسون يختلف عن الطرح الاستشراقي المتشدد الذي مثله فلهاوزن. فهو لم يذهب إلى الجزم بأن الإسلام اقتبس عاشوراء من اليهودية، بل ركز على حقيقة وجود اليهود في يثرب وتأثير البيئة الدينية المشتركة التي نشأت فيها الدولة الإسلامية الأولى.

ويرى ولفنسون أن الروايات الإسلامية تؤكد أن يهود المدينة كانوا يصومون يوماً مقدساً عند قدوم النبي ﷺ، وأن هذا اليوم كان على الأرجح قريباً من يوم الغفران اليهودي (كيبور)، لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن يهود الحجاز لم يكونوا بالضرورة مطابقين تماماً لليهودية الحاخامية المعروفة في العراق وفلسطين. ولذلك كان من المحتمل أن تكون لديهم تقاليد محلية أو تفسيرات خاصة لبعض الأعياد والشعائر. وهذا ما يجعل المطابقة الكاملة بين عاشوراء وكيبور أمراً غير يقيني تاريخياً.

كما لاحظ ولفنسون أن الرواية الإسلامية تربط الصيام بنجاة موسى من فرعون، في حين أن كيبور في الأدب التوراتي والتلمودي هو يوم للتوبة والتكفير عن الذنوب. ولذلك فإن التطابق في التاريخ أو في وجود الصيام لا يعني بالضرورة التطابق في المعنى الديني. وقد أشار إلى أن يهود الجزيرة العربية كانوا أقل ارتباطاً بالمراكز الدينية اليهودية الكبرى، مما يجعل احتمال وجود خصوصيات دينية محلية أمراً وارداً.

وخلاصة موقف إسرائيل ولفنسون أنه يعترف بوجود صلة تاريخية بين صيام يهود يثرب وعاشوراء الإسلامي، لكنه لا يقطع بأنهما مناسبة واحدة متطابقة تماماً. كما أنه لا يتبنى الرأي الاستشراقي الذي يجعل عاشوراء مجرد اقتباس من كيبور، بل يرى أن المسألة تعكس التفاعل الديني بين المسلمين واليهود في المدينة ضمن بيئة دينية مشتركة، مع بقاء الفروق العقدية والشعائرية بين المناسبتين. وهذا الموقف يُعد أقرب إلى الاتجاه الأكاديمي المعتدل منه إلى المدرسة الاستشراقية التقليدية التي مثلها فلهاوزن وغولدتسيهر.

وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين أثارت المستشرقة الدانمركية - البريطانية باتريشيا كرون (1945-2015م) نقاشات واسعة حول مصادر التاريخ الإسلامي المبكر وعلاقة الإسلام المبكر بالبيئات اليهودية والمسيحية المحيطة به. ورغم أنها لم تخصص دراسة مستقلة لعاشوراء؛ فإن منهجها العام يدعو إلى إعادة فحص الروايات الإسلامية التقليدية في ضوء المصادر غير الإسلامية. ومع ذلك لم تقدم دليلاً قاطعاً يثبت أن عاشوراء مجرد انعكاس ليوم كيبور اليهودي.  ورغم ذلك فإن منهجها النقدي دفع بعض الباحثين إلى إعادة النظر في الروايات التقليدية الخاصة بصيام اليهود في المدينة. وقد شاركها في بعض هذه المناقشات المستشرق البريطاني مايكل كوك (مواليد 1940م)، الذي دعا إلى قراءة الروايات الإسلامية في ضوء المعطيات التاريخية المتاحة دون التسليم بكل تفاصيلها أو رفضها بالكامل. ومع ذلك لم ينجح أي من هؤلاء الباحثين في تقديم دليل تاريخي قاطع يثبت أن يوم عاشوراء الإسلامي هو نفسه يوم كيبور اليهودي.

في المقابل، وقف علماء المسلمين موقفاً مختلفاً من هذه القضية. فقد رأى المحدث والفقيه النووي في كتابه "شرح صحيح مسلم" أن الأحاديث الصحيحة تثبت استحباب صيام عاشوراء بسبب نجاة موسى عليه السلام، وأن العبرة في ذلك بثبوت السنة النبوية لا بتحديد المناسبة اليهودية على وجه الدقة. وذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني (773-852هـ/1372-1449م) في كتابه "فتح الباري" إلى أن الروايات تدل على أن اليهود كانوا يعظمون يوماً يرتبط بموسى، لكنه لم يجزم بأنه يوم كيبور المعروف في التقاليد اليهودية اللاحقة.

