مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
ثلاث جبهات ومعركة واحدة.. هل ينجح العراق في استعادة الدولة؟
خلال الفترة الماضية شهد العراق تطورات متلاحقة يصعب النظر إليها بوصفها أحداثاً منفصلة. فبين حملات مكافحة الفساد، والتحركات الرامية إلى ضبط السلاح المنفلت، والقرارات القضائية الأخيرة المتعلقة بالطائرات المسيرة، يظهر وكأن الدولة تحاول اختبار مقاربة جديدة للتعامل مع ملفات طالما بقيت مؤجلة أو ناقصة التنفيذ. حيث انتقلت إدارة الأزمة من المقاربات الجزئية إلى ما يمكن تسميته بتحرك على أكثر من ملف في وقت واحد. ويمكن ملاحظة هذا التوجه من خلال عدة إجراءات جرت بالتوازي خلال الفترة الأخيرة، بدءاً من حملة مكافحة الفساد، مروراً بملف السلاح المنفلت، وصولاً إلى القرارات القضائية الخاصة بالطائرات المسيّرة.
تزامن الإجراءات يعكس إدراكاً عميقاً بأن أدوات تهديد الدولة قد تطورت، ولم تعد تقتصر على النفوذ المالي أو البنادق التقليدية، بل باتت تعتمد على القدرات العسكرية الخارجة عن إطار الدول التي استهدفت مراراً عصب الاقتصاد الوطني.
لا يمكن النظر إلى قرار تجريم المسيّرات بمعزل عن الملف الاقتصادي، فالهجمات التي استهدفت حقول الغاز في كوردستان لم تكن مشكلة أمنية فحسب، بل تركت آثاراً مباشرة على ايرادات العراق وكوردستان والاستثمار وإنتاج الطاقة.
لكن الأمر لن يكون سهلاً.. فالجماعات التي راكمت نفوذاً سياسياً ومالياً وعسكرياً خلال سنوات طويلة لن تتخلى عن مواقعها بمجرد صدور قرارات قضائية، خاصة وان التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين تدفع إلى قدر من الحذر. فقد شهدت البلاد أكثر من حملة إصلاحية بدأت بزخم كبير ثم اصطدمت لاحقاً بحسابات السياسة وتوازنات القوى
تكمن إحدى مشكلات النظام السياسي العراقي في تعدد مراكز القوة، حيث نجحت بعض القوى في الدمج بين العمل السياسي القانوني (تمثيل في البرلمان والحكومة) وبين امتلاك أجنحة مسلحة ارهابية، مما خلق ما يُعرف بالقدرة على تعطيل قرارات الدولة بالقوة.
جاءت حملة الاعتقالات التي نفذتها حكومة علي الزيدي لتكسر العرف السائد بأن المنصب أو الولاء الحزبي يمنح حصانة من الملاحقة، مما يجرّد تلك القوى من غطائها الشرعي.
لطالما استُخدمت الطائرات المسيرة في اعمال تخريبية من قبل الفصائل المسلحة لتوجيه رسائل إقليمية أو داخليّة رغماً عن إرادة الدولة. وقد يشكل قرار مجلس القضاء الأعلى "المتاخر" خطوة مهمة لسد جزء من الفراغ القانوني المتعلق باستخدام الطائرات المسيرة، ويضع حداً لاستخدام التكنولوجيا كأداة لفرض سياسات أمر واقع، ويعيد حصر العلاقات الخارجية والقرارات السيادية برئيس الوزراء والدوائر الدبلوماسية الرسمية.
في الجانب الأمني، يعكس الانتقال من ملاحقة السلاح الكلاسيكي إلى تجريم حيازة وصناعة واستخدام الدرونز استجابة ضرورية لعصر أشكال الصراع الحديث، وتحديداً بعد أن تحولت هذه الأدوات إلى سلاح لتقويض الاستقرار في أجزاء حيوية من البلاد.
تجسد الخطر الأكبر لهذه التكنولوجيا الموازية في الهجمات المتكررة بالطائرات المسيرة والصواريخ التي شنتها ميليشيات خارجة عن القانون ضد البنى التحتية الاقتصادية في إقليم كوردستان، لا سيما حقول الغاز والنفط (مثل حقل كورمور) والمشاريع الحيوية. هذه الهجمات لم تكن مجرد خروقات أمنية محلية، بل محاولات ممنهجة لتعطيل قدرة اقليم كوردستان الاقتصادية وضغط سياسي على أربيل وبغداد معاً.
من شأن القرار القضائي الجديد أن يضيّق المساحة القانونية التي تحركت ضمنها بعض الجهات المتورطة في استخدام المسيّرات، وأن يمنح السلطات أدوات أوسع للملاحقة والمحاسبة. وهنا يبرز دور حملة مكافحة سرقة المال العام، فالطائرات المسيرة وخطوط إمدادها تتطلب تمويلاً ضخماً. ومن المحتمل أن يسهم الحد من الفساد في تقليص بعض مصادر التمويل التي تعتمد عليها هذه الجماعات، وإن كان من المبكر الجزم بحجم هذا التأثير.
ومن الصعب الحديث عن الاقتصاد بمعزل عن الأمن والسياسة، فالمناخ الاستثماري في العراق ظل لسنوات يتأثر بالفساد والابتزاز والسلاح المنفلت.
