صبحي ساله يي
كاتب ومحلل سياسي
إتفاق السجين والسجان ... حين يسمى الخضوع شراكة
في الاتفاقات التي تُعقد بين السجان الغالب الذي يملك أدوات القوة والضغط، والسجين المغلوب على أمره والمحكوم بقيود الظرف والواقع ومحدودية الخيارات، وفي ظل غياب التوازن في القوة، لا يبقى مجال حقيقي للتفاوض، بل يصبح الأول (الأقوى) صاحب القرار والقدرة على فرض إرادته وتحديد حركة الطرف الآخر، فيما يجد المحروم من حريته خلف القضبان، نفسه من موقع الحاجة : ضعيفاً مكرهاً مضطراً منصاعاً يحاول التكيف مع الواقع وتقليل خسائره، ساعياً إلى انتزاع مساحة من حريته.
وفي مثل تلك الحالة، وحينما یملي الأٌقوى شروطه، لا تكون هناك حاجة إلى وسطاء وشهود، ولا إلى مراسم وبروتوكولات، ولا إلى ورقة مكتوبة تحمل تواقيع الطرفین، ولا مصافحة خلف الكاميرات، لأنهما بالأساس غير متكافئين. ولأن مثل تلك الإتفاقات تعقد غالباً في الكواليس والدهاليز، بعيداً عن الشفافية والوضوح، لذلك تكون الضمانات الحقيقية لها إما غائبة كلياً أو ضعيفة الحضور. كما لا يطلع الكثيرون على تفاصيلها، ولا يعرفون طبيعة الالتزامات المتبادلة، ولا حجم التنازلات التي قدمها السجين. وتبقى (الاتفاقات) في جوهرها رهينة لموازين القوى والظروف السياسية المتغيرة أكثر مما أن تكون مستنداً إلى أسس قابلة للاستمرار. أما عن سياق العلاقة بينهما فإنها لا تقوم على الثقة المتبادلة أو الشراكة، بل على ميزان مختل القوة، ولذلك يبقى الاتفاق بينهما عرضة للاهتزاز، وستبقى عقلية الغالب والمغلوب حاضرة في طريقة التعامل بينهما.
وحين يكون السجين منشغلًا بتحقيق مصالح شخصية ضيقة، لا يكون همه البحث عن الندية أو تغيير موازين القوى، لأنه يبحث عن رضا السجان ويأمل في الحصول على مكسب محدود أو امتياز مؤقت. لذلك فإن النقاشات ( إن كانت هناك نقاشات) ما قبل وما بعد الإتفاق لا تتحول فقط إلى حالة من العجز، بل تنحدر إلى مستوى المساومة والخضوع والامتثال وتقديم التنازلات، والمصيبة هنا تبرز حين يعتبرها السجين في العلن، حكمة وواقعية سياسية وشراكة وإنجاز تأريخي، وفي قرارة نفسه لا يثق بسجّانه رغم أنه فتح باب الزنزانة له .
سقت بهذه المقدمة لأشير الى الضجيج المصاحب لإتفاق أو تفاهم أو تقارب بين طرفين كورديين لا يثقان ببعضهما ولا يؤمنان بالشراكة بينهما، ولكنهما يبالغان في الاحتفاء به وتضخيمه إعلامياً ويصفانه بأوصاف رنانة من قبيل (التاريخية) و(الاستراتيجية) و(المصيرية). دون أن يدركا أن ماحدث مجرد سحابة صيف أو فقاعة، وإن كثرة الإشادات والتصريحات والبيانات والعبارات المنمقة لا تغيّر من حقيقة المعادلة شيئاً، بل قد تكون محاولة لإخفاء ما يعتري الإتفاق من هشاشة ونقص في الضمانات، ولإخفاء التصريحات والأوصاف السابقة التي أطلقها الطرفان أحدهما ضد الآخر، وما تردد بينهما من اتهامات وتهديدات وتحذيرات، وما تم تداوله من سلبيات وانتقادات متبادلة، بل وحتى ما شهدته الساحة من تنابز بالألقاب وتبادل للنعوت القاسية التي تجاوزت في كثير من الأحيان حدود الخلاف السياسي إلى التشكيك بالنوايا والولاءات.
أما الأسئلة التي تطرح نفسها هنا بإلحاح شديد، وتفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، وتدفع الناس إلى استحضار الماضي بكل تفاصيله، فهي: هل كانت تلك الاتهامات صحيحة أم مجرد أدوات للاستهلاك السياسي؟ وهل كانت التهديدات حقيقية أم أوراق ضغط مؤقتة؟ وهل كانت الأوصاف والألقاب التي أُطلقت تعبر عن قناعة راسخة، أم أنها كانت جزءاً من معركة سياسية إنتهت بإنتهاء ظروفها؟ . وإذا كان إتفاق اليوم بهذا القدر من الأهمية، فلماذا كل ذلك التصعيد بالأمس؟ وإذا كان ما قيل بالأمس صحيحاً، فكيف أصبح الطرف الآخر اليوم شريكاً موثوقاً وجديراً بالإشادة؟
مع مرور كل يوم، تزداد الأسئلة وتقل الإجابات، ويصبح البحث عن الضمانات أكثر أهمية من متابعة رداءة الكلمات وصخب المؤتمرات الصحفية ومراسم الزيارات وصور المصافحات.