ثمن الحرب: التكاليف الخفية للتوتر المستمر في الشرق الأوسط

ثمن الحرب: التكاليف الخفية للتوتر المستمر في الشرق الأوسط
ثمن الحرب: التكاليف الخفية للتوتر المستمر في الشرق الأوسط

غالبًا ما تُقاس الحروب بعدد الصواريخ التي أُطلقت، والأهداف التي أُصيبت، والأعداء الذين جرى ردعهم. لكن التكاليف الأوسع للصراع نادرًا ما تقتصر على ساحة المعركة. فهي تتراكم مع الوقت من خلال الاضطراب الاقتصادي، والإنفاق العسكري، والضغط السياسي، وضياع فرص التنمية.

في الشرق الأوسط، لم يعد الصراع يُعرَّف بالحروب الرسمية بقدر ما يُعرَّف بالتوتر المستمر. وقد خلق الاستقطاب الاستراتيجي القائم بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والدول الخليجية الرئيسية بيئة أمنية دائمة تؤثر في الظروف الاقتصادية والسياسية حتى في غياب حرب واسعة النطاق.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الحفاظ على هذا الوضع مكلف. فمنذ عام 2001، أنفقت واشنطن أكثر من 8 تريليونات دولار على الحروب والعمليات الأمنية المرتبطة بها، وفقًا لمشروع “تكاليف الحرب” في جامعة براون. ويشمل ذلك الإنفاق العسكري المباشر، ورعاية المحاربين القدامى، والأمن الداخلي، والفوائد المترتبة على ديون الحرب.

إلى جانب الإنفاق طويل الأجل، تُبقي الولايات المتحدة قواتها العسكرية منتشرة باستمرار في المنطقة وحولها. إذ تُنشر القوات البحرية، وأنظمة الدفاع الجوي، ومنصات الاستخبارات، وهياكل الدعم اللوجستي بصورة دورية للحفاظ على الردع وحماية طرق الملاحة البحرية الرئيسية. وتترتب على هذه العمليات تكاليف مستمرة تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، حتى خارج أوقات الصراع النشط.

وتواجه إسرائيل أيضًا تكاليف أمنية مستمرة مرتبطة بعدم الاستقرار الإقليمي. فالدولة تحافظ على مستويات عالية من الجاهزية العسكرية، وتستدعي الاحتياط دوريًا، وتعتمد على أنظمة متقدمة للدفاع الصاروخي. وخلال فترات تصاعد التوتر، قد تشمل استدعاءات الاحتياط مئات الآلاف من الأفراد، مما يؤثر مؤقتًا في أسواق العمل والنشاط الاقتصادي.

كما تظهر آثار اقتصادية أوسع. إذ غالبًا ما يتراجع السياحة والاستثمار خلال فترات التصعيد، بينما تؤثر حالة عدم اليقين في التخطيط التجاري. وقد قُدرت التكاليف قصيرة الأجل المرتبطة بالصراع في إسرائيل خلال فترات التوتر الأخيرة بمليارات الدولارات، مع ضغوط مالية أطول أمدًا مرتبطة بإعادة تزويد منظومات الدفاع واستعادة الاستقرار الاقتصادي.

أما إيران فتواجه مجموعة مختلفة من القيود. فقد أثقلت العقوبات المستمرة، إلى جانب الضغط العسكري والضربات المتقطعة على البنية التحتية والأصول الاستراتيجية، كاهل اقتصادها بشدة. وكانت صادرات النفط، التي كانت تتجاوز في فترات سابقة مليوني برميل يوميًا، قد انخفضت بشكل كبير تحت وطأة العقوبات، مما حدّ من إيرادات الدولة وتدفقات العملة الأجنبية.

وتشير تقديرات مستقلة إلى أن الأثر الاقتصادي المشترك للعقوبات، وفقدان الناتج، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، يبلغ عشرات المليارات من الدولارات بمرور الوقت. وتؤدي هذه الضغوط إلى التضخم، وتقلبات العملة، وتراجع القدرة على النمو طويل الأجل.

أما دول الخليج، ورغم أنها ليست طرفًا مباشرًا في المواجهة العسكرية، فهي تبقى شديدة التأثر بعدم الاستقرار الإقليمي. إذ تعتمد السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان على ظروف أمنية مستقرة للحفاظ على تدفقات الاستثمار واستراتيجيات التنويع الاقتصادي.

