مشروع إبراهيمي أم امتداد لرسالة بارزان؟ الأبعاد الحضارية والروحية لصَرح دينيّ شامِخ..

جامع البارزاني الكبير.. بين أصالة الهُويّة الكوردية وإسقاطات المشاريع الوافِدة

مشروع إبراهيمي أم امتداد لرسالة بارزان؟ الأبعاد الحضارية والروحية لصَرح دينيّ شامِخ..
مشروع إبراهيمي أم امتداد لرسالة بارزان؟ الأبعاد الحضارية والروحية لصَرح دينيّ شامِخ..

في خِضمّ النقاشات التي رافقت الإعلان عن مشروع جامع البارزاني الكبير، برزت محاولات لربطه بما يُعرف إعلاميًا "بالمشروع الإبراهيمي"، وكأنّ هذا الصّرح الديني والحضاري ليس سوى امتداد لمشروع سياسي عابر للحدود. غير أنّ هذا الربط يفتقر إلى السّند التاريخي والفكريّ، ويغفل خصوصية التجرِبة الدينية والوطنية في كوردستان، ويخلط بين مفاهيم متباينة في منطلقاتها وأهدافها.

إنّ قراءة هذا المشروع قراءةً مُنصِفة تقتضي النّظر إليه في سياقِه الحَضاريّ والثقافي، لا من خلال إسقاطات سياسية أو تصورات مُسبقة. ومن هنا يمكن تناول القضية عبر أربعة محاور رئيسة:

أولًا: التّعايش قِيمة أصيلة لا مشروع مُستورَد

لم تكن كوردستان، ولا مدرسة بارزان الروحية والوطنية، يومًا بحاجة إلى أطروحات وافِدة لتتعلّم معنىٰ التعايش أو احترام أتباع الديانات المختلفة.

فالتاريخ الكورديّ، سيّما تاريخ شيوخ بارزان، يشهد بمواقف راسخة في حماية المسيحيين واليهود وسائر المكونات المجتمعية خلال مراحل عصيبة، دون أن يكون ذلك على حساب ثوابت العقيدة أو خصوصيتها.

لقد انطلق هذا السلوك من فهم أصيل للدين، يرى في كرامة الإنسان قيمة شرعية، وفي العدل فريضة، وفي حُسن الجوار خُلقًا دينيًا، لا نتيجة تَبنّي مشاريع سياسية معاصرة أو رؤى مستوردة.

ومن هذا المنطلق، فإن جامع البارزاني الكبير يُمثّل تعبيرًا عن أصالة الهُويّة الكوردية، وامتدادًا لتُراث التّصوف والعِرفان الذي عُرفت به منطقة بارزان، فهو فضاء لإقامة الصلاة، وإحياء العلم، وترسيخ القيم، لا لإذابة الفوارق العقدية أو إعادة صياغة الأديان في إطار واحد.

فاحترامُ الإنسان لا يعني تمييع العقيدة، كما أنّ الثبات على الدّين أو المبدأ لا يُناقض الانفتاح على الآخرين؛ بل إنّ الدّين جمع بين الأمرين في أرقىٰ صورِه.

ثانيًا: حَلْقة جديدة في السِّلسلة الروحيّة لبارزان

لا يُمكن فهم هذا الصَّرح بعيدًا عن الامتداد التاريخي لمدرسة بارزان، التي أرست دعائمها شخصيّات دينية ووطنية كان لها أثر بالغ في تَشكِيل الوعي الروحي والقومي في كوردستان.

فمنَ الشّيخ عبد السّلام البارزاني، إلى الشيخ أحمد البارزاني، وصولًا إلى القائد الخالد الملا مصطفى البارزاني، تشكّلت مدرسة جمعت بين صفاء الإيمان، والالتزام الأخلاقي، والدفاع عن الأرض والكرامة.

واليوم يأتي هذا المشروع ليُجسّد استمرار هذه السلسلة المباركة في إطار عمراني وثقافي جديد، يُعبّر عن رؤية تؤمِن بأنّ بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء المؤسسات، وأنّ النهضة الروحية والثقافية تَسيرُ جنبًا إلى جنب مع التنمية والإعمار.