كما تناول شيخ الإسلام ابن تيمية (661-728هـ/1263-1328م) المسألة من زاوية مختلفة، فرأى أن موافقة النبي ﷺ لليهود في بعض الأمور في بداية العهد المدني كانت جزءاً من سياسة دعوية تهدف إلى تأليف قلوب أهل الكتاب وإظهار وحدة مصدر الرسالات، ثم جاءت نصوص أخرى تؤكد تميز الهوية الإسلامية واستقلالها، ومنها استحباب صيام التاسع مع العاشر مخالفةً لليهود. ولذلك فإن ابن تيمية لم ينظر إلى عاشوراء بوصفه شعيرة يهودية انتقلت إلى الإسلام، بل بوصفه عبادة أقرها الوحي ضمن إطار إسلامي مستقل.

وفي العصر الحديث ناقش عدد من الباحثين المسلمين هذه القضية بمنهج تاريخي مقارن. فقد رأى عالم الحديث االمصري الازهري محمد أبو شهبة (1914-1983م) أن الربط بين عاشوراء وكيبور يواجه إشكالاً أساسياً، وهو اختلاف مضمون المناسبتين. فكيبور في العقيدة اليهودية هو يوم للتوبة والتكفير عن الذنوب، في حين أن عاشوراء في الإسلام مرتبط بنجاة موسى وشكر الله على هذه النعمة. وأن الروايات الإسلامية لا تتحدث عن يوم الغفران أصلاً، بل عن نجاة موسى من فرعون، وهو حدث يختلف في مضمونه الديني عن كيبور الذي يتمحور حول التوبة والتكفير عن الخطايا . كما أكد المفكر الاسلامي  المصري محمد الغزالي (1917-1996م) أن التشابه في وجود الصيام لا يكفي لإثبات وحدة الأصل، لأن الصيام عبادة معروفة لدى أمم كثيرة قبل الإسلام.

ويذهب عدد من الباحثين المعاصرين إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة مطابقة التقويمين العربي والعبري في القرن السابع الميلادي. فالتقويم اليهودي قمري شمسي، بينما كان العرب قبل الإسلام يستخدمون نظام النسيء الذي أدى إلى اختلاف مواقع الأشهر عبر السنين. ولذلك فإن افتراض وقوع عاشوراء دائماً في اليوم نفسه الذي يقع فيه كيبور ليس أمراً يمكن إثباته تاريخياً بسهولة.

ومن هنا بدأت تظهر قراءات أكثر توازناً ترى أن العلاقة بين عاشوراء وكيبور لا يمكن اختزالها في ثنائية التأثر أو عدم التأثر. فوجود اليهود في المدينة حقيقة تاريخية ثابتة، ووجود صيام يهودي معروف في تلك البيئة أمر لا خلاف عليه، كما أن الحديث النبوي نفسه يثبت وجود حوار ديني بين النبي ﷺ واليهود حول مناسبة مرتبطة بموسى عليه السلام. غير أن هذا لا يكفي للقول إن عاشوراء الإسلامي مجرد استمرار ليوم الغفران اليهودي، لأن المضمون العقدي لكلا اليومين يختلف بصورة جوهرية.

ففي اليهودية المعاصرة يُعد يوم كيبور أقدس أيام السنة، ويُنظر إليه بوصفه يوم التكفير والتوبة الجماعية ومراجعة الذنوب أمام الله. يُعد عيد كيبور أو يوم الغفران (Yom Kippur) أقدس الأعياد الدينية في اليهودية، ويُعرف بالعبرية باسم يوم ها-كيبوريم  (Yom HaKippurim)، أي "يوم التكفيرات" أو "يوم الغفران". ويقع في اليوم العاشر من شهر تشري (Tishrei) العبري، بعد عشرة أيام من رأس السنة اليهودية (روش هاشناه)، ويُخصص للتوبة والصلاة والصيام وطلب المغفرة من الله.