كما تؤدي التوترات المتصاعدة إلى زيادة تكاليف الشحن التجاري. ففي بعض الحالات، ارتفعت أقساط التأمين البحري في المنطقة بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المئة خلال فترات ارتفاع المخاطر. كما أن إعادة توجيه السفن والتأخير في الممرات البحرية الرئيسية يزيدان من تكاليف الوقود واللوجستيات.

وتُعد أسواق الطاقة شديدة الحساسية. فأي تهديد متصور لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية، يمكن أن يطلق بسرعة موجات من تقلب الأسعار. وحتى الاضطرابات الصغيرة في إدراك المخاطر يمكن أن ترفع أسعار النفط وتنعكس على التضخم العالمي، وتكاليف النقل، والإنتاج الصناعي.

وتتجاوز هذه الآثار حدود المنطقة. فارتفاع أسعار الطاقة يؤثر في الزراعة العالمية، والتصنيع، والسلع الاستهلاكية. كما تتفاعل الأسواق المالية مع هذا الاضطراب بقدر من التقلب الذي يؤثر في المعاشات والمدخرات وقرارات الاستثمار المؤسسي. ونتيجة لذلك، تتحول حالة عدم الاستقرار الإقليمي إلى ضغط اقتصادي عالمي أوسع.

كما يتأثر التجارة الدولية كذلك. فشركات الشحن تواجه ارتفاعًا في تكاليف التأمين والأمن، بينما تؤجل الشركات عادةً قرارات الاستثمار بسبب عدم اليقين. وتتباطأ سلاسل الإمداد عندما تعطي الشركات الأولوية لإدارة المخاطر على حساب الكفاءة.

وتضيف الآثار الإنسانية بُعدًا أطول مدى لهذه التكاليف. فالضحايا المدنيون، والنزوح، وتدمير البنية التحتية، كلها تخلق احتياجات إعادة إعمار تمتد لعقود. وفي أرجاء المنطقة الأوسع، بما في ذلك غزة ومناطق أخرى متأثرة بالصراع، تُقدَّر احتياجات إعادة الإعمار بعشرات المليارات من الدولارات، مع تجاوز بعض التقديرات 50 مليار دولار بحسب حجم الدمار.

ولا تقتصر إعادة الإعمار على البناء المادي فقط، بل تشمل أيضًا استعادة نظم التعليم، والبنية التحتية الصحية، والإسكان، والخدمات العامة. وهذه العمليات تؤثر في مسارات التنمية طويلة الأجل وتتطلب دعمًا دوليًا مستمرًا.

كما أن الآثار السياسية كبيرة أيضًا. فالحكومات في أنحاء المنطقة تواجه ضغوطًا داخلية بسبب خيارات السياسة الخارجية، والإنفاق العسكري، والالتزامات التحالفية. ويزداد الاستقطاب في الرأي العام خلال فترات عدم الاستقرار الممتدة، مما يحد من مرونة السياسات.

وفي الوقت نفسه، تظل المنطقة محورًا للتنافس الاستراتيجي العالمي. إذ تُراقَب القدرات العسكرية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، وعمليات الاستخبارات، وأدوات الحرب السيبرانية عن كثب من قبل القوى الكبرى. وكل موجة تصعيد تضيف بيانات تؤثر في التخطيط الدفاعي وقرارات الشراء العسكري على المستوى الدولي.

ومن التكاليف المهمة، وإن كانت أقل وضوحًا، *تكلفة الفرصة البديلة*. فالموارد المخصصة للجاهزية العسكرية، والردع، وإعادة الإعمار، هي موارد لا تتاح للتعليم، أو الرعاية الصحية، أو البنية التحتية، أو الابتكار.

ورغم صعوبة قياسها، فإن هذه التكاليف قد تؤثر في الأداء الاقتصادي طويل الأجل، بل وقد تتجاوز الإنفاق العسكري المباشر مع مرور الوقت لأنها تمثل نموًا مفقودًا لا إنفاقًا مباشرًا.

ويُظهر النمط الأوسع للتوترات بين الولايات المتحدة وإيران وعدم الاستقرار الإقليمي ديناميكية ثابتة. فحتى في غياب حرب شاملة طويلة الأمد، يفرض عدم اليقين الممتد تكاليف اقتصادية وسياسية وإنسانية ملموسة.

وفي النهاية، لا يُقاس ثمن الصراع فقط بلحظات العنف، بل أيضًا بالفترة الممتدة التي تليها، حين تُستنزف الموارد، ويتأخر الاستثمار، وتُقيد التنمية.

وهذا هو التناقض المركزي في الجغرافيا السياسية الحديثة: فالتوتر المستمر وحده قادر على توليد تكاليف واسعة النطاق، ومستمرة، وعالمية الطابع.