هذا الامتداد، يتجسّد اليوم جليًّا في رؤية الرئيس مسعود بارزاني، وخريطة طريق رئيس الوزراء مسرور بارزاني.

لقد حملت مدرسة بارزان السِّلاح دفاعًا عن الوطن، وحملت المُصحف تزكيةً للنفوس، ولم ترَ يومًا تعارضًا بين حماية الأرض وعمارة المسجد، ولا بين الكرامة الوطنية والإيمان بالله.

ثالثًا: التاريخ لا يَحكم على المشاريع في لحظة ميلادِها

اعتادت المشاريع الحضارية الكُبرىٰ أنْ تُواجِهَ مَوجات من التّشكيك عند انطلاقها، ثم ما تلبث أن تتحول، مع مرور الزمن، إلى علامات مُضيئة في سجِلّ الأمم.

ولو استسلمت الحضارات لصخب اللحظة، لما قامت الجامِعات الكُبرىٰ، ولا المساجد التاريخية، ولا المؤسسات العلمية التي أصبحت فيما بعد مفاخر للشعوب.

ولهذا فإنّ القيمة الحقيقية لأي مشروع لا تُقاس بما يُثار حوله من جدل عند ولادَته، وإنما بما يُقدّمُه للأجيال اللاحقة من أثر علمي وثقافي وروحي.

ومن المتوقّع أن يتحوّل جامع البارزاني الكبير إلى مركز للعلم، ومنارة للثقافة الإسلامية، وفضاء للحوار الرصين، ومؤسسة اجتماعية تُسهم في خدمة المجتمع، وتُعنىٰ بتأهيل الأجيال، وصيانة الهُويّة، وتعزيز قيم الاعتدال والانتماء.

وعندئذ سيُدرك كثيرون أنّ حجر الأساس الذي وُضع اليوم لم يكن مُجرّد مشروع إنشائي، بل استثمارًا بعيد المَدىٰ في الإنسان والهُويّة والحضارة.

رابعًا: بين المشروع السياسي والإرث الحضاري

إنّ الخلط بين مشروع سياسي معاصر وبين الإرث الروحي لبارزان لا يقوم على أساس معرفي متين.

فمدرسة بارزان ليست وليدة تحولات سياسية حديثة، وإنّما هي امتداد لتُراث دينيّ واجتماعي عريق، تَشكّل عَبر عقود طويلة من التربية والإصلاح والكفاح الوطني، واستمد شرعيته من المجتمع الكوردي نفسه، لا من أجندات خارجية.

ولهذا فإنّ هذا الصرح لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل تجسيدًا له في صورة معمارية معاصرة؛ فهو امتداد لقيم الإيمان، والعلم، والتّكافُل، والدفاع عن الكرامة الوطنية، التي شكّلت جوهر هذه المدرسة عَبر تاريخها.

إنّ الأبنية العظيمة ليست مُجرّد حجارة ترتفع في السماء، وإنما هي أفكار تتجسّد في العمران، ورسائل تبقىٰ بَعد أن يَهدأ ضَجيج السّجالات.

ولعلّ الزمن وحده هو الحكم الأعدل؛ إذ تمضي الأصوات العابرة، بينما تبقىٰ المنارات شاهدة على هُوِيّة الشعوب، وحارسة لذاكرتها، ومصدر إلهام لأجيالها القادمة.

ومن هنا، فإن قراءة جامع البارزاني الكبير ينبغي أن تنطلق من تاريخه الطبيعي وسياقه الحضاري، لا من إسقاطاتٍ سياسيةٍ طارئة، وأن يُنظر إليه بوصفه مشروعًا لترسيخ الهُويّة الكوردية الأصيلة، وإحياء الإرث العلمي والروحي، وتعزيز المكانة الحضارية لكوردستان، في إطارٍ يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويصل الماضي بالمستقبل، دون أن يتخلّىٰ عن ثوابته أو يفقد خصوصيته، متسلحًا بأصالة الهُويّة الكوردية، وسائرًا على خُطىٰ الأجداد المناضلين، وحافظًا لتقاليدهم وقيَمِهم النّبيلة.