وتعود الجذور التاريخية لعيد كيبور إلى التشريع التوراتي الوارد في أسفار التوراة، ولا سيما في سفر اللاويين، حيث ورد النص الأشهر: "وأما العاشر من هذا الشهر السابع فهو يوم الكفارة، محفلاً مقدساً يكون لكم، وتذللون نفوسكم وتقدمون وقوداً للرب". (اللاويين 23: 27).

وجاء أيضاً:" إن كل نفس لا تتذلل في هذا اليوم تُقطع من شعبها". (اللاويين 23: 29).

وفي الإصحاح السادس عشر من سفر اللاويين نجد الوصف الكامل للطقس القديم، حيث كان رئيس الكهنة يدخل مرة واحدة في السنة إلى "قدس الأقداس" داخل الهيكل في القدس ليقدم القرابين عن خطايا الشعب. ومن أشهر شعائر هذا اليوم طقس "تيس عزازيل"، إذ كان يؤتى بتيسين: يُذبح أحدهما قرباناً لله، أما الآخر فيضع عليه رئيس الكهنة خطايا بني إسرائيل رمزياً ثم يُرسل إلى البرية. ومن هنا جاءت في اللغات الأوروبية عبارة "كبش الفداء" (Scapegoat).

أما في سفر العدد (29: 7-11) فترد أوامر إضافية بالصوم والامتناع عن العمل وتقديم الذبائح الخاصة بيوم الغفران.

بعد تدمير الهيكل الثاني في القدس سنة 70م على يد القائد الروناني تيطس، لم يعد بالإمكان ممارسة الطقوس القربانية القديمة.  حيث حدث تغيير في بنية العيد، وهنا لعب الحاخامات دوراً أساسياً في إعادة تفسير كيبور، فتحول من يوم يقوم على الذبائح إلى يوم يعتمد على الصلاة والتوبة والصيام والأعمال الصالحة.

وفي الأدب التلمودي، ولا سيما في التلمود البابلي، وردت نصوص عديدة حول كيبور، منها العبارة الشهيرة:"يوم الغفران يكفّر عن الذنوب التي بين الإنسان والله، أما الذنوب التي بين الإنسان وصاحبه فلا يكفّر عنها يوم الغفران حتى يرضي صاحبه". (مشناه يوما 8:9؛ تلمود يوما 85ب).

كما يرد في التلمود:"التوبة ويوم الغفران يكفّران الذنوب". (يوما 86أ)؛ ومن هنا أصبح كيبور في اليهودية الحاخامية يوماً للمراجعة الروحية والمحاسبة الذاتية أكثر من كونه يوماً للقرابين.

ومن المهم ملاحظة أن كيبور لا يرتبط في النصوص التوراتية الأصلية بنجاة موسى(عليه السلام) من فرعون أو عبور البحر الأحمر، بل يرتبط بالتوبة والتكفير عن الخطايا وتجديد العهد مع الله.

 أما في الإسلام فإن عاشوراء يوم يستحب صيامه شكراً لله على نجاة موسى، ثم اكتسب لاحقاً بعداً تاريخياً إضافياً بعد استشهاد الحسين بن علي في كربلاء سنة 61هـ/680م. ولذلك فإن التشابه بين المناسبتين يقتصر أساساً على عنصر الصيام وبعض التقارب الزمني، بينما تختلف الخلفية اللاهوتية والرمزية لكل منهما اختلافاً كبيراً.

ومن الناحية التاريخية البحتة، يرى عدد من الباحثين المعاصرين أن المقارنة بين عاشوراء وكيبور ينبغي أن تتم بحذر شديد. فالتقويم العبري يقوم على نظام قمري شمسي معقد يعتمد على إضافة أشهر كبيسة بصورة دورية، في حين كان العرب قبل الإسلام يستخدمون نظام النسيء الذي أدى إلى تغير مواقع الأشهر بالنسبة للفصول؛ ولذلك فإن المطابقة الدقيقة بين يوم عاشوراء في السنة الأولى للهجرة ويوم كيبور في السنة نفسها ليست أمراً سهلاً أو مؤكداً تاريخياً. وقد دفع هذا التعقيد بعض الباحثين إلى التشكيك في فرضية التطابق الزمني الكامل بين المناسبتين. وهذه من أهم الإشكالات التي يناقشها الباحثون المعاصرون. والحقيقة أنه لا يوجد حتى الآن نص يهودي من يهود يثرب أنفسهم يصف لنا شعائرهم في القرن السابع الميلادي بالتفصيل، لأن يهود المدينة لم يتركوا مؤلفات دينية محلية وصلت إلينا؛ لذلك يعتمد الباحثون على المقارنة بين المصادر الإسلامية واليهودية اللاحقة.

