بقية الحديث.. الحق و وجوهه
قد طالما زالت انظمة و وجوه اعتمدت الباطل عقيدة تأسيس و عمل، فإن قد تكون نجحت- بل نجحت فعلا- وازالت الحق لفترة او اخفته او خوفته، و هي سبيل ذلك انفقت فكرا و مالا و تحملت وزرهما و وزر ضحاياها و ضحايا من عينتها اتبعتها خوفا او طمعا او جهلا، و لربما صنعت مجدا كذوبا، لكنها و امام معايير الشرف و الانسانية و التقييم المنصف لا تكاد تصمد ثم تهوي الى ذلك الوادي المذموم الذي تزدحم فيه كل سابقتها من انظمة الجور، و افراده.
لكنها لم تتمكن لا من البقاء و لا تمكنت من اجتثاث فكرة الحق و لا امكانية رجوعه و نموه، ذلك لان الحق حقيقة مطلقة و واقع متغير، اما الباطل فمصطنع و هو واقع وليس حقيقة لانه ببساطة ادعاء كاذب، و مهما كبر و تجذر فهو ادعاء كاذب و غريب.
لقد زحف الباطل السلطوي في بلادنا ليكون كاشفا لفرق الفعل من اعلان المعتقد، اذ ان المُعلِن عن اعتقاده لن يكون من مؤمني معتقده ان خالفت افعاله نصوص معتقده، و منها ينسحب الامر على قضيتين، الاولى ان دستور دولة ما هو شريعتها الوضعية التي تصالحت على نصوصه الى حد كبير، لكنها ان كانت نصوص عدل وتم اعتمادها فإن العمل بها ايمان و مخالفتها كفر و إلحاد و نفاق و استهزاء، و لقد راكمت الذاكرة و زوايا الماضي من امثال هؤلاء كثيرين، كانوا يخلّون بالعقد و يخونون الامانة و يكذبون و يعدون فيخلفون الوعد.
ان الذي وصل للسلطة و ادعى احقية ما وصل اليه، ثم ركن للهوى فراح يميز بين الرعية على حسب مراده لا بحسب ضوابط عادلة فضيّقَ على الناس ثم استخدم السلاح لقتلهم و التجويع لتركيعهم، ملبسا باطله ثوب حق كذوب، هو كافر و محدث من جاهلية مستمرة، ليخلفه من اشترع شرعة فوق القانون ليكون قانونه الحزبي نافذ على سلطة الدولة بكلها، فيحدث لكل ما يعتقد انه جرم حسب مايراه مزاج مخططه، فذلك مبتدع للسوء، رجع بالناس ليضع لهم دينا يضبط سلوكهم حسب ضوابطه، فكان ان اشترى بثرواتنا سلاحا قتلنا به مرارا و تكرار و اصرارا، و احدث في جينات المجتمع ما احدثه من تلاعب حتى صار السفهاء هم اهل الحل و العقد، و انزوى العلماء و الواعون منقسمين بين مواجه و هارب و مقتول و ساكت، او قد نكص و صار مع الذين اتبعوا الباطل عن جهلهم و هو لطمع.
لكن المرارة ان يغيب الاتعاظ، و ان يعود قسم من اللاحقين ليكرروا و يوغلوا في افعال مثل افعال سوء السابقين و اسائتهم، فلا يغيب الفقر و لا يقل الجهل، و تقل عفة اليد، و يطول لسان الكذب و يصبح التدليس عرفا.
إن الحق موجود، مرتبط بوجود الانسان الاول المكلف بأداء رسالته، و قد صار الحق في بعض المجتمعات مخفيا اختفاء المعدن النفيس، تعلوه طبقات من الصخر و التراب او غارقا في ظلمات الماء، بغية ان يكون الباطل هو الحق.
فتش عن كل مظلوم معوز محروم، ستجد خيال الحق معه و غول الباطل امامه.
إن الحق و انجازه و ان تأخر او غاب فالعاملون عليه و به هم مِثله حقيقيون مثلما هو الحق حقيقة، و اما اهل الباطل و مهما اشتغلوا و كالوا و احاطوا انفسهم بالسلطة و الدعاية، فهم مثل سابقيهم واقع مقترن بزمن مهما طال فهم واقع فقط وليس حقيقة.
ان مثل الذين ينكرون الحق و قد تمكنوا من الامر ثم قلبوا للناس ظهر المِجَن( قلبوا الدرع اظهارا للعداء) ثم ظنوا انهم بذلك سيبلغون مراد بقائهم، فهم ليسوا اكثر من تلك الصورة التي وردت كلماتها في سورة الرعد(.. إلّا كباسط كفّيه الى الماء ليبلغ فاهُ و ما هو ببالغه..)
فبسط الكف لماء بعيد لن يجعل الماء يصعد للافواه ( افواههم) فيشربون.