إن استهداف البنى التحتية للطاقة في إقليم كوردستان من قبل الميليشيات تسبب سابقاً في خسائر مالية فادحة وأثر سلباً على إمدادات الطاقة الوطنية وثقة الشركات العالمية. لذلك، فان حظر المسيّرات وتشديد الخناق على الميليشيات الارهابية يهدف مباشرة إلى حماية أصول الطاقة في اقليم كوردستان والعراق على حد سواء، باعتبارها عصب الاقتصاد العراقي بأكمله.
المستثمر الأجنبي يخشى غياب الاستقرار والقدرة على التنبؤ. ولكن عندما يرى المجتمع الاقتصادي الدولي أن القضاء يسند الحكومة لإنهاء ممارسات الابتزاز وقصف المنشآت الحيوية في كوردستان أو أي محافظة أخرى، تنخفض المخاوف الأمنية لدى المستثمرين، وهو ما يشجع على عودة الشركات العالمية الكبرى لقطاعات الطاقة والتنمية.
إذا نجحت الحكومة الاتحادية في الحفاظ على هذا المسار، فقد ينعكس ذلك على مستويات عدة، من بينها تراجع الهجمات على المنشآت الاقتصادية، وتحسن بيئة الاستثمار، وتعزيز ثقة الرأي العام بقدرة المؤسسات على فرض القانون.
ومع ذلك، لا ينبغي الافتراض أن الطريق سيكون ممهداً بالكامل. فتنفيذ هذه المقاربة يتطلب وقتاً وإرادة سياسية وقدرة على فرض القانون، كما أن هناك عقبات جدية قد تعرقل مسارها.
ردود فعل المتضررين، إن شبكات الفساد والميليشيات التي تستهدف البنى التحتية في كوردستان لن تستسلم بسهولة؛ إذ قد تلجأ إلى تصعيد عسكري مفاجئ، أو ممارسة عمليات تخريبية للمنشآت الحيوية لزعزعة الامن في العراق وإثبات عدم قدرة الحكومة على حماية المستثمرين.
يرتبط ملف السلاح المنفلت وقصف إقليم كوردستان بارتباطات إقليمية وثيقة. بعض الأطراف الخارجية قد ترى في تحجيم هذه الفصائل وتأمين اقتصاد كوردستان إضعافاً لأوراق ضغطها داخل العراق، مما قد يدفعها لممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية مضادة.
تطبيق قرار حظر المسيّرات يتطلب تكنولوجيا متطورة مثل انظمة الدفاع الجوي لصد الهجمات الارهابية المحتملة، وانظمة لمراقبة الأجواء الإلكترونية وتتبع القطع الدقيقة المهربة عبر الحدود وضبط الورش السرية للتصنيع.
التحدي الأكبر لشرعية هذه الحملة هو مدى شموليتها، فإذا شعر الشارع أو الأطراف السياسية (بما فيها حكومة إقليم كوردستان) أن المقاربة الحكومية والقضائية تطبق بشكل انتقائي، ستفقد الحملة حاضنتها الوطنية وتتحول إلى مجرد صراع نفوذ سياسي.
في النهاية، لا تبدو الإجراءات الأخيرة مجرد حملة أمنية أو قضائية عابرة، بل محاولة لمعالجة مجموعة من المشكلات المتشابكة التي عانت منها الدولة لسنوات. فمكافحة الفساد، وتشديد الرقابة على استخدام الطائرات المسيّرة، وحماية المنشآت الاقتصادية، كلها خطوات تستهدف تقليص المساحة التي تحركت فيها شبكات المال غير المشروع والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.
ومع ذلك، إذا نظرنا إلى النتائج المحتملة لهذه الإجراءات، فانها تؤكد ان نجاح هذه الخطوات لن يقاس بالإعلانات والقرارات الأولى، بل بقدرة الدولة على الاستمرار في تنفيذها بصورة متساوية وثابتة على المدى الطويل. لكن تحويل هذه القرارات إلى سياسة دائمة لا يرتبط بالنصوص القانونية وحدها، بل بقدرة مؤسسات الدولة على تطبيقها بصورة مستمرة ومتوازنة.
ويتوقف نجاح هذه المقاربة على عاملين أساسيين: أولهما تطبيق القانون على جميع الأطراف دون استثناء، وثانيهما تطوير القدرات التقنية والاستخباراتية اللازمة لملاحقة شبكات التمويل والتصنيع والتهريب.
يبدو أن العراق يواجه اليوم فرصة مهمة لإعادة ترتيب العلاقة بين الأمن والاقتصاد ودور الدولة، فإما النجاح في ترسيخ احتكار الدولة الشرعي للقوة والمال، أو العودة إلى مربع المجاملات السياسية التي يدفع ثمنها الاستقرار الامني والاقتصادي واستقلال القرار السيادي، خاصة وان تجارب الحكومات العراقية السابقة تشير إلى أن القرارات الصعبة غالباً ما تواجه عراقيل بعد المرحلة الأولى من التنفيذ.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمتلك مؤسسات الدولة القدرة على الاستمرار في هذا الاتجاه إذا واجهت مقاومة سياسية أو أمنية واسعة؟