ومع ذلك، هناك عدد من المؤشرات العلمية التي دفعت بعض الباحثين إلى القول إن اليوم الذي رآه النبي ﷺ عند يهود يثرب قد لا يكون مطابقاً تماماً ليوم كيبور اليهودي المعروف اليوم:

أولاً، إن جميع المصادر اليهودية الكلاسيكية، سواء في سفر اللاويين أو التلمود البابلي، تجعل موضوع يوم كيبورهو التوبة والتكفير عن الذنوب، ولا تربطه بنجاة موسى من فرعون أو بعبور البحر الأحمر.

ثانياً، لاحظ عدد من الباحثين الغربيين أن الرواية الإسلامية تتحدث عن يوم يحيي ذكرى نجاة موسى، بينما كيبور في اليهودية الربانية لا يحمل هذا المعنى إطلاقاً. ولهذا رأى بعضهم أن يهود الحجاز ربما كانت لديهم تقاليد محلية أو تفسيرات مختلفة عن اليهودية الحاخامية السائدة في العراق وفلسطين.

ثالثاً، يشير عدد من المتخصصين في تاريخ يهود الجزيرة العربية، مثل المؤرخ الاسرائيلي "مايكل ليكر"،  الاستاذ في الجامعة العبرية، وصاحب عدة مؤلفات عن اليهود في الجزيرة، منها: اليهود في الجزيرة العربية، المسلمون واليهود والوثنيون، دراسات عديدة حول وثيقة المدينة والقبائل اليهودية في يثرب. خلص الى القول بأن يهود الحجاز كانوا جماعات بعيدة نسبياً عن المراكز الدينية اليهودية الكبرى، ومن المحتمل أن تكون لديهم ممارسات محلية خاصة أو صيغ مختلفة لبعض الأعياد والشعائر.

رابعاً، يرى بعض الباحثين المعاصرين أن المشكلة قد لا تكون في العيد نفسه بل في التقويم؛ فالعرب قبل الإسلام كانوا يستعملون النسيء، واليهود يستعملون تقويماً قمرياً شمسياً معقداً، ولذلك فإن افتراض أن عاشوراء الذي رآه النبي ﷺ كان دائماً يوافق العاشر من تشري (كيبور) ليس أمراً مؤكداً تاريخياً.

 

لهذا يمكن تلخيص المواقف الأكاديمية في ثلاثة اتجاهات:

1-    فلهاوزن وغولدتسيهر ومن تبعهما: اليوم الذي رآه النبي هو على الأرجح كيبور نفسه، وإن أعيد تفسيره إسلامياً.

2-    كثير من علماء المسلمين: كان يوماً يهودياً مرتبطاً بموسى، لكن لا دليل على أنه كيبور التوراتي المعروف.

3-    عدد من الباحثين المعاصرين: لا يملكون أدلة كافية للجزم؛ وقد يكون يهود يثرب مارسوا شكلاً محلياً من الشعائر اليهودية يختلف جزئياً عن كيبور اليهودية الربانية المتأخرة.

ومن الناحية الأكاديمية البحتة، فإن أقوى حجة ضد التطابق الكامل بين عاشوراء وكيبور هي أن المصادر اليهودية القديمة تجعل كيبور يوم تكفير عن الذنوب، بينما الرواية الإسلامية تربط الصيام بذكرى نجاة موسى من فرعون؛ ولذلك يذهب عدد متزايد من الباحثين اليوم إلى أن الحديث عن تشابه أو تلاقٍ بين المناسبتين أدق من الحديث عن تطابق كامل بينهما.

