السياسة لغة و مفردات و اداء
الاحاطة بأغلب اللغة ليست كافية للعمل في مجال تخصصٍ له لغته الخاصة ان لم يتم الاحاطة بلغة ذلك المجال، اللغة وعاء يضم مفردات متعددة، منها مفردات السياسة، و كل لغة و كل مفردة اما ان تكون ممتلئة او فارغة او بين بين، و ثمة اقتصاد لغوي في السياسة وله معنيان، الاول ان تكون هناك قصدية للتصريح، و الثاني ان تتم دراسة الحاجة للتصريح من عدمه.
عندما يكثر الكلام يرتفع امتحان الاخرين للمتكلم، اعمله يوازي كلامه، ايقترن كلامه بعمل؟ قد يكون كلامه افضل من عمله او العكس، و الافضل ان يكون كلامه مثل عمله، اما ان يكون كلامه بلا عمل فتلك مصيبة، وان كان كلامه خلاف عمله اي ان يسوق مفردات و العمل منعدم او سيء فهذا يقال له انه يحمل واحدة من آيات النفاق الثلاث.
نعم، للسياسة مفردات متميزة و لغة متميزة، تكون من العبقرية بمكان انها تشبه استيعاب الحاجات المراد التعبير عنها استيعاب الدورق للسائل، و تعرضها بحنكة بعد ان تحيط بكل الفكرة المراد تقديمها، تاريخيا و قانونيا و توقيت طرح، و ان تلم معها بلغة و مستوى فكر المقابل المطروحة امامه القضية لحلها او لتكوين فريق مساند للحل، او تحييد المعادي لها ان تعذر كسبه للتأييد.
والسياسية لغة و مفردات و اداء عمل تنتقل داخل مجالات هي محطات اختبار لها، الداخلية و الخارجية، و في كل المجالات ثمة مكان للسياسة لا بمعناها الذي تتخيله العقول القاصرة، بل هي التخطيط بعينه و الذي منه و بموجبه تصل مؤشرات تبين ذكاء و حيوية السياسي من جهله او قصوره، فالسياسة ليست شخصا او مجموعة بهندام انيق يجلس في اجتماع مرددا لمفردات تمشية امور، فالفهم هذا يشبه فهم من يعتقد ان الديمقراطية ما هي الا انتخابات شريطة ان يفوز هو فيها فإن خسرها ارتد الى ما كان عليه.
محللات السياسية و محرماتها مرجعها أخلاقي قبل ان تكون محددة بنصوص قانون العقوبات، ذلك ان الاخلاق مثل العدالة لا تتجزأ، فيما القانون متبدل و ليس موفقا دوما في ضبط كامل للاداء او التنفيذ على الكافة.
معرفة محرمات السياسة امر اساسي للوقاية من مستخدمها، ذلك ان استخدام السياسة السيئة جهلا او تعمدا، يشبه زراعة الغام واخفاء خرائط توزيعها.
واجهنا و لم نزل نواجه من يمارس السياسية حاملا شهادة ممارسة اقل بكثير من متطلبات استيفاء الدور، دليل ذلك جبال المشاكل التي قامت بسبب طموح العمل لغايات كسبية سريعة، اموال و جمهور مصلحي، و النجاح في ذلك نجاح لا يصمد امام ابسط طعن في صدقية و علمية كثير من مدعي الصفة السياسية، فضلا عن مراجعة تنامي ماكسبهم على حساب السيادة و المال العام، والتي تكشف شبكات ارتباط تخادمي نابعة و صاعدة من اعماق دولة عميقة متعددة المنابت.
السياسة مثلما لها القدرة على النهوض بالمجتمع و الدولة و تهذيب السلطة، فهي ايضا اداة و لها القدرة على ان تكون عامل هدم و تحطيم سريع و بطيء و غير محسوس احيانا.
هنا يكون الوعي الاجتماعي هو العصب الحسي الذي وحسب سلامته ينذر مع اول خلل، اما اذا كان مخدرا، او مقطوعا، فإن المرض يتسع و يصعب علاجه، و تبقى رقابة المجتمع الدولي هي التي قد تتعامل مع المنطقة المريضة سياسيا و حسب المصالح.
المرض الذي جلبه من لا يفقه شيئا في السياسة لغة و مفردات و عملا.