وفي السياق نفسه فبعد تدمير الهيكل الثاني في القدس سنة 70م على يد القائد الروماني تيطس، لم يعد بالإمكان ممارسة الطقوس القربانية القديمة. وهنا لعب الحاخامات دوراً أساسياً في إعادة تفسير كيبور، فتحول من يوم يقوم على الذبائح إلى يوم يعتمد على الصلاة والتوبة والصيام والأعمال الصالحة. ويظهر التناقض جلياً بين تقديم القرابين في المرحلة الاولى وبعد تدمير الهيكل عام 70م وقيام الحاخامات بتغيير الطقس؟ أليس بالضرورة أن يُنظر إلى ذلك على أنه تناقض، في حين يراه اليهود والحاخامات تطوراً أو تكيّفاً دينياً فرضته الظروف التاريخية، بينما قد يراه بعض الباحثين من خارج اليهودية تغييراً جوهرياً في طبيعة الشعيرة. فبحسب التوراة، ولا سيما في سفر اللاويين الإصحاح 16، كان جوهر يوم الغفران مرتبطاً بالهيكل في القدس ورئيس الكهنة والذبائح وتقديم الدم داخل "قدس الأقداس". وكان هذا الطقس لا يمكن إقامته إلا بوجود الهيكل. ولذلك فإن كيبور التوراتي الأصلي كان في جزء كبير منه عيداً قربانياً (Sacrificial Ritual).

لكن بعد تدمير الهيكل الثاني سنة 70م على يد تيطس، واجهت اليهودية أزمة وجودية حقيقية؛ إذ اختفى المركز الديني الذي تدور حوله أهم الشعائر. وهنا ظهر دور الحاخامات، خاصة مدرسة "يوحنان بن زكّاي"، الذين أعادوا بناء اليهودية على أساس جديد يقوم على الصلاة ودراسة التوراة والتوبة بدلاً من الذبائح.

وتوجد في الأدب الحاخامي نصوص تبرر هذا التحول. ففي التلمود نجد أفكاراً من قبيل أن:

"التوبة والصلاة وأعمال الرحمة تقوم مقام الذبائح عند تعذر تقديمها".

ومن أشهر النصوص التي يستشهد بها الحاخامات أيضاً ما ورد في سفر هوشع:" فنقدم ثيران شفاهنا" (هوشع 14: 2)، أي إن الصلاة يمكن أن تحل محل الذبائح.

لكن من منظور تاريخ الأديان، يرى بعض الباحثين أن ما حدث لم يكن مجرد تعديل بسيط، بل تحول كبير من "اليهودية الكهنوتية"المرتبطة بالهيكل إلى "اليهودية الحاخامية" المرتبطة بالكُنيس والتوراة. ولذلك يتحدث مؤرخون كثيرون عن وجود فرق واضح بين "يهودية الهيكل الثاني" قبل سنة 70م و"اليهودية الربانية" التي تشكلت بعد ذلك.

وهنا تظهر نقطة مهمة في موضوع عاشوراء: إذا كان يهود يثرب في القرن السابع الميلادي (بعد تدمير الهيكل بنحو 550 سنة) يصومون يوماً يربطونه بنجاة موسى، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنهم كانوا يمارسون كيبور التوراتي القديم كما ورد في سفر اللاويين. بل كانوا يتبعون شكلاً من اليهودية تطور عبر قرون طويلة بعد سقوط الهيكل، وربما أضافت إليه الجماعات اليهودية المحلية في الجزيرة العربية تفسيرات وعادات خاصة بها.

ولهذا يستند بعض الباحثين المعاصرين إلى هذه الحقيقة ليقولوا إن مقارنة عاشوراء بـ"كيبور التوراتي" الوارد في سفر اللاويين ليست دقيقة تماماً؛ لأن اليهود الذين التقاهم النبي ﷺ لم يكونوا يعيشون في عصر الهيكل ولا يمارسون طقوسه الأصلية، بل كانوا ينتمون إلى تقاليد يهودية متأخرة تطورت عبر قرون من التفسير الحاخامي والتكيف التاريخي. وهذا أحد الأسباب التي تجعل مسألة التطابق بين عاشوراء وكيبور محل نقاش أكاديمي مستمر حتى